📁 آخر الأخبار

سوسيولوجيا المدرسة في زمن كورونا

سوسيولوجيا المدرسة في زمن كورونا
المدرسة فضاء للتحرر والترقي وتحقيق المساواة

سوسيولوجيا المدرسة في زمن كورونا

عدد المقالات  الهوية الرتبة 
 34 تم التحقق كاتب مميز

           يعيش العالم اليوم اضطراباً واضحاً بسبب انتشار فيروس كورونا، وما خلفه من تأثيرات كبيرة في جوانب الحياة البشرية كافة، ففي ميدان التعليم تسببت الجائحة في انقطاع معظم أطفال العالم وشبابه عن التعليم المدرسي والجامعي، مما أدى إلى مشكلات كثيرة ليس أقلها زيادة معدلات التسرب من الدراسة، وانكشاف عدم المساواة وتكافؤ الفرص في النظم التعليمية التي تعاني منها معظم البلدان، فضلاً عن غياب التفاعل الاجتماعي الذي يُعدّ ركناً مهماً في سوسيولوجيا المدرسة المعاصرة، وما يعكسه غياب هذا التفاعل من تأثيرات سلبية في المستقبل الدراسي للتلاميذ، فضلاً عن ما أصاب المنظومة المدرسية وقدرتها الذاتية على مواجهة التحديات الحضارية التي تواجهها، وكذلك المستوى السوسيوثقافي لأسر المتمدرسين، وبخاصة ما يتصل منها باكتساب القيم والمعايير الاجتماعية من طرف التلاميذ، مما دفع الكثير من التربويين إلى التساؤل عن مصير التعليم في ظل غياب العلاقات الاجتماعية القائمة بين أطراف المجتمع المدرسي؟ وهل ستقوم وزارات التربية والتعليم في دول العالم بتغيير سياساتها واستراتيجياتها التربوية إذا ما استمرت الجائحة في المستقبل؟
     لا شك أن وجود التلاميذ داخل المدرسة له أثر إيجابي على حياتهم التعليمية والاجتماعية، لأن المدرسة فضاء للتحرر والترقي وتحقيق المساواة، وأداة للتقدم والازدهار وبناء المستقبل، وسلاح مهم للقضاء على الأمية والجهل والتخلف، لذا دافعت فلسفة الأنوار عن التربية والتعليم لأثرهما التنويري والعلمي والتأهيلي في الفرد والمجتمع. ولكن ماذا تفعل الجهات المسؤولة عن التعليم أمام تفشي فيروس كورونا، وانتقاله بين التلاميذ داخل الفصول الدراسية، وبخاصة في المجتمعات الثالثية التي تتميز فصول مدارسها بالكثافة العددية؟
    هنا يأتي دور التعليم الالكتروني، أو التعليم عن بعد لتجنب الأضرار التي يمكن أن تلحق بالتلاميذ من جراء انتقال الفيروس بالعدوى، فقد أصبح من المعروف أن الحل الوحيد للتعامل مع أزمة كورونا تعليمياً هو عزل التلاميذ عن المدرسة، واللجوء إلى التعليم الإلكتروني، أو التعليم عن بعد، أو التعليم عبر شبكات التعلم، وهذا ممكن في الدول المتقدمة والغنية التي تستطيع تأمين البنية التحتية لهذا النوع من التعليم، وتمتلك المعلمين المؤهلين له. ولكن السؤال: هل تستطيع الدول المتخلفة تعليمياً والفقيرة اقتصادياً تأمين ذلك؟ وهل لديها القدرة على تأمين معلمين مؤهلين لهذا التعليم في المستقبل المنظور؟
     الاجابة عن السؤالين السابقين هي (لا) بكل تأكيد، لأن الوضع الاقتصادي للكثير من الدول لا يسمح بتأمين جهاز كمبيوتر لكل أسرة، فضلاً عن أن الكثير من الأسر تعاني من أمية تكنولوجية هي وأبنائها. بالإضافة إلى عدم وجود معلمين قادرين على استخدام التكنولوجيا في التعليم، وما يوجد لديهم من معلومات لا يتعد معلومات مقرر في تكنولوجيا التعليم اطلعوا عليه أثناء أعدادهم في دبلوم التأهيل التربوي الذي لم يخضع له جميع المعلمين، كما أن الدورات التدريبية في هذا المجال ليست ناجعة، لأنها غالباً لا ترتبط بتطبيقات عملية في دول العالم الثالث. اذاً ما هو الحل؟
     الحل هو أن تبدأ المجتمعات الثالثية فوراً بتوفير الأموال لتمويل عملية اعداد المعلمين على برامج التعليم عن بعد بشكل سريع، مع تأمين متطلبات الاعداد كافة، والعمل على تغيير سياسات التعليم واستراتيجياته وبرامجه قبل أن يستفحل الأمر وتصبح المجتمعات الثالثية دون تعليم.
     مع ملاحظة أن هذا الحل المبدئي لا يعني أن التعليم عبر شبكات التعلم سوف يسعى إلى إدماج التلميذ وتفاعله مع المجتمع المدرسي، ولا يعني كذلك إخراج الفرد من تمركزه الذاتي واندماجه في المجتمع المدرسي عن طريق التفاعل، لأن المدرسة في ظل الجائحة لم تعدّ بمثابة همزة وصل بين حياة التلميذ الفردية وحياة المجتمع المدرسي حسب ما تقتضيه سوسيولوجيا المدرسة المعاصرة، التي تسعى إلى تمكين التلاميذ من اكتساب معايير المجتمع وقيمه من خلال تزويد التلاميذ بالخبرات المربية عبر التفاعل مع التلاميذ الآخرين ومعلميهم.
    هذا التفاعل الذي يؤّثر في بناء شخصية التلميذ، ويتحكم في سلوكه الاجتماعي، فعندما يوجد التلميذ مع تلميذ آخر، فإن وجوده يؤثر في كيفية سلوكه واستجاباته. فضلاً عن تحقيق التكيف النفسي والاجتماعي، والاستقلال الذاتي، والنجاح في الحياة، وتكوين القيم الروحية والوجدانية والخلقية، فالتربية التي تسعى إليها المجتمعات تهدف إلى تعليم الفرد كيف يعيش ويندمج في المجتمع، أكثر من تعليمه كيف يعمل داخل المدرسة، وهذا كله لم يعدّ متوفراً بسبب جائحة كورونا التي تعصف بالتعليم المدرسي في دول العالم كافة.
     ولأن الأمر كذلك أصبح من الضروري إيجاد مقاربة سوسيوبنائية تنطلق من ثلاثة أبعاد أساسية: أولها، البعد البنائي لسيرورة تملك المعارف وبنائها من قبل الذات العارفة، وأقصد بالذات العارفة هنا التلميذ الذي يجب أن يبحث عن مداخل أخرى غير التعلم الالكتروني يستطيع من خلالها امتلاك المعرفة كالتعلم الذاتي مثلاً، وثانيها، البعد التفاعلي لهذه السيرورة نفسها، حيث الذات تتفاعل مع موضوع معارفها، والمراد من تعليهما، كأن يتفاعل التلاميذ مع الأحداث التاريخية التي تُنقل إليهم عبر شبكات التعلم. وثالثها، البعد الاجتماعي (السوسيولوجي) للمعارف التي يتم تعلمها، وتوظيفها في بناء علاقات اجتماعية خارج الفضاء المدرسي.
     وعليه فإن مثل هذه المقاربة إذا ما تم استيعابها من قبل التلاميذ فإنها يمكن أن تحدّ من تأثيرات جائحة كورونا في العمل التربوي والتعليمي، وبخاصة ما يتصل منه بالعوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي لها تأثير ملحوظ في المؤسسة التربوية (بنية ودلالة ووظيفة)، مع التأكيد أنه لا بد لنا في ظل هذه الجائحة أن يستبعدوا مؤقتاً الوظائف التقليدية للمدرسة، كالوظيفة الثقافية والسياسية والاجتماعية، كما يجب على المعلمين أن يعرفوا أن وظائفهم التقليدية لم تعد مجدية، فلم يعد مجدياً أن يعرض المعلم معارفه ثم يلتمس تأملها في مرحلة ثانية، فاليوم لا يحتاج أستاذ التاريخ إلى الخوض في تفصيل معركة القادسية مثلا أو ثورات الربيع العربي، لأنه أصبح بوسع التلاميذ الوقوف على ذلك بأنفسهم، وهنا يصبح المعلم موجها للمعارف، يرشد التلاميذ وسط محيط غامض لمعارف يوفرها الانترنت، ويضفي عليها عمقاً اعتماداً على معرفته التخصصية الأكثر رحابة من معارف التلاميذ، وهذا يتطلب إعداد برامج لإعادة تأهيل المعلمين للوظائف الجديدة التي فرضها فيروس كورونا على التعليم المدرسي والجامعي على حد سواء.   
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات