check_circle
اللغة و العنف .
اللغة ليست مجرد فعل كلام , الكلام هو الجزء المنطوق من اللغة, فالكلام هو بنية فكرية وتقافية تتعدى التواصل و الحوار و التعبير و التفاعل و بقدر ما هو بينة تقافية تكشف طبيعة الثقافة التي يحملها الإنسان / الناطق .
تعدد اللغات يعني تعدد الثقافات باعتبارها أنماط من السلوك التي تشمل علاقة الإنسان بنفسه و بغيره و بمحيطه المادي و حتى بتاريخه و قيمه .
ان يكون الكلام جزء من اللغة فهو فعل تقافي يتميز بالتمايز و الخصوصية اي لكل منطقة كلامها و لغتها الخاصة . فالانسان المتكلم / اللغوي يبني لغته من داخل سياقه الاجتماعي و الثقافي العام من خلال استدماج قيمه و عاداته بما يمنح تصورات خاصة لوجوده المادي والرمزي , فاللغة هي وعاء تقافي فيها تتجسد الثقافات و تتنوع .
في قراءة للفعل الكلامي السائد في تقافتنا نجد منظومة من الخصائص لمتعددة و التي تمنح للفعل الغوي خصوصيته تمايزه , على اعتبار ان كل نسق لساني هو نسق انساني . اي ان اللغة و الككلام هما ادوات لاستكشاف الثقافة الانسانية و التمايزات القئمة بينها .
فكل كلام هو إحالة الى ثقافة ما , الى خصوصية تقافية معينة مما يجعل منه خزانا فكريا و تقافيا يكشف الطبيعة الثقافية للمتكلم .
- من هذه الخصائص نتوقف عن الاستعمالات المجازية و الثورية التي تختزن وراءها الكثير من مظاهر العنف و القسوة و حتى التخريب .
- بالتوقف عن فعل " ضرب " من اجل استكشاف استعمالاته و مدلولاته الاجتماعية يمكن الوقوف عند التوظيفات الاتية :
- - ضرب ايدو : بمعنى ربح الكثير من المال
- - ضربو البرد : اصيب بالزكام
- - ضرب الكاميلا : اشارة الى الانانية
- - ضربو الكحل في البيض : اشارة الى عقد الزواج
- - ضرب الفكد : اشارة الى الانتباه
- - ضرب الكاغيط : اشارة ال الزواج
- - ضرب شي دويرة : اشارة الى تجاوز الالحاح على طلب ما
- - ضرب الميزانية : اشارة الى الاختلاس
- - ضرب الحديد ماحدو سخون : اشارة الى ضرورة الاستفادة من الفرص
- - ضرب واحد التسفيرة :اغتنام الفرص .
- - ضربتو تالفة : اشارة الى فقدان التوازن و عدم التوفيق في اتخاد القرارات .
- - ضربها بواحد النعسة : مدح التواكل و عدم الجدية
- - ضربو حمار الليل : عدم معرفة الطريق
- - ضربتو طراكس : الاشارة الى مصيبة
- - ضربتو النفس : اشارة الى الغيرة على الاخر
- - ضرب واحد اللبسة : اشارة الى شراء ملابس
- - اضرب راسك مع الحيط : اشارة الى التحدي
- - ضربو تران : تعني الخسارة
- ضربو الضو : تعني الخسارة
- ضرباتو السلامة : الاصابة بمرض
من خلال العبارات المتداولة و الشعبية و التي تستعمل عبارة مشتقة من فعل ضرب , يمكن ملاحظة ان التوظيف الاجتماعي لكلمة لفعل " ضرب " يطغى عليها الطابع العنيف وهو ما يستدعي البحث في ما المحمول العنفي للغة؟
فكل تفاصيل الحياة اليومية من النوم الى الاكل الى اللباس مرورا بالعمل والراحة و والتحدي و المغامرة و الربح و التجارة و المرض و الصحة يتم استعمال اللغة العنيفة عبر استعمالات مجازية لفعل الضرب
الحضور المكثف للغة العنيف او للعنف داخل اللغة يفرض تفكيك بنية العنف اللغوي في الخطاب اليومي للمواطن العادي لاسيما في لغة الشارع .
الى جانب العنف المادي نجد العنف اللغوي وهو أيضا حدث لغوي أو فعل كلامي يعبر عن موقف سيكولوجي انفعالي يتم انجازه في سياق تفاعلي يتسم بالصراع و الخصومة مما يولد مشاعر الكراهية و الحقد كانفعالت سلبية ضد الاخر ، و قد تكون عدائية حتى ذات الذات الفردية او الجماعية , وهو ما يحضر بقوة في الخطاب اليومي بمجتمعنا عبر مدلولات فعل ضرب
لذا نفهم انه على المستوى التداولي، فإن ألفاظ وتعبيرات العنف تمثل أفعالا لغوية إنجازية وتأثيرية تؤدي وظائف تداولية معينة، وتسهم في بناء الخطابات العنيفة وتخصيصها بنيويا ونمطيا.
فالاستعمال العنيف للغة يجد تفسيره في الاساس السيكولوجي و البنية النفسية للافراد حيت تصبح اللغة اداة لكشف الطبيعة الداخلية للمتكلم ، وتتكفل بالتعبير عن مجاله الداخلي لاسيما مشاعر ه وإحساساته ومواقفه الانفعالية الواعية واللاواعية و هو ما يدفعنا الى تبني فكرة ان اللغة اداة نقل ماهو داخلي و جعله خارجيا .
فالكلام يصبح اداة تعبير عن المظاهر النفسية والشعورية تعمل على خلخلة وتشويش (بل تعديل)مدلولات الكلمات ونقلها من المستوى الطبيعي و المتعارف عليه كستوى اول الى مستويات اخرى من المدلولات المجازية عبر انزياحات تعبر ان المكبوث النفسي , بما يسمح بالتعبير عن الذات المضطربة و القلقة , وهو ما يجعل الكلام اداة تفريغ و تنفيس سيكولوجي او الوظيفية العلاجية للغة .
إن كل تعبير صوتي، حسب فوناجي ، هو من منظور التحليل النفسي تحقيق للذة ونوع من اللعب التصويتي الشبقيérotisme oral ، فكأن أعضاء النطق تؤذي وظيفة تطهيرية نرجسية une catharsis narcissique أثناء إصدار أصوات الكلام. وهو ما يفسر انتشار الثرثرة في المجتمعات المقموعة و الجاحة الى الحكي قصد التفريغ .
كما ان اللغة قد تصبح اداة صراعية و ووسيلة للاساءة و التشهير و الحاق اكبر اذى بالاخرين عبر قاموس ناقد وحاد يهدف الى نزع المكانة الاجتماعية للمشهر به , و يمكن في هذه الحالة الحديث عن اللغة السامة كما تحدث عنها الفيلولوجي الالماني فيكتور كليمبرر .
فاللغة اداة للسيطرة و بها تتحقق السيطرة و هو ما اشار اليه جورج اوريل في رواية 1984 حين تحدث عن اللغة المزدزجة حيت تلقين الافراد الشئ و نقيضه , حيت يصبح السلام هو الحرب و الحب هو الكراهية .
اذا كان التوظيف اللغوي لعبارة" ضرب " يحمل شحنات عنيفة ذات نزعة تدميرية تكشف لا تكشف عن طبيعة الكلام و لكن عن طبيعة المتكلم و عن سياقاته الاجتماعية و الثقافية .
فالكلام، تلك المساحة المتقاطعة مع الكثير من المساحات الاجتماعية والنفسانية والسياسية، فلا مفرّ من الخوض في هذه الانطباعات الذاتية والفردية لأثر العنف بهدف التفكيك. إن التتبع التأثيلي للكلمات، وتفكيكها عبر التحليل وعبر سياقاتها ،من شأنه أن يخطو الخطوة الأولى تجاه تفكيك بداهة اللغة و مدلولاتها و بداهاتها , من اجل تجاوز مرحلة الثقة المطلقة و اعتبار ان كل كلام هو فعل شخصي محمل بالكثير من الشحنات النفسية للمتكلم . الكلمات ذات الطابع النفساني للعنف اللغوي لها أهميتهافي استكشاف دور اللغة في كشف الجوانب النفسية للمتكلم . .
- بالرجوع الى نفس العبارة و التي ثم الوقوف عن استعمالاتها السياقية " ضرب " لكن في سياق الغة العربية كلغة عالمة يمكن ان يكشف لنا حجم التغييرات و الانزياحات من الفهم العالم الى الفهم العامي للغة عبر فعل الكلام .
- فكلمة ضرب لها الكثير من المعاني منها :
- ضرَبَ القلب اي تحرَّك ، نبض
- ضرَب الجُرحُ / ضرَب الضِّرسُ : اشتدَّ ألمه
- ضرَب العِرْقُ : اختلج
- ضرَب في الماء : تحرَّك وسبح فيه
- ضرَبَ الزَّمانُ : مضَى القرن الذي ضرَب مليء بكبار الحوادث
- ضرَبَ بين النَّاسِ : أفسد بينهم
- ضرَبَ شيئًا / ضرَبَ بالشَّيء / ضرَبَ على الشَّيء / ضرَبَ في الشَّيء : أصابه وصدمه
- ضرب اللهُ قلوبَ بعضهم ببعض : سلَّط كلاًُّ منهم على الآخر
- القوَّة الضَّاربة : مجموعة الوسائل العسكريَّة الحديثة ،
- ضرَب آباطَ الأمور : عرف بواطنَها
- ضرَب الأرزَ : قشَّره
- ضرَب البيضَ بالدَّقيق : خلطه ومزجه به ،
- ضرَب التَّاجرُ على يد شريكه : عقد معه البيعَ ،
- ضرَب الجرسَ : دقّه ، ضغط عليه ليرنّ
- ضرَب النَّومُ على أذنه : غلبه ، نام ،
- ضرَب بالأمر عُرْضَ الحائط : أهمله ، أعرض عنه ، احتقره ،
- ضرَب بذقنه الأرضَ : أطرق استحياء ، خاف وبكى ،
- ضرَب به الأرضَ : ألقاه عليها
- ضرَب بيده إلى الشَّيء : أهوى بها وأشار
- ضرَبتِ العقربُ الولدَ : لدغته ،
- ضرَب رقبتَه / ضرَب عنقَه : قتله بالسيف ،
- ضرَب عُصْفورين بحجرٍ واحد : حقّق هدفين بعمل واحد
- ضرَب على الآلة الكاتبة : كتب عليها ،
- ضرَب على الآلة الموسيقيَّة : طرق وعزف عليها ،
- ضرَب على الرِّسالة : ختمها ،
- ضرَبَ الشيءُ ضرَبَ ضَرْبًا ، وضَرَبانًا : تحَرّكَ
- ضرَبَ العِرْقُ : هاجَ دَمُه واختلَجَ
- ضرَبَ الرجُلُ في الأَرض : ذَهَبَ وأَبْعَدَ
- ضرَب الفحلُ النَّاقةَ : نكحها
- ضَرِبَ الوَلَدُ : أَصَابَهُ البَرْدُ
- ضَرِبَتِ الأَرْضُ : أَصَابَهَا الضَّرِيبُ ، الصَّقِيعُ
- ضَرِبَ الحَيَوَانُ : اِتَّسَعَ جَوْفُهُ وَعَظُمَ بَطْنُهُ
- ضَرَّبَ الشيءَ بالشيءِ : خلطه ومزجَه
- ضَرَّبَ بين القوم : أَغرى بعضَهم ببعض
- ضَرَّبَ المُضَرَّبَةَ : خاطَها
يتحقق الفهم بالقدرة على اجراء المقارنات , لذا فان فهم التوظيف الغوي و مدلولاته و علاقته بالبنية النفسية للمتكلم , تنكشف بمجرد اجراء مقارنات بين الاستعمال العامي و العالم للغة .
ففعل ضرب في الاستعمال العامي يغلب عليه طابع العنف - الربح – المرض - و التدمير و المكائد و الانانية - استغلال الفرص - الفشل – عقد الزواج – السرقة – التيه – مدح التواكل- عدم الجدية – الغيرة – التحدي و التنافس الغير الشريف – المصائب.
هذه الكثافة في الاستعمالات السلبية و التي تعبر عن مواقف سلبية و حتى عدمية من الحياة و من الاخر بما تمجيد فرص التواصل و استغلال الفرص يكشف أننا أمام بنية تقافية شديدة التعقيد و شديدة العنف الرمزي و الثقافي و الذي يجعل من المتكلم كشخص عدائي ضد كل القيم و ضد الاخرين ينجح حين يعرف كيف يمارس المكر و يستغل الفرص دون انتظار او تفكير .
العقل العامي هو عقل عملي , يتفاعل بشكل مباشر من خلال التجارب المخزنة في اقوال و حكم و مأثورات لفظية أصبحت لها سلطة رمزية تشبه مجموع النصائح التي ينبغي الاخذ بها .
فالعقل اللغوي من خلا ل استحضار مدلولات فعل ضرب تكشف عن البنية الثقافية للعقل اللغوي باعتباره منظومة افكار و معتقدات تأسس على الخبرة اليومية وعلى استغلال الفرص اظافة الى هيمنة الفكر العدمي و عدم الثقة في الاخر و بناء علاقات الاجتماعية على اساس اللا-ثقة.
وبهذا المعني، فاستعمالات المجازية لعبارة " ضرب " تكشف فضاءا تقافيا مرجعيا خاصا يمتاز بالصرامة و عدم التسامح و استغلال
و بالرجوع الى التوظيف المعجمي لكلمة ضرب , كثقافة عالمة يمكن ملاحظة ان المدلولات المعجمية تمتاز : بالتعدد, فدلالات الفعل تتعدى اربعين دلالة وهو ما يكشف التنوع و الغنى و التجريد .
تأسيسا على ما سبق ، فاللغة هي هوية مشكلة للذاكرة الفردية والجماعية متجاوزة ،بذلك، وظيفتها التواصلية و التعبيرية , انها نتاج العقل الجمعي، تسهم في تكريس تماسك المجتمع ووحدته ،مما يجعلها رمزا للهوية والسيادة الوطنيتين في ظل التصادم اللغوي وهيمنة الثقافة الرقمية وثقافة الحاسوب والانترنت و انفتاح الاجواء و تحول الهوية من هوية صلبة الى هويات سائلة في زمن شبكات التواصل الافتراضية .
ربما ادراك الفرق بين دلالات فعل " ضرب " بين الاستعمال اليومي و الاستعمال المعجمي يكشف حجم التفاوتات بين الاستعماليين و بالتالي حجم التباعد , مما يجعل التلاقي بينهما مسالة شبه مستحيلة في ظل الردة اللغوية و المتمثلة في تخلي مستعملي اللغة العربية عن فصاحتهم في زمن الانترنيت .
و تزداد المهمة صعوبة مع انتشار و اكتساح اللغة اللغات الاجننية او ما يمكن تسميته بالابتلاع اللغوي من طرف اللغات الاجنبية مما يزيد الامور تعقيدا .
العودة الى اللغة العربية و الى فصاحتها يحتاج نضالا لغويا , من ابناء البيت اللغوي , و الخروج من سياق الردة الى سياق اعادة الاعتبار للغة من اجل تحريرها من الاستعمال العامي و من اجل الانتصار لها في مواجهة اللغات الاجنبية .

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة