📁 آخر الأخبار

مهاجمة الثقافة

مهاجمة الثقافة
مهاجمة الثقافة
check_circle
ذ. عبد الحق بن درى

مهاجمة الثقافة

الحديث عن الثقافة في اول الامر حديث يحتمل أوجه عدة، باعتبار الثقافة مجال شاسع يضم كل ما يتعلق بالسلوك الإنساني، فكل ما هو خارج عن الفطري والطبيعي سيكون حتما ينتمي لمجال الثقافة، كل شيء يتدخل فيه الانسان من قريب او بعيد قد يفقد فطريته ويتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه، فحتى الانسان نفسه يمر بعد ولادته من مرحلة فطرية طبيعية قبل ان يتأثر بمن يعيشون حوله، حينها يسعى الانسان الى تحقيق المكاسب الممكنة ويتعلم من مدرسة الحياة. 

ان الثقافة هي كل تجليات وتمظهرات المجتمعات والأمم، هي الوسيلة المناسبة للتعبير عن كل ما يشعر به الانسان، وما يحس به تجاه الاخرين، الثقافة هي من تمثل القيم والمبادئ والقناعات التي يؤمن بها، وتطور المجتمعات رهين بتطور ثقافاتها، بالمنطق الذي يمكن ان نحافظ فيه على الموروث الثقافي الذي يعد ركيزة أساسية لحياة الانسان، وبناء الحاضر الذي يعيشه الفرد، واستشراف المستقبل باعتباره مصير الإنسانية الذي ينتظر الأجيال القادمة.

وبما ان الثقافة تمثل جوهر المجتمعات ولبها، فالتأثير فيها بشكل او بآخر هو تأثير على المجتمع برمته، في بعده المادي والمعنوي، وتغيير الشعوب والمجتمعات رهين بتغيير الأنماط الفكرية والثقافية التي تعيشها. من هنا جاءت مسألة مهاجمة الثقافة لطريقة للتأثير في الشعوب الأخرى وتحقيق أغراض واهداف كثيرة. مهاجمة الثقافة ليس موضوعا انيا او لحظيا، بقدر ما هو واحد من محركات التاريخ، من اهم ما عرفته الشعوب على الدوام، هي رغبة إنسانية في توسيه ثقافته ونشرها على أوسع نطاق.
وفي خضم البحث في الموضوع وجدت الامر قديما قدم الزمان، ما كان يسمى "الثقافة المضادة" باعتبارها كل حركة ثقافية معارضة للقيم الثقافية والجمالية والأخلاقية. استخدم بداية في كتاب    culture Counterللمؤرخ تيودور روستشاك بعنوان "صناعة الثقافة المضادة" the making of counter culture. كما استخدم في سبعينيات القرن العشرين في علاقة مع الحركات الثقافية الامريكية الخارجة عن الثقافة السائدة. ومن الكتاب الذين عرفوا بالموضوع منذ البداية نجد ديفيد نورو1862 الذي ساهم فيفي فكره المثالي المناهض للعبودية وابداعه للعصيان المدني.

مهاجمة الثقافة الطائفية التي تدخل في سلوك الافراد مقاييس التجديد بدل مقاييس التجديد والتطوير والابداع. ان الثقافة المضادة باعتبارها ثقافة فرعية تختلف في قيمها ومعاييرها السلوكية اختلافا كبيرا عن القيم الاجتماعية السائدة، وتكون معارضة للأعراف الثقافية السائدة، ترفض بشكل او بآخر النظم السائدة والنسق الحياتي الذي يعرفه المجتمع، والمركزية الغريبة في تعريف القيم الجمالية والأخلاقية والسياسية. مهاجمة الثطقافة الإسلامية أيضا والتصور الإسلامي ولاسيما ان روح العادات والتقاليد والنظرة الدونية للمرأة اختلطت بالتصور الشرعي فأصبحت كلها في نظر الاخر ثقافة إسلامية.
ان الداعي لكتابة هذا المقال راجع الى ما تعرفه المجتمعات العربية من تراجع ثقافي واضح، بسبب التأثر بثقافات دخلية عليها، لم تستطع تحقيق الاستقلالية الفكرية، فارتبطت بمرجعيات فكرية ليست من نفس المقاس، الشيء الذي كان له تأثير على السلوك الإنساني، وعلى القيم والمبادئ والقناعات التي يحملها الفرد، وخصوصا في الأجيال الناشئة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالهواتف الذكية والشبكات العنكبوتية، التي أعطت حمولة لمضامين القيم ومعانيها. وبالتالي كان من اللازم الإشارة الى بعض مظاهر الهجوم على الثقافة العربية بكل تجلياتها :

مهاجمة اللغة 

ان من اهم مظاهر مهاجمة الثقافة العربية والإسلامية مهاجمة اللغة والسعي الى اضعافها وسط اللغات الحية في العالم، فعلى الرغم مما تتميز به اللغة العربية من خصائص ومميزات تجعل منها من اللغات القوية، بالنظر الى ما خصوصياتها وشساعتها وقوة مضامينها، ما تزخر به اللغة العربية من ابعاد ودلالات رمزية عميقة في البلاغة والفصاحة والقدرة على التعبير بشكل قوي ومتزن، لغة حظيت بالعناية الربانية وجعلها لغة الوحي والقران الكريم ما زادها قوة ومتانة، عجزت حتى القبائل العربية على تفسير ألغازها. رغم كل هذا تعرضت وما زالت تتعرض اللغة العربية للتهجين والتضعيف والتقزيم، سواء من العرب أنفسهم الذي من المفروض ان يعملوا على تقويتها ودعمها في المحافل الدولية، او من الاخرين الذين أرادوا ان يجعلوها لغة متخلفة ورجعية.
مهاجمة اللغة لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعداه الى المدرسة المغربية وبرامجها في تعبير واضح عن عدم الرغبة في جعلها لغة المعرفة والبحث العلمي، سنة بعد سنة يتراجع حضور هم اللغة العربية لدى الأجيال الناشئة، بل أصبحوا مقتنعين بعدم جدواها في المستقبل. مهاجمة اللغة ليس صراعا بسيطا، بل هجوم على ثقافة، وعلى مبادئ وقيم اجتماعية واخلاقية، هي ضرب لما يجعل الحضارة العربية الإسلامية قوية وحاضرة باستمرار.

مخلفات الاستعمار

لعل من اهم المؤشرات التي ساهم في اضعاف الثقافة العربية والمحلية، مخلفات الاستعمار الغربي لشمال افريقيا وللمغرب بالخصوص، لم يكن الهدف منه خيرات البلاد فقط، بل استهداف لثقافة عريقة، وتاريخ عريق ساهم في بناء الإنسانية وتصحيح بعض المسارات الخاطئة في تاريخ الانسانية، حاول ان يضع حدا لبعض التوجهات الهجينة. فمنذ البداية التي رغب فيها المستعمر الدخول الى المغرب، استعمل كل الوسائل بدءا بالبعثة العلمية التي ضمت باحثين وعلماء وجنرالات، كان الغرض منها فهم واستيعاب ثقافة المغاربة ونمط تفكيرهم، فهم اهتمامات المغاربة في القرى والبوادي، عملوا مخطوطات ودراسات وسوسيولوجية، وألفوا كتبا ومقالات تفي بالغرض. عمل كبير جعل المستعمر ينزل بثقله الفكري من اجل بسط ثقافته وجعلها تتوسع في بلاد العرب، لغة وأجهزة.  لم تكن المدة التي قضاها المستعمر طويلة، ولكن مخلفاته كانت عميقة وقوية، اللهم ما قدمه المغاربة ملكا وشعبا من تضحيات كبيرة من اجل التخفيف من حدته، واسترجاع هبة الدولة ومكانتها في المحطات التاريخية الكبرى التي ابان فيها الشعب المغربي بتشبته بأرضه وبلاده وملك. ولكن بقيت مخلفات الاستعمار حاضرة في اذهان المغاربة الشي الذي من لغتهم الثانية في المغرب على الرغم من تراجعها الكبير في البحث العلمي وحتى في مكانتها العالمية، فأولى بنا في هذا الآونة الأخيرة مراجعة هذا الامر والسعي على الأقل لجعل الانجليزية لغة العلم والبحث مقابل الفرنسية التي أصبحت محدودة جدا.

مهاجمة المدرسة المغربية 

لا يمكن لاحد ان ينكر أهمية المدرسة في تطوير الثقافة وتنميتها، ولا احد ينكر الدور الأساسي للمدرسة في تربية النشء تربية سليمة مبينة على مبادئ وقواعد متينة، وبالتالي فالاهتمام بها يجب ان يكون من والى الأولويات لدى الدولة أولا، ولدى باقي الفاعلين ثانيا. اهتمام يجب ان يترجم الى واقع الحياة الاجتماعية، من خلال توفير الإمكانيات المادية الكافية، والبنيات التحتية الكفيلة باستيعاب الاعداد الهائلة للمتمدرسين، إضافة الى تعبئة الموارد البشرية الكافية لتحقيق الأهداف المرسومة والمرجوة. هذا كله لن يتأتي بالشعارات الفضفاضة والسياسات العامة التي تبقى صالحة لكل زمان ومكان، ولكن سيتحقق اذا تظافرت الجهود، وبرزت رغبة جميع الأطراف على تحقيق القفزة النوعية في المجال. ولكن اعتقد أن واقع الحال عكس هذا، ترد واضح في المنظومة التربوية، وتراجع في منظومة القيم، واستيعاب مبهم لقيم أخرى لم يستوعبها الانسان المغربي بعد.

المدرسة المغربية التي ما زالت تعيش الويلات، وتتخبط في متاهات هامشية بعيدة عن جوهر الاشكال وكنه. كل هذه المعطيات تبين بجلاء مهاجمة الثقافة من خلال المنظومة التربوية. اعتقد ان من اكبر ما افشل التعليم والمنظومة بشكل علم في نظري فشل الترسانة التربوية والديداكتيكية المعتمدة، تقديس لنظريات يظهر انها لم تجدي نفعا ولم تفي بالمطلوب، أصبحت كابوسا يقلق الأجيال الصاعدة من المدرسين والقائمين على الحقل، انا دائما اطرح سؤالا عريضا، ما الفائدة من كل هذه المدارس البيداغوجية المعتمدة لفترة مهمة من الزمن دون جدوى؟ لماذا التراجع والازمة التي نعيشها في التعليم على الرغم من وفرة كل هذه المقاربات؟

اعتقد انه وجب علينا جميعا وبجرأة كبيرة بالقول بان كل هذه المجهودات التي بذلت لحد الان لم تحقق المطلوب، ويجب ان نراجع المناهج والمقاربات البيداغوجية التي أصبحت مستهلكة، والخطير في الامر اننا نجد هوة كبيرة بين الشق النظري فيها والواقع المؤلم، فتجد المدرس المقبل على التدريس يعيش حربا نفسيا صعبة من اجل استيعاب وضبط كل هذه المقاربات، ولكن ما ان يدخل الى الميدان الا ويجد امامه معطيات أخرى، وواقع اخر، لا يستطيع ان يواجه بها الحقيقة المرة، هو الواقع الذي يختلف جملة وتفصيلا مع ما بداخل البرامج التربوية، هو الواقع التي يناقض المجتمع الذي يتخبط في مشكلات مجمعية معقدة.
هذه بعض مظاهر مهاجمة الثقافة، التي نجحت في اضعاف دور المدرسة في اعداد جيل من رجال المستقبل، وبالتالي انتاج فئة مجهولة المصير، لا تعرف من اين تبدأ مواجهة تحديات الحياة، منعدمة المستوى الثقافي، وفاقدة لمستوى مهني يجعلها تواكب مجالات الحياة، الشيء الذي يجعله منه شخصا يبحث عن الفرص في مناطق أخرى وفي دول أخرى وان كلفه ذلك المخاطرة بحياته.

مهاجمة الجامعة المغربية

في الوقت الذي يجب ان تكون الجامعة فضاء للنقاش والحوار، فضاء للتدافع الفكري والمعرفي، بدأت الجامعة تفقدها ماهيتها، غابت فيها الحوارات الجادة والمنافسة في التحصيل العلمي، فأصبح الهدف لدى فئة الطلبة الان الحصول على الشهادة، باستثناء بعض النسب القليلة منهم. ان غياب كل من اجله خلقت الجامعة سيعرض فئة مهمة من الشباب للضياع والهلاك، تكوين غير كاف لسد حاجيات مجتمعية كبيرة سواء المتعلقة بالشغل او بتكوين اكاديمي معرفي خالص. انني اعتبر هذا الامر صورة من صور مهاجمة الثقافة، تحقق بفعل غياب الحس النقدي لدى الطلبة، للتمكن من مراجعة الذات وفهم الواقع بالشكل الذي ينبغي. زد على ذلك الهوة الحاصلة بين هذه الفئة والمجال السياسي الذي يجب ان يكون مجالا لصقل كل الكفاءات وتشجيع الطاقات على العطاء والمردودية، وتنزيل كل ما يجري في الجامعة على ارض الواقع، من خلال المشاركة السياسية والاسهام في الفعل السياسي من داخل الاحزاب السياسية. ان غياب الفئات المثقفة عن الحياة السياسية وخلق فراغ كبير، جعل فئات أخرى اقل كفاءة وتمكنا من سبر اغوار السياسية وتقلد المسؤوليات الخاصة بتدبير الشأن المحلي، ما انعكس على المردودية العامة للحياة السياسية وعلى الحياة المجتمعية بشكل عام، فأصبح الانتماء السياسي في الراهن سبة وتهمة في حق المنخرطين، بسبب ارتباط النشاط السياسي بصورة سودوية قاتمة. سيكون للثقافة شأن عظيم عندما تكون الجامعة صرحا للتثقيف والتثاقف، لتبادل وجهات نظر، وفتح حلقيات حول اسئلة راهنية مقلقة تحتاج الى التفكير والنقاش.

خلاصة

ان ما يمكن الخلوص به في إشكالية مهاجمة الثقافة، هو مسألة الثقافة هي وجه من أوجه الهوية التي يتغدى بها كل مجتمع، هي الصرح الذي يعبر عن ماهية المجتمع وقيمه ومبادئة التي تحكمه، الثقافة هي المحرك الأساسي للمجتمع والضامن لتقدمه وتطوره. تعرف طبعا اوجها متعددة وتتخذ اشكالا مختلفة، بين المادي الملموس، والمعنوي المرموز، لها ابعاد وتجليات عدة، لا يمكن الا ان نؤكد مرة أخرى ان مهاجمة الثقافة هي مهاجمة للمبادئ والقيم، هي مهاجمة تسعى الى تخلف المجتمع، لكي لا تتحقق فيه الاستقلالية الفكرية والعلمية، ولا يرقى الى الابداع الحر في شتى المجالات. هي مهاجمة شرسة لكل ما من شانه ان يجعل الانسان يعيش في حرية تامة غير تابع لأفكار دخلية على البيئة التي ترعرع فيها. أتمنى ان يقف هذا النزيف، وان نعيش حياة ثقافية ملؤها رد الاعتبار للغة العربية وللمدرسة المغربية وللجامعة ولكل المؤسسات التي تساهم في نشأة المجتمع وتطوره.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات