📁 آخر الأخبار

مـفهوم الجعـل والمجعـول بالـذات عند صدر الدين الشيرازي

مـفهوم الجعـل والمجـول بالـذات عند صدر الدين الشيرازي

مــــفهوم الجعــــــــل والمجعـــــــــول بالــــــذاتعــــند صدر الدين الشيرازي

محمد عنبري

للفلسفة الاسلامية تاريخ حافل بأعلام أصحاب المذاهب الذين انشأوا أنظمة فكرية استندت إلى التراث اليوناني من ناحية وتراث الفكر الاسلامي من ناحية أخرى، ونتج عن هذا التأثير المزدوج مركب فكري خاص يمتاز بالأصالة إذا ما قورن بسائر التيارات الفكرية في تاريخ الإنسانية، لهذا تعد الفلسفة الإسلامية بناءا فكريا رصينا ومعرفة إنسانية عميقة لا تقل أهمية عن نظيرتها في الغرب ولا عن سابقتها اليونانية، وقد ترتبت الفلسفة الإسلامية في عدة مباحث وعدة نظريات حاولت النظر إلى الوجود نظرة تأملية وفكرية بالكثير من الحكمة والتبصر.
إن فكرة التأمل في الوجود والنظر في أحواله وإمكانياته هو ما جعل فيلسوف أصفهان  صدر الدين الشيرازي محركا لبحثه وفلسفته المتعالية، فملا صدرا (الشيرازي) كما يسميه البعض ينحدر من أسرة ثرية شيرازية عريقة في النسب والشرف وكان وحيدها ذكر، كانت ولادته سنة 979 أو 980 هجرية الموافق ل 1571 ميلادية.
لقد مكنه ثراء أسرته من الانقطاع إلى الدراسة والتفرغ لها فهو فارسي[1] الولادة عربي التصانيف. رحل بعد وفاة أبيه إلى أصفهان عاصمة الصوفيين آنذاك والتي كانت مركزا للدراسات الدينية والفلسفية لإكمال دراسته فيها،وهناك تتلمذ على يد أساتذة كبار في الفلسفة وعلوم اللغة والأدب.
ويعود الأثر العرفاني سواء في فلسفته أو سلوكه إلى البيئة التي درس فيها، فقد سيطر على روحي هذا العصر في إيران اتجاهين رئيسيان:
-         التصوف وتأويل نصوص الشريعة.
-         الجمود على ظواهر الكتاب والسنة.
كما نشير أيضا إلى أن أصول ومصادر فلسفة صدر الدين الشيرازي قد استمدها من الدين الاسلامي ممثلا بالقرآن والسنة والروايات والأخبار التي تخص أئمة الشيعة، ثم الفلسفة اليونانية ممثلة في فلسفة أرسطو وأفلاطون  وأفلوطين وفورفريوس، ثم علم الكلام والفلسفة المشائية ممثلة في القضايا التي خاض فيها المعتزلة والاشاعرة ومن سار على نهجهم، ثم الحكمة الإشراقية والعرفان الإسلامي حيث استفاد فيلسوف أصفهان من الفكر السينوي والعرفاني ومن الحكمة الاشراقية  حيث تأثر بفلسفة السهروردي ومحيي الدين بن عربي .
لقد اعتزل صدر الدين الناس وانقطع للعبادة والرياضة مده 15 عاما [2] لا على درس يلقيه ولا تاريخ يتصرف فيه، بل منح حياته للانكشاف اليقيني بطول المجاهدات والانقطاع إلى الله تعالى.

مــــفهوم الـــجعـــــل

يقصد بالجعل لغة معنى الإيجاد والوضع والصنع والخلق والتصيير والتهييئ. أما في الاصطلاح الفلسفي فيقصد بالجعل العلية من حيث هي إيجاد علة لمعلول.
وتعتبر مسألة الجعل من الاشكالات الفلسفية التي تكتسي أهمية كبيرة، من حيث أنها تمكن من توضيح حقيقة صدور الموجودات عن الفاعل المطلق وطبيعة هذا الصدور والإيجاد، هل هي حيثية الوجود أم الماهية؟ وتكمن أهمية مسألة الجعل كذلك في ارتباطها بكل من مسألة الوجود والعدم ومسألة العلة والمعلول.[3]
ويعتبر صدر الدين الشيرازي أول من تناول بالتحليل هذه المسألة، حيث خصص لها ثلاثة فصول ضمن المرحلة الثالثة من الجزء الأول من كتاب (الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة) كما بحثها في بعض كتبه ورسائله مثل كتاب (المشاعر) و(الشواهد الربوبية) ورسالة (أصالة جعل الوجود).. وغيرها.
فماذا يعني الجعل في ارتباطه بالعلية أو الوجود؟ ما هو متعلق الجعل هل هو الوجود أم الماهية؟ ماذا يعني الجعل البسيط والجعل المركب وما الفرق بينهما؟

أهمية مسألة الجعل

يرتبط البحث في مسألة الجعل بالبحث في الوجود، كما أنه يرتبط بالبحث في علاقة العلة بمعلولها وطبيعة ونوع هذه العلاقة. وهذا يعني ارتباط البحث في مسألة الجعل بالبحث في المجعول المتعين من حيث هو وجود أو ماهية، لأن بحث الجعل يعني تناول العلاقة العلية من حيث هي إفاضة للوجود أو الماهية، أي هو بحث في من هو الأصيل منهما على مستوى التحقق والتعين.[4]
تأسيسا على قوله بأصالة الوجود واعتبارية الماهية، يرى صدر الدين الشيرازي أن العلة حين توجد المعلول فإن ما نجعله متعينا وموجودة بالفعل هو وجود المعلول وليس ماهيته، لأن ماهية المعلول لا تأصل لها، فهي أثر وعرض يلحق وجود المعلول. و في هذا الصدد يقول: (إن أثر الفاعل وما يترتب عليه أولا وبالذات ليس إلا نحوا من أنحاء وجود الشيء لا ماهيته لاستغنائها عن الجعل والتحصيل والفعل والتكميل، لا لوجوبها وشدة فعليتها، بل لفرط نقصانها و بطونها وغاية ضعفها وكمونها).[5]
وإذا كان الأصيل هو الوجود، فإن ما يصدر عن الفاعل هو الوجود، وهذا ما يعني تناسب وسنخية في العلية بأن يكون المعلول في وجوده مرتبطة بالعلية وعين ذاتها[6]، (إن المعلول يجب أن يكون مناسبا للعلة، وقد تحقق كون الواجب عين الوجود والموجود بنفس ذاته، فالفائض عنه يجب أن يكون وجود الأشياء لا ماهيتها الكلية، لفقد المناسبة بينها وبينه تعالی).[7]

ارتباط المعلول بالعلة في إطار سنخية ذاتية

إذا يجب أن يكون المعلول في وجوده مرتبطة بعلته وأن تكون بينهما سنخية ذاتية تجعله ممکن الوجود والإفاضة عن العلة. فثبت وتحقق أن المسمى بالمعلول ليس بالحقيقة هوية مباينة لهوية علنه الموجدة إياه.
وإذا انتفت هذه السنخية بين العلة والمعلول، فهذا يعني ارتباط وتعلق أي وجود بالعلة دون أن يكون بينهما تناسب، كما تصبح أي علة علة لأي موجود أو معلول، وهو ما يعني انتفاء جميع أسباب وجود المعلول عن العلة، (ولو لم تكن هناك سنخية بين الجاعل بالذات والمجعول بالذات يلزم صدور كل شيء عن كل شيء، وهذا التناسب التام بين العلة بالذات والمعلول بالذات موجود).[8]
كما أن وجوب وجود المعلول عند وجود علته يكمن في أن العلة قد تحقق فيها وجود المعلول قبليا. فالمعلول موجود في العلة ومتعين فيها بشكل أتم قبل أن يتم صدوره عنها، وهذا التحقق في العلة هو ما يكون مبدأ وراء إيجاد المعلول وإلا كان هذا الصدور والإيجاد شيئا غير متحقق في العلة. (إن لكل معلول قبل وجوده الخاص تحققا في علته ولكن بنحو أعلى وأتم من الوجود، وهذا التحقق في العلة نفسه مبدأ صدور المعلول وبدون هذا التحقق سوف لا يكون للمعلول وجود، وقد أطلق على هذا التعين في وجود العلة لدى أهل الحكمة الوجوب السابق على وجود المعلول).[9]
وهذا الوجود المسبق للمعلول في العلة، لا يعني أن المعلول مما يضاف إلى العلة وإنما يعني أن المعلول تجل من تجليات العلة ومعلوليته هي في تحققه. إن الحديث عن السنخية والتناسب بين العلة والمعلول، يعني أن المعلول يكون متعينا أولا في العلة قبل أن يكون له تحقق ووجود خاص. وارتباط وجود المعلول بالعلة يعني أن العلة هي التي تعطي المعلول وجوده وكماله، فالمعلول هو مناط الحاجة والفقر الوجودي وهو ما يجعله يتعلق بعلنه التامة،[10] (وإمكان نفس الوجودات هو كونها بذواتها مرتبطة ومتعلقة وبحقائقها روابط تعلقات إلى غيرها، فحقائقها حقائق تعلقية وذواتها ذوات لمعانية لا استقلال لها ذاتا ووجودا).[11]

فإذا كان الجعل عبارة عن إبداع هوية الشيء وذاته التي هي محور وجوده الخاص لأي صفة من صفاته ،فإنه ينقسم إلى قسمين:
1- الجعل بسيط: وهو إفاضة الشيء المتعلق بذاته مقدس أي عبارة عن إفاضة نفس الشيء وإفادة ذاته من دون اعتبار شيء آخر. ويراد بالجعل البسيط الوجود النفسي حيث يكون الوجود مطلقا مثلا ( الإنسان موجود) .
2- الجعل المؤلف (المركب): هو جعل الشيء شيئا وتصييره إياه بمعنى جعل الشيء شيئا[12].
والجعل المؤلف مفاده أن الهلية المركبة التي يسأل فيها عن ثبوت شيء لشيء آخر، وهو بهذا المعنى نظير التصديق الذي يستدعي طرفين وهما موضوع ومجعول، بأن يدخل الرابط بينهما في متعلقة على التبعية الصرفة وأثر التصديق صيرورة الشيء شيئا[13].
والوجود الرابط هو الوجود المقيد ويعمل على وجود شيء لشيء ما.
مثلا : (الإنسان فقيه) فالموضوع (الانسان) والمحمول (فقيه) وهنا ما نثبته ليس موجودية الانسان بل صفة المحمول الذي هو الفقيه، إنه جعل الشيء لشيء وفي هذا يقول صدر الدين الشيرازي (الجعل إما بسيط وهو إفاضة نفس الشيء متعلق بذاته مقدس عن شوب ترکیب، وإما مؤلف وهو جعل الشيء شيئأ وتصييره إياه، والأثر المترتب عليه هو مفاد الهلية التركيبية الحملية، فيستدعي طرفين: مجعولا ومجعولا إليه)[14].
إن الوجود عند الشيرازي ذاتي للماهية أي ليس حكيا ولا مضافا على الماهية وإنما الماهية التي تعتبر من الأعراض، أي الأعراض الذاتية لحقيقة الوجود.
يقول الشيرازي : (..إن الجعل المؤلف يختص تعلقه بالعرضيات اللاحقة لخلو الذات عنها بحسب الواقع، ولا يتصور تخلله بين الشيء ونفسه أو بين الشيء وذاتياته كقولنا الإنسان إنسان والإنسان حيوان لأن كون الشيء إياه أو بعض ذاتيته ضروري، والضروري مستغن عن الجاعل)[15].
إذن يرتبط الجعل بما يلحق العرضيات بالذات لخلو الذات منها ولهذا فالجعل يحصل في موضوع فيه معروض وعارض والعرض لا ينفصل عن معروضه، لأن علاقة العارض بالمعروض علاقة إمكان وليس علاقة ضرورة ومثال ذلك قولنا ( سمير ظالم ) أي أصبح سمير بعلة ما ظالما.

تحديد متعلق الجعل

يقول ملا صدار: " فجمهور المشائين ذهب- كما هو مشهور- إلى أن الأثر الأول الجاعل هو الوجود المعلول، و فسره المتأخرون بالموجودية أي اتصاف ماهية المعلول بالوجود، بالمعنى الذي ذكرناه، لا أن الأثر الأول هو ماهية الاتصاف أو ذات المعلول أو الوجود نفسه. لاستغناء الماهيات بحقائقها التصورية عندهم من الجاعل، وذهبت طائفة أخرى من الحكماء المعروفين بالإشراقيين إلى أن الجاعل وما يبدعه أولا  بالذات هو الماهية نفسها، ثم تستلزم ذلك الجعل موجودية الماهية، بل إفاضة من الجاعل، لا للوجود ولا للاتصاف، لأنهما عقليان مصداقهما نفس الماهية الصادرة عنه، كما أن مصداق كون الذات ذاتا، نفس الذات من دون الاحتياج إلى أمر آخر، فإنه إذا صدرت ذات المعلول كماهية الإنسان مثلا عن العلة لا يحتاج بعد صدوره إلى جاعل يجعل تلك الذات نفسها، فهي مستغنية بعد صدورها عن جاعلها، عن جاعل يجعلها إياها[16]".
وعندما نتبع مفهومي الجعل والمجعول عند صدر المتألهين من خلال كتابه الأسفار العقلية الأربعة  يظهر مدى خصوصية وبساطته هذا الجاعل وفي هذا الصدد يقول: " إن اثر الجاعل هو نحو الوجود الخاص الصادر عن الواجب جعلا بسيطا وليس المجهول نفس الماهية مع قطع النظر عن الوجود، كما زعم الإشراقيون، ولا صيرورة الماهية موجودة كما ذهب إليه المشاؤون، فالوجود هو الصادر عن الفاعل لأنه الموجود بالذات دون المسمى بالماهية لأنها الواقع بالعرض بمنزلة الظل من ذي الظل، فهي المجعولة بالعرض كما حققناه في موضعة وقد وثقنا على هذا المطلب ببراهين قطعية ذكرناها في أسفارنا و في الحكمة القدسية [17]".
إذا كانت مسألة الجعل ترتبط بالبحث في العلية من حيث هي علة فاعلية موجدة، أي أن الجعل يرتبط بتناول علاقة العلة بمعلولها وتأثيرها فيه، فإن كون الجعل بسيطا ومركبا، يعني أن للعلية معنيان، ينطبق كل واحد منهما على أحد معنيي الجعل.[18]
فإذا كانت العلة علة لذات المعلول ووجوده، أي أن تأثيرها في المعلول هو بإيجاد ماهية غير موجودة؛ فإن هذا هو ما يعني الجعل البسيط، أما إذا كان تأثير العلة هو بتصيير موجود إلى حالة أخرى وإفاضة صفة وصورة عليه ما كان يوجد بها من قبل، أي أن تأثير العلة هو تصيير شيء موجود مسبقا شيئا آخر؛ فإن هذا هو ما يعتبر جعلا تأليفيا أو مركبا. وإذا كان كذلك، فإن هذا المعنى يتنافى وماتفيده العلية بافتراضه وجود المعلول مسبقا، في حين أن المعلول لا تعين ولا وجود له خارج تحققه ومعلوليته. وحتى إذا افترضنا هذا الوجود القبلي في أشياء مثل وجود الحركة في الجسم والإنسانية للإنسان، فإن هناك جعلا واحدة يحقق للشيء تعينه ووجوده هو الجعل البسيط. فالعلة لم توجد الإنسان أولا لتجعل له ثانيا إنسانيته بجعل تأليفي. وإنما إيجاد الإنسان هو إيجاد وجعل للازمة الذي هو الإنسانية. فقد انكشف أن الصوادر بالذات هي الموجودات لا غير، ثم العقل يجد لكل منها نعوتا ذاتية كلية مأخوذة عن نفس تلك الموجودات محمولة عنها من دون ملاحظة أشياء خارجة عنها ومرتبة عن قوامها، وتلك النعوت هي المسماة بالذاتیات ثم يضيفها إلى الوجود ويصفها بالموجودية والمصدرية. وهو ما يعني أن جعل الإنسان هو جعل بسيط، لأن حقيقة المعلول هي في معلوليته وأن كونه عین العلة ليس معناه أنه مما يضاف إلى العلة، وإنما هو تجل من تجليات العلة.[19]
إذا فالجعل المركب يحصل في أمور وأعراض يمكنها أن تنفك عن ذوات الأشياء، وليس في أعراض هي ثابتة وذاتية وضرورية في أشياء كالإنسانية والحيوانية للإنسان والزوجية للأعداد والأنوثة للمرأة وحركة للجسم المتحرك[20]،(فإن الجعل المؤلف يختص تعلقه بالعرضيات اللاحقة الخلو الذات عنها بحسب الواقع، ولا يتصور تخلله بين الشيء ونفسه أو بين الشيء وذاتیاته كقولنا: الإنسان إنسان والإنسان حیوان لأن کون الشيء إياه أو بعض ذاتیاته ضروري، والضروري مستغن عن الجاعل).[21]
فالإنسانية صفة تلازم الإنسان ولا تنفك عن ذاته، إذن فلا معنى أن نجعل الإنسان إنسانا. إن ما يمكن هو أن نجعل الإنسان ثوريا أو عالما أو خنوعا، إذن فالجعل المركب يحصل حين يمکن نسبة ثبوت المحمول للموضوع. بمعنى أن الأشياء التي تقبل الجعل والعلية هي ما يكون من الأعراض التي ليست ذاتية ولا ملازمة بالضرورة، ويكون لها واقع وتحقق مستقل.[22]

الجعل وجودي وبسيط

إن اعتماد صدر الدين الشيرازي قاعدة أصالة الوجود واعتبارية الماهية يجعل حقيقة الإيجاد في الجعل والتعين عين حقيقة الوجود.(إن أثر الجاعل وما يترتب عليه ليس إلا نحوا من أنحاء الوجود، ومرتبة من مراتب الظهور، ولا ماهية من الماهيات بل الماهية تظهر بنور الوجود من دون تعلق جعل وإفاضة بها. فالمتحقق والصادر من المبدع الحق والصانع المطلق إنما هو بالحقيقة الوجود دون الماهية).[23]
ويرى صدر الدين الشيرازي في مثالي التصور والتصديق الذهني، توضيحا لما يقصد من دلالة كل من الجعل البسيط والجعل المركب. (فنظير ذلك بحسب الكون الذهني التصور والتصديق، فإن التصور نوع من الإدراك لا يتعلق إلا بماهية الشيء أي شيء كان، والتصديق نوع آخر منه يستدعي دائما طرفين وهما موضوع ومحمول، بأن يدخل النسبة بينهما في متعلقه على التبعية الصرفة، فأثر التصور حصول نفس الشيء في الذهن وأثر التصديق صيرورة الشيء شيئا)[24] .

فالجعل البسيط هو نظير التصور الذي يحصل في الذهن من حيث هو إدراك وصورة ذهنية تتعلق بماهية الشيء. أما الجعل المؤلف أو المركب فهو نظير التصديق كنوع من الإدراك الذي يحصل باعتماد الموضوع والمحمول للحكم على الشيء، فيكون أثر التصديق هو تصيير الشيء شيئا آخر.[25]
وإذا كان صدر الدين الشيرازي يقول بأصالة الوجود واعتبارية الماهية، ويرى أن الوجود الممكن يتسم بالفقر الوجودي وهو ما يعني أنه يحتاج في وجوده إلى غيره أي إلى علة تخرجه من حالة الإمكان والفقر إلى حالة الوجود والتعين، إذا كان هذا هكذا، فإن الجعل عند صدر الدين الشيرازي هو جعل وجودي، وهو ما يعني أنه جعل بسيط وليس مركبا وأن بين الجاعل والمجعول علاقة تناسب وسنخية.[26]

إن ما يقصده الشيرازي بالجعل هو العلية التي تعني فعل إيجاد العلة للمعلول وحقيقة وطبيعة هذا الإيجاد والصدور، وحيث أن فيلسوف أصفهان قد أسس تصوره الفلسفي على قاعدة أصالة الوجود واعتبارية الماهية، فهو يرى أن ماهية المعلول اعتبارية وليست متأصلة؛ لأن ما توجده العلة وما تجعله متحققة بالفعل هو وجود المعلول وليس ماهيته. وهو ما يجعل المعلول لا ينفك في وجوده عن علته، وتتسم العلاقة بينهما بالترابط وجوديا وبالتزامن والملاءمة وعدم التعارض والتقابل وبامتناع استقلالهما وانفصالهما عن بعضهما. فالعلاقة بينهما هي علاقة تناسب وسنخية ذاتية تجعل المعلول ممکن الوجود والصدور عن العلة، دون أن يخالف في وجوده وهويته هوية علته. وإذا لم توجد هذه السنخية بينهما فإنه ستغيب الأسباب الحقيقية لوجود المعلول ويصبح ممكنا أن يوجد ويصدر ويفيض أي موجود عن أي فاعل أو شيء و ارتباط المعلول بالعلة الموجدة له، يكمن في أنه متعين ومتحقق في العلة قبل أن يوجد بالفعل. وهذا التحقق القبلي في العلة هو ما يكون مبدأ إيجاده، وهو ما يعني أنه فيض وتجل ومرتبة من مراتب فيوضات العلة، وإذا كان الأساس الذي ينطلق منه الشيرازي هو أصالة الوجود واعتبارية الماهية ؛ فإن ما يجعل المعلول يرتبط بالعلة هو احتياجه وفقره الوجودي، لذا فإن ما يصدر عن الجاعل هو الوجود، والمجعول هو فيض من فيوضات الجاعل، ونشأة من نشأته وليس مما يضاف إلى الجاعل. وإذا كان كذلك، فإن الجعل عند الشيرازي هو جعل وجودي وبسيط من حيث هو إفاضة وخلق وإيجاد الشيء نفسه، وليس جعلا مركبا، وأن العلاقة بين الجاعل والمجعول هي علاقة لا انفكاك فيها، وتتسم بالسنخية والتناسب وعدم التعارض؛ لأن المجعول وهو في حالة الإمكان يحتاج إلى علة ومرجح أي إلى الجاعل ليخرجه إلى حالة التعين والتحقق واستكمال وجوده.[27]

في أصالة جعل الوجود

إن الماهية مجعولة بالعرض فالوجود موجود بنفسه وليس بغيره وفي هذا يقول الملا صدرا في رسالته أصالة جعل الوجود :(إن الموجود من كل شيء هو نحو من كل وجوده وجودا بسيطا).[28] فالجعل هو فعل الفيض بمعنى فعل مباشر لا يرتبط ولا يحتاج إلى غيره أو إلى وسيط مثل الماهية لهذا فأصالة جعل الوجود له صورة في الأعيان وأن حقيقة الأشياء وجودها العيني ما توجده العلة بالفعل وتجعله متعينا بالفعل هو معلولية الماهية.
يقول الشيرازي: (إن أثر الجاعل وما يترتب عليه ليس إلا نحوا من أنحاء الوجود ومرتبة من مراتب الظهور ولا ماهية من الماهيات بل الماهية تظهر بنور الوجود من دون تعلق جعل وإفاضة بها بل المتحقق و الصادر من المبدع الحق و الصانع المطلق إنما هو في الحقيقة الوجود دون الماهية)[29].
يتضح إذا أن مفهوم الوجود في الفلسفة الصدرائية هو غني عن التعريف وهو متشخص ومتعين بذاته، والوجود الحق الأول الذي هو نور الأنوار، شامل للأشياء ولا ماهية له، وهو صريح الوجود لا يشوبه عموم أو خصوص، ولا يحده حد ولا يضبطه إسم كما أنه أحق الأشياء ليكون حقيقة موجودة باعتبار أن حقيقة كل شيء هي وجوده الذي يترتب به وعليه أثاره وأحكامه. زد على ذلك حرص صدر الدين الشيرازي على عدم تحصل الوجود بالماهية إذ تكون هذه الأخيرة متحصلة في الذهن وليست موجودة بالخارج ولا يتحصل الوجود بالأعيان إنما سابق لها وسبب لكل ما يعرض عنه .
وتتصف الماهية بالوجود على أساس إنتزاعية الوجود وأصالته، وحتى إن كان الوجود عينيا أو عقليا على حد سواء فهو ثبوت للماهية ووجودها وليس ثبوت شيء أو وجوده إليها، إذ يتعارض الشيرازي مع الفلسفة المشائية بعد أن كان في صفها بحيث أصبح مدافعا عن مبدأ أصالة الوجود واعتبارية الماهية.
و فيما يخص الوجود بين الجعل والمجعولية وإنطلاقا من مبدأ أصالة الوجود واعتبارية الماهية ومن خلال كتاب المشاعر يرى الشيرازي أن المجعول هو الوجود دون الماهية وبهذا يكون الملاصدرا قد انتقد مختلف الفلسفات السائدة في عصره والتي ترى بأن المجعول بالذات هو الماهية كما انتقد الأرسطية التي ترى بأن المجعول هو الصيرورة دون الماهية موجودة ويتطرق صدر الدين الشيرازي كذلك في قضية الجعل الأول أو العلة الأولى الجاعلة للمجعول ولمختلف الأشياء إلى أن له وجود كامل وهو أتم جاعلية من مجعوله، فالعلة أشرف من المعلول فبناء على نظرية الفيض الإلهي فإن المجعول هو فيض فاض عن جاعله، وإن أي تأثير أو ماهية أو جنس أو فصل أو تشخص هو من الجاعل في أطواره ومنازله وأفعاله، وفي جعل الوجود قد برهن الشيرازي على أن للوجود صورة في الأعيان المشخصة أي إن حقيقة كل شيء هي وجوده الذي تترتب به الآثار المخصوصة وكذلك إن الجاعل أو العلة يجعل الوجود المجعول بالذات بسيطا دون ماهية .
ومثلما أسلفنا فالجعل هو عبارة عن إبداع هوية الشيء وذاته التي هي محور وجوده الخاص لأي صفة من صفاته و يرتبط الجعل بما يلحق العرضيات بالذات لخلو الذات منها، ولهذا فالجعل يحصل في موضوع فيه وعارض لا ينفصل عن معروضه، وفي أصالة جعل الوجود يؤكد صدر الدين الشيرازي على أن الماهية مجعولة بالعرض، فالوجود موجود بنفسه وليس بغيره، والجعل هو فعل الفيض بمعنى فعل مباشر لا يرتبط ولا يحتاج إلى غيره أو إلى ماهية، و لهذا فأصالة جعل الوجود له صورة في الأعيان وأن حقيقة الأشياء وجودها العيني، وما توجده العلة بالفعل و تجعله متعينا بالفعل هو معلولية الماهية.





[1]- نزيه عبد الله الحسن. فلسفة صدر الدين الشيرازي . دار الهادي.الطبعة الاولى  ص 22.

[2]- نفس المرجع ص 23.

[3]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان،ص328.

[4]- نفس المرجع،ص329.

[5]- الشيرازي،الاسفار العقلية الاربعة،ج1،ص263.

[6]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص 329-330.

[7]- الشيرازي،الاسفار العقلية الاربعة،ج1،ص418-419.

[8]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص 330.

[9]- نفس المرجع،ص331.

[10]- نفس المرجع،ص 331.

[11]- الشيرازي،الاسفار العقلية الاربعة،ج1،ص76.

12-  شرح المصطلحات الفلسفية، إعداد قسم الكلام، مجمع البحوث الإسلامية، ص.81

13- الشيرازي، (صدرالدين)، كتاب الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، لبنان، دار إحياء الثرات العربي، الجزء الأول من السفر الأول، ص.376.



[14]- الشيرازي،الاسفار العقلية الاربعة،ج1،ص396

15- الشيرازي، صدر الدين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 1، دار التراث العربي، بيروت لبنان،ص 397

16- الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج .1،ص. 376-377.

17- المرجع السابق، ص.414.

[18]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص 332.

[19]- نفس المرجع،ص 332-333.

[20]- نفس المرجع،ص333.

[21]- الشيرازي،الاسفار العقلية الاربعة،ج1،ص397.

[22]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص 333.

[23]- الشيرازي (صدر الدين)، كتاب المشاعر، مقدمة هنري كوربان، ترجمة المقدمة، ابتسام الحموي، تعليق و تصحيح الدكتورة فاتن محمد خليل اللبون، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، ص 90 .

[24]-الشيرازي، الاسفار العقلية ج1،ص397

[25]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص334

[26]- نفس المرجع،ص 335

[27]- بنعثو،عبد المالك.نظرية الفعل عند صدر الدين الشيرازي،منشورات الجمل،الطبعة الأولى 2016،بيروت-لبنان ،ص 335-336.

28- الشيرازي، صدر الدين،مجموعة رسائل فلسفية، طبعة أولى،طبعة جديدة و منقحة ومعلق عليها،دار إحياء التراث العربي،بيروت لبنان، ص 233.

29- الشيرازي، صدر الدين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 1، دار التراث العربي، بيروت لبنان، ص 88 و 89.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات