📁 آخر الأخبار

العقلانية الإلكترونية ومنطق الهيمنة

العقلانية الإلكترونية ومنطق الهيمنة
العقلانية الإلكترونية ومنطق الهيمنة - محسن اعريوة

العقلانية الإلكترونية ومنطق الهيمنة

https://www.b-sociology.com/p/blog-page_5.html
تم التحقق من هوية الكاتب 
 الأستاذ الباحث محسن اعريوة

شكّل الغزو الإلكتروني طفرة ابستيمولوجية وسوسيو-ثقافية استبدّت بمناهج وبرامج التعليم الحديثة وهيمنت عليها وحاصرتها في ركن الزاوية.. مما أدى إلى تشكيل وعي مجتمعي أحادي.. شأنها في هذا، شأن وسائل الإعلام بشتى أنواعها، وفي نفس الآن صارت النتيجة غياب العقل النقدي والاستقلالية بالرأي، حيث أصبحنا أمام فكر أحادي مؤطِّر بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؛ وهذه أكبر انتكاسة حضارية تُعاني منها الأمم اليوم.. فالمجتمع الصناعي لم يزيّف ويغلّف المواد الغذائية وصنوف المآكل والملابس ويصدّرها.. بل تجاوز ذلك إلى تنميط الأفكار وتحنيطها.. بفعل الموضة الثقافية السائدة والإصلاحات التعليمية المتتالية.. لا لشيء إلا لأن الفكر الحر وحده القادر على مواجهة السيطرة والتصدي لكل أشكال العبودية الطوعية!

وهذا الغزو الثقافي الذي تفرضه العقلانية الإلكترونية نابعٌ من عمق سياسة القوة الناعمة؛ والتي تحاول أن تسيطر على العالم ثقافيا وفكريا وصناعيا، لأنها فشلت في ذلك على المستوى العسكري والسياسي والديبلوماسي.. لهذا يقول جورج طرابيشي: "لم تستطع أكثر الأنظمة إفحاشاً أن تلغي في يوم من الأيام البعد النافي، السالب للسيطرة والإكراه. ولكن ما عجزت عنه الديكتاتورية حققته اليوم الديموقراطية" ما يشي بظهور ديكتاتورية أنيقة، تتعاطى مع كل الأشكال المجتمعية بطريقة لبقة في الخطاب الإيديولوجي، وبتعبير هربارت ماركوز "افتقاد الحرية في إطار ديموقراطي" وهذا ما يميز الحضارة الصناعية المتقدمة ويشهد على التقدم التقني.
        لقد أحدثت السيولة الباومانية (نسبة للسوسيولوجي البولندي زيجمونت باومان) سِجالاً عميقاً في فكرنا المعاصر.. بحيث أماطت اللّثام عن مجموعة من القضايا الرّاهنة التي يعيشها الإنسان كل يوم دون وعي منه بها.. وفي نفس الآن قام بتشريح العديد من المصطلحات والمفاهيم كـالحياة والحُبّ والحداثة والأخلاق والأزمنة والشر والخوف... وذلك وفق مقاربة فلسفية عميقة...
في كتابه "المراقبة السائلة" أشار باومان إلى تحوّل عظيم في ثوبه الجديد كما قال كارل بولانيي.. فالبشرية تعيشُ أزمةً خانقة استبدّت بها.. وجعلتها تعيشُ في عُلبة صغيرة تحصي حركاتها وسكناتها، ما أدى إلى فكرة علمنة الإله الرقيب؛ وذلك بالانتقال من عقيدة الرقابة الإلهية إلى حقيقة العين الفاحصة للسلوك الإنساني.. بدءً من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الكاميرا في الهاتف والشارع أو في محل تجاري (مرحلة البانوبتيكون)* ثم إلى النّزعة الاستهلاكية والتحكّم الإلكتروني اقتصاديا والفرز الجماعي (مرحلة ما بعد البانوبتيكون) وهنا يفتقد الإنسان إنسانيته وينتقل إلى العبودية الطوعية حسب تعبير إيتيان دو لا بويسي فيصير عبداً للسوق التجارية وللأفكار الرائجة وللموضة الشائعة... جاء في الكتاب: إن ما كان خفياً في الماضي -كلّ بوح بالأسرار، وكلّ حياة داخلية- لا بد من إفشائه على المسرح العام (على شاشات التليفزيون بالأساس، وأيضا على صفحات الأعمال الأدبية)، وعليه فإن من يتهمون بعدم الظهور لا بدّ من رفضهم، واستبعادهم، أو الاشتباه بارتكابهم للجرائم؛ فالعري الجسدي والاجتماعي والنفسي هو سمة العصر"!

وهذا ما يؤكده الواقع المعيش.. وذلك بفضح العلاقات المجتمعية والتشهير بها مما أدى إلى التفسخ القيمي لدى المجتمعات العربية التي كانت ولازالت وفق دائرة التابو أو المناطق اللامفكّر فيها؛ التي يُحرم -بتعبير الفقهاء- المراء فيها.. وهذا سببه العقل الفقهي المؤطَّر بسياج دوغمائي.. الذي ظلّ خطابه محتشما... والقراءات الحداثوية؛ التي تسوّق لقيم وأفكار مُجتمعات أخرى تحكمها سياقاتها وظروفها..
إن أشكال الرقابة المتعددة للدول ليس همها الأمن ولا القضاء على الفكر المتطرّف.. بقدر ما غايتها إحداث فكر راديكالي مقصده الأساس السيطرة والقضاء على الإنسان المهدور وليس كل إنسان".
*السجن المثالي الكبير الذي يتوسطه برج يراقب كل شيء، فهو النموذج الأصيل لفكرة النظام والانضباط والوضوح التام-

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات