📁 آخر الأخبار

الاخلاق في زمن الثلاجة - الجزء الاول

الاخلاق في زمن الثلاجة

الاخلاق في زمن الثلاجة - الجزء الاول 

الفرفار العياشي 
https://www.b-sociology.com/p/blog-page_5.html
تم التحقق من هوية الكاتب 
الرب يرسل ملاكا لكي يقبض روح ام .... , ينزل الملاك مسرعا لان عصيان الامر الالهي يعني التحول من ملاك الى شيطان ؟ اما الانسان فهو وسط بين الاثنين !
الفصل شتاء و برد روسيا لا يقاوم بدرجة حرارة قد تصل الى 30 درجة تحت الصفر , ينزل الملاك يجد الام الفقيرة تحوز طفليها المرتعشان من شدة الالم و الجوع و البرد , يتألم الملاك و يشفق على طفليين و يتألم لحالهما و هو يتحسر كيف يقبط روح الام و يترك الطفلين بلا اب و لا ام في مواجهة واقع قاس ؟
يتالم , الملاك و يعود الى السماء دون انجاز المهمة المطلوبة منه بان يقبض روح الام ؟؟
بلاشك , الملاك ارتكب عصيانا , حين رفض تنفيذ امر الالهي , و النتيجة عقوبة ان ينزل الى الارض و يتحول الى انسان ! ( كل من يتالم يدفع الثمن )
الملاك / الانسان سيعود الى الجنة و الى طبيعته الاولى حين يكفر عن خطيئته عبر فعل المحبة , فالمحبة وحدها طريق للجنة حسب رواية ليو توليستوي الرائعة .
هذه موجز من رواية الاديب و الروائي الروسي ليو تولستوي لماذا نحى ؟
ما نعيشه في واقعنا من وقائع وجرائم تزلزل الجبال من شدة قساوتها , لاسيما تلك التي تتعلق بالعنف ضد الابناء و ضد الاصول , الايام القليلة خبر صاعق لجريمة قتل بشعة , بمدينة العرائش اب يقتل ابنه و بدم بارد بمشاركة من زوجته الثانية , خطورة و قساوة الفعل تتمثل في طبيعة الفعل حين يتم دبح طفل كما تدبح اضاحي العيد , ويتم تقطيع جثة الطفل الصغير و توضع في اكياس بلاستيكة و يتم تخزينها بالثلاجة ؟؟
تقطيه جثة طفل ووضعها بالثلاجة , الى جانب الحليب و الخضروات و المعندوس , وهو مؤشر دال يدفعنا الى البحث في طبيعة التحولات العنيفة التي اصابت النسق القيمي و الاخلاقي للمجتمع المغربي .
قتل طفل و تقطيعه ووضعه في الثلاجة يقود الى طرح فرضية لتفكير حول علاقة النسق القيمي بالتكنولوجيا ومنتوجاتها الثلاجة نموذجا . التكنولوجيا و تعني الإنتاج و الإنتاج يقود الى الربح المادي الذي يكون دائما على حساب قيم اخرى .
التكنولوجيا المرتبطة بالعقل الاداتي ساهمت في ضمور الحس الأخلاقى، وتحويل الانسان إلى كائن وظيفى لا يتساءل كثيرا عن الغايات النهائية للأشياء، و عن المعاني الكبرى للحياة و الوجود و انما البحث عن تامين شروط البقاء .
ما وقع يكشف ان كل المنتوجات التكنولوجية ليست مجرد ادوات للاستعمال و إنما تقافة تستحوذ على الإنسان و تسيطر عليه , الهواتف الذكية اختطفت الإنسان و شاشات التلفاز ابتلعت الانسان .
فالثلاجة ليست مجرد اداة لتخزيين المواد الطرية بغية الحفاظ عليها لكنها نسق من القيم المعولمة الميشرة بالثقافة الاستهلالية , تنشر البرودة ليس فقط في فضائها الداخلي من اجل الحفاظ على الاشياء المخزنة لكنها اداة فعالة في نشر البرود الاخلاقي و القيمي .
قديما حين لم يكن الفقراء يملكون ثلاجات , كان مفعو ل التصدق كبيرا , فكل فائض على الاسرة يتم التصدق به سواء كان طعاما او فاكهة او حتى لحم و غير ذلك مما يحتاجه البسطاء في معيشهم .
فالثلاجة شكلت مانعا للخير و التصدق , لانها اصبحت توفر مجالا لتخزيين , وهو ما يعكس تحولا قيميا حادا , من التصدق على الفقراء و بالتالي تخزين الاجر عند الله على اعتبار ان فعل الصدقة في المدلول الفقهي هو تجارة مع الله , اما الثلاجة فقد منعت التجارة مع الله و حولتها الى فعل احتفاظ ذاتي و اناني من خلال تخزيين الفائض في الثلاجة , و هو ما يقود الى جملة من الاستنتاجات من اهمها شيوع العلاقات الباردة بين الجيران و داخل الانسجة الاجتماعية و لعل من الامثلة الاكثر وضوحا كيف يتم تقسيم اضحية العيد و تقسيمها حسب برنامج دقيق، فشراء الاضحية يكون مقرونا بشراء كمية من الاكياس البلاستكية المعدة اصلا لتخزيين و الاحتفاظ .

ما كان يتم التصدق به اصبح يتم تخزينه و هذه احدى مظاهر التحول في النسق القيمي , لكن الامر قد يتجاوز ذلك بكثير حين يتم يقتل الاب ابنه و بدم بارد و يتم تقطيعه و وضعه في الثلاجة , تقوم الزوجة بفتح الثلاجة و تاخذ ما يلزمها من خضروات و مستلزمات و هي تنظر الى اطراف الطفل المقتول, و بدم و حس باردين تقوم بتهيئ الطعام ., تم يجلس الاب القاتل يتناول طعامه و ربما بشهية غير معتادة .
صحيح ان جريمة القتل هي فعل معقد متعدد الابعاد يصعب تحديد مسبباته في البعد التكنولوجي فقط , من خلال دور الثلاجة في تحويل الاحاسيس الدافئة و الحارة الى احاسيس باردة حيت يقتل الاب ابنه ويضعه في ثلاجة المنزل .
فالفعل يمكن تفسيره او على الاقل ايجاد نموذج مثالي للتفسير وفق رؤية ماكس فيبر عبر استدعاء روية متقاطعة لفعل القتل .فالفعل هو سلوك منحرف خارج النسق القيمي و يشكل اعتداءا عليه تفسيره يقتضي التعدد و ليس الاختزال من خلال استدعاء مختلف النظريات البيولوجية و السيوكولوجية و الانتربولوجية و السوسيولوجية المفسرة لجريمة القتل .
فالثلاجة كمنتوج تكنولوجي ساهمت في خلخلة النسق القيمي و حولت اخلاق المجتمع من اخلاق ساخنة و حارة الى اخلاق باردة و بلا حس و النتيجة الاب يقتل ابنه و بدون احساس بالذنب .

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات