مفهوم الحركات الاحتجاجية
إن كثافة حضور الحركة الاحتجاجية في الاجتماع الإنساني تجعل هذه الحركة ظاهرة مجتمعية حاضنة الكل فعل وسلوك تمردي وانتفاضي أو ثوري؛ فهي تنطلق في الغالب برفع مطالب دنيا وبسيطة، وبجموع صغيرة ومتناثرة، ثم سرعان ما تتسع مكانا وزمانا إذا سمحت الظروف والسياقات والفرص السياسية بذلك، فتتخذ أشكالا جديدة تسير بالحركة الاحتجاجية في اتجاه تصاعدي، وصولا إلى انتفاضات عارمة أو تمردات دامية أو ثورات تستهدف رأس النظام. والنماذج على ذلك متشعبة ، كمافي حالة الثورة الفرنسية مثلا، حيث تطوّرت حركات الاحتجاج من دون أن يكون ذلك مقصودًا في البداية، إلى ثورة اكتسحت الحكم، وهو ما حدث في حالة الولايات المتحدة الأميركية أيضا. وفي مصر وتونس، لم يكن هدف الدعوة إلى الثورة في الأصل أن يُطاح نظام حسني مبارك أو نظام زين العابدين بن علي، بل تسيير حركات احتجاج سلمية، حولها سوء تقدير فاعليتها بشكل متدرج إلى ثورة قلبت موازين القوى داخل البلدين.
إذا، ليست الحركات الاحتجاجية كذلك بسبب التسمية طبعا، بل بالنظر إلى خصائصها وتعبيراتها اللغوية والجسدية التي يوجهها المحتجون نحو جهة ما، يفترض توتر العلاقة بينهم بخصوص سوء توزيع منافع و مصالح الحفل الذي ينتمون إليه جميعا. ربما يكون هذا التوتر حاضرًا في الأشكال الاحتجاجية الأخرى، مثل الانتفاضة أو التمرد أو الثورة، لكن التسمية تظل رهينة بالمسار والمآل الذي يمكن أن تسلكه؛ فهي متوترة وآنية بطبيعتها، باعتبارها ردود فعل على ضغوط أو إكراهات لا تطاق، وتحضر بدرجة عالية التوتر والعنف، خاصة العنف المضاد. وهي عبارة عن مجموعة من الأفعال الجماعية التي تتمايز عن الأنشطة التنظيمية والمؤسسية. إنها عملية استعمال الجماهير الفضاء العام واحتلاله، بغية التعبير سياسيا عن الآراء والمطالب التي لا تعبر عنها داخل المؤسسات والتنظيمات التقليدية. ويعتبرها عمرو الشوبكي أشكالا متنوعة من الاعتراض، تستخدم أدوات يبتكرها المحتجون للتعبير عن الرفض، أو لمقاومة الضغوط الواقعة عليهم أو الالتفاف حولها .
إنها أشكال منتشرة في الفئات الاجتماعية والسياسية كافة، ويمكن أن تتخذ أشكالا هادئة أو هبات غير منظمة، تحاول في إطارها إرادات جماعية مختلفة إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي بشكل كلي أو جزئي في نمط القيم السائدة والممارسات السياسية، وذلك بين أفراد يجدون في الحركة تجسيدًا لمعتقداتهم ونظرتهم إلى الوضع الاجتماعي المنشود. ينتمي هؤلاء الأفراد، في الغالب، إلى الفئات المهمشة التي تقع على مسافة بعيدة من المركز، سواء أكان سلطة أم ثروة أم ثقافة أم رمرًا، وينقل لنا التاريخ الاجتماعي والسياسي أنه كلما أدركت جماعة معيّنة أنها أصبحت غير مرئية ومكشوفة ومطالبها مهمشة، سارعت إلى التعبير عن مطالبها في الشارع العام. إن هذه الجماعة التي يحسبها مالكو الثروة والسلطة بمثابة حجر مطروح في الشارع، سرعان ما تصبح، بحسب إريك هوفر، حجر الزاوية في بناء عالم جديد ؛ فالمهمّشون هم خميرة التغيير.
لم تكن سخرية من السخريات أن هؤلاء كانوا في وقت من الأوقات في اوروبا هم الذين عبروا المحيط لبناء مجتمع جديد في القارة الأميركية، بل كان هذا هو الشيء الطبيعي، ثم ما فتئ أن صار هؤلاء في الأوقات كلها، وفي جميع بقاع العالم، القوة الأساسية لكسر شوكة التسلط وللدعوة إلى الإصلاح والتغيير.
رغم أن التاريخ المغربي الرسمي ظل ينظر إلى عامة الناس نظرة توجس وحذر، وأحيانا نظرة عدم مبالاة إزاء التضامن الذي يبديه المغاربة عندما يتعلق الأمر بمعيشهم وكرامتهم، بعيدًا عن إرادة المخزن، وضد هذه الإرادة في بعض الأوقات، نسجل ظهور كتابات موازية في علم الاجتماع والسياسة في المغرب تعني بحركاتهم الجماعية ودورها في بناء الدولة والمجتمع .
سمحت هذه الكتابات نسبيا في إخراج الحركة الاحتجاجية ومكانة المهمّشين فيها من إطار « المسكوت عنه » أو « اللا مفكره في ، بحسب صياغة محمد أركون، إلى إطار النظر إلى المجتمع بأكمله، وتجاوز اختزاله في الخطاب الإجماعي للماسكين بالسلطة، لأن الفهم ينبع من الاختلاف لكشف جوانب أحداث معيّنة من هوامشها. في هذا السياق، دعونا نلق نظرة على مسار الممارسة الاحتجاجية في الزمن المغربي، في محاولة لفهم صيرورتها وأهم التحولات التي رافقتها.
الاحتجاج بالمغرب PDF
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة