![]() |
| نظرية داروين |
4 أخطاء شائعة حول نظرية التطور
check_circle
ترجمة، تبسيط واعداد يوسف اسحيردة.
1- نظرية التطور هي مجرد نظرية من بين أخرى وهي لم تُثبت بعد
أول سوء فهم يأتي من كون كلمة "نظرية" في اللغة المتداولة تعني وقائع وأحداث غير مسنودة ببراهين وأدلة واضحة. في حين أنها في مجال العلوم ترمز إلى مجموعة من المعارف من شأنها تقديم تفسير ما. تتميز النظرية العلمية بكون صاحبها لا يملك الإجابة مسبقا، وخصوصا بكونه يفعل كل ما بوسعه من أجل تكذيبها : عملا بمبدأ القابلية للتكذيب الذي أرسى كارل بوبر دعائمه. وهذا ما تفتقده باقي المحاولا ت التي تحاول هي الأخرى تقديم إجابات حول ظهور الحياة على سطح الأرض، تقصد "نظرية" الخلق، و"نظرية" التصميم الذكي..ولذلك فهي ليست بنظريات علمية وإن قدمها أصحابها على أنها كذلك.وبالتالي، ف 150 سنة من العمل العلمي لم تتمكن من إبطال نظرية التطور، بل على العكس من ذلك قامت بصقلها وإكمالها. وهكذا فاكتشاف الجينوم البشري في نهاية القرن 20 وتحليل الجينات - اللذان عرفنا بفضلهما التاريخ التطوري للإنسان – قد جاؤوا من أجل تأكيد المعارف والمعلومات التي نتوفر عليها في مجالي علم المستحاثات (La paléontologie) وعلم التشريح. بطبيعة الحال، تظل هناك بعض نقط النقاش، بعض الغموض، بعض التوضيحات التي تنقص بخصوص دور الصدفة، الاحتمال.. الخ. نظرية التطور تُواصل إذن تحسين جودتها بفضل عمل العلماء والباحثين، ولكن من خلال مساءلة العالم الواقعي بالاعتماد على 3 ركائز أساسية هي : الشكوكية، الواقعية والمادية. بلا أدنى شك، يتعلق الأمر بمنهج أكثر صرامة من ذلك الذي يستنجد ب "قوة ما فوق طبيعية " من أجل سد "ثغرات" تظل نظرية التطور بشكلها الحالي عاجزة عن تقديم تفسيرات بخصوصها.
2 - كل هذا الجمال كل هذا التعقيد كل هذا التنوع لا يمكن أن يكون محض صدفة.
صحيح أن الصدفة لوحدها ليست قادرة على إنتاج كل هذه الحياة على سطح الأرض. لكن، كحل وسط بين الصدفة (باعتبارها حدثا عشوائيا خالصا)، والغاية (بوصفها جنوحا نحو هدف)، يُمكن الحديث عن الانتقاء الطبيعي. هذا الأخير يؤثر منذ ملايير السنين على الكائنات الحية ويُحدث طفرات انطلاقا من جهاز بيولوجي موجود مسبقا. باختصار، الابتكارات محكومة ب "لعبة الاحتمالات".وهكذا، فرغم تنوعها المذهل، تتقاسم كل الحيوانات نفس التصميم منذ 600 مليون سنة ! الانتقاء الطبيعي يتميز أيضا ببقاء الأجدر...في وقت معين داخل بيئة محددة. وبالتالي فالتطور لا يعني بالضرورة منظومةً دائمة التَحسن والتطور بشكل مثالي: وهكذا فقد انقرضت سلالة الأسترالوبيثكس ( نوع من أشباه البشر) القوية بمجرد نفاذ العشب الجاف الذي كانت تقتات عليه بفضل فكُيها الصلبتين. وهو لا يعني أيضا تعقيدا لا محيد عنه : وبالتالي فبعض أنواع الحشرات (أو ديدان الأرض) قد أصبحت أكثر بساطة بعد مسار تطوري جد معقد. ولا هو يقترن ب"التقدم"، هذا المفهوم غير الموضوعي. تاريخ الحياة هو عبارة عن مسار متعرج، تتخلله تراجعات وطفرات. ليس للانتقاء الطبيعي من هدف سوى إنتاج الجينات (وهذا ليس هدفا بقدر ما هو مفعول ميكانيكي). والجينات التي ضمنت البقاء، هي تلك التي كانت قادرة على إنتاج أنظمة فعَّالة بما فيه الكفاية حتى تتكاثر بدورها. لا حاجة إلى ذكاء متعالٍ في منظومة كهذه.
3 - لا يمكن للإنسان أن ينحدر من القردة
شارل داروين لم يقل أبدا العكس! وحده الفهم الخاطئ لنظريته هو المسؤول عن ترويج هذه الفكرة المغلوطة. الإنسان لا ينحدر من القردة: الإنسان نفسه قرد! لا يتعلق الأمر بشتيمة في حق الجنس البشري، بل بمجرد تصنيف علمي، رغم أن هذا الأخير، بحسب تحليل سيغموند فرويد، قد تسبب بجرح نرجسي للإنسان الذي اتضح أنه لم يكن مخلوقا إلهيا، ولا الجنس المختار للطبيعة، ولكنه حصيلة تطور طويل لمملكة الحيوان. الإنسان ينتمي إلى فصيلة القردة، وهي مجموعة من الثدييات الرئيسية، والتي تملك جميعها طقم أسنان بالغ من 32 سنا، دماغا متطورا، وجها قصيرا، أطرافا من 5 أصابع حيث أن أولها هو أصغرها ويستطيع أن يتباعد...الإنسان عبارة عن قرد كبير، بذيل تحول مع مرور الزمن إلى عصعص (عظم صغير في نهاية العمود الفَقريّ ). وقد تم تحدید خریطة جینوم کل من الإنسان والشمبانزي وکانت النتیجة أن الحمض النووي للشمبانزي متطابق في الحالتين معا بنسبة تتراوح ما بين 94,4 في المئة و 99,6 في المئة : وبالتالي فنحن نملك سلفا مشتركا أخيرا. مثلنا تماما، تطورت هذه القردة. الزعم بأن القردة الكبرى الحالية تمثل صورة لأسلافنا، أمر غريب وغير منطقي. ومع ذلك فالمشاحنات ما تزال قائمة بخصوص بعض المسائل العالقة، ومنها معرفة مدى ارتباط بعض تصرفاتنا الأخلاقية بالمعطيات البيولوجية، كما ذهب إلى ذلك داروين. علم سلوك الحيوان يقدم إجابات بخصوص امتلاك بعض الحيوانات لثقافة ووعي، لكنها تظل ناقصة.
4- التطور نظرية خطيرة ولا أخلاقية
النظرية المعاصرة للتطور تقبل بمبدأ التحول_الانتقاء كمحرك لعملية التغيير العضوي. لا وجود لأي خطر في هذه المسألة. وحدها التفسيرات سيئة النية أو المتحمسة من أخرجت هذه النظرية من حقل العلوم حتى تشكل سندا لمذاهب اجتماعية وسياسية من قبيل التعصب، تحسين النسل، واللبرالية المتوحشة (قانون الغاب)، لكن أيضا الفوضوية أو الاشتراكية. هذا الانحراف ليس سمة ملاصقة لنظرية التطور: فكل النظريات معرضة لتأويل خطير قد يضر بالمجتمع. وهكذا وبإيعاز من مبادئ التنوير والهيومنزيم، تحركت القوى الاستعمارية باتجاه البلدان التي تعتبر أقل تحضرا من أجل احتلالها وفرض الوصاية عليها، وكل ما تبع ذلك من مجازر وحروب. وحدها العجرفة بمقدورها الركوب فوق المعتقدات والفلسفات حتى تحقق مآربها. العالم لم يكن ينتظر نظرية التطور حتى يصبح متوحشا، ولكنه كان كذلك قبل القرن 19 (الفتوحات الاسلامية، الحروب الصليبية، المجازر الدينية في أوروبا...).بهذا الصدد يمكن الإشارة (وبالتالي تحميل المسؤولية) إلى اسمين بارزين من تلامذة داروين : كليمنس رويير و هربرت سبنسر. المهندس هربرت سبنسر (1820-1903 )، وهو معاصر لصاحب أصل الأنواع قام بالاستحواذ على فرضيته وطوَّر فلسفة حقيقية بتبعات اقتصادية واجتماعية سيقوم داروين نفسه بادانتها : اللبرالية المتوحشة. هذا المهندس الذي سُمي على نحو خاطئ ب "أب الداروينية الاجتماعية"، كان ينادي بتطبيق محض لمبدأ الانتقاء الطبيعي على المجموعات الاجتماعية. في فرنسا، كانت الفيلسوفة والعالمة كليمنس رويير (1830-1902) أول من ترجم أول كتاب لداروين. لكن هذه المرأة العالمة التي كانت من دعاة التعصب البيولوجي قد قامت، من تلقاء نفسها، بإحلال مفهوم "الانتخاب الطبيعي" مكان " الانتقاء الطبيعي"، وبالتالي تغذية سوء فهم كبير سيظل قائما حتى اليوم.
تم الاعتماد في هذا المنشور على المقال المتوفر على الرابط التالي : https://bit.ly/37UpaqJ

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة