📁 آخر الأخبار

تفكيك خطاب النهايات في الفكر الغربي

تفكيك خطاب النهايات في الفكر الغربي
الفكر الغربي

تفكيك خطاب النهايات في الفكر الغربي

الأستاذ الباحث محسن اعريوة
 الباحث المقالات الهوية  الرتبة 
 محسن اعريوة 6 تم التحقق كاتب مميز

تاريخ الإنسانية مر بالعديد من الثورات العلمية والتقلّبات الفكرية والتصويبات النظرية لمجموعة من الأخطاء التي كانت في الأمس القريب صحيحة، ومن المسلمات، خصوصا القرن العشرين، عصر المابعديات؛ ما بعد الدين، ما بعد الحداثة، ما بعد الإنسان، ما بعد البنيوية.. وعصر النهايات الذي طغى فيه الفكر الجنائزي؛ موت الإله، موت الإنسان، نهاية الميتافيزيقيا، نهاية الفلسفة، نهاية الفن، نهاية التاريخ..

لقد مرّت الإنسانية من جروح عديدة، أو كما يسميها جورج طرابيشي «الجرح النرجسي الكوني»، الذي نتج عنه إذلال كبرياء البشرية، وكان أول هذه الجروح، الجرح الكسمولوجي، فقد كانت النظرة التقليدية، منذ بطليموس، قد عودت الإنسان على الحياة في عالم مغلق، هو له بمثابة المركز، لكن مع كوبرنيك أصبح الإنسان وكوكبه محض نقطة لا متناهية الصغر.

ثم كان بعد ذلك، الجرح البيولوجي الذي زعزع التاريخ التوراتي مع داروين، فالإنسان الذي لطالما افتخر بنفسه وتباهى بأصله الإلهي، وجد نفسه ينتمي إلى سلالة حيوانية. أما الجرح الثالث فهو جرح سيكولوجي، لكون النفس الإنسانية لم تبق هي ذاتها، فقرارات الإنسان الذي لطالما تباهى بحيازته ملكة الوعي، وجد هذا الوعي راجع إلى اللاشعور، بفعل نظرية فرويد التحليلة النفسية... وتتوالى الجروح ليتساءل غارودي: هل يقودنا موت الله بالضرورة إلى موت الإنسان؟

 {مات الإله، ويظل الإله ميتا، ونحن الذين فتلناه}، كان نيتشه ملحداً متطرفاً، ينكر وجود شيء اسمه الإله، فكيف يوقّع على وجود شيء لا يؤمن به؟ ربما لم يقصد الإله السماوي، وإنما يرمي بمقولته تلك، إلى موت كل ما له علاقة بالميتافيزيفيا والأخلاق خصوصا في الديانتين اليهودية والمسيحية. وقطع صلة الإنسان بعالم الغيب وإبعاد القيم الإنسانية العليا التي يؤمن بها، والتي تُبقي سلامة وجوده.
       ويعتبر المفكر اليساري ميشيل فوكو أول من نادى بـ«موت الإنسان» وهو لا يعني بذلك الموت البيولوجي، وإنما موت المركزية المتعالية (الترنسندتالية) له، التي تم تكريسها منذ الفلسفة اليونانية، "على اعتبار أنه يشكل موضوع المعرفة الأساس والإشكالية الرئيسة التي تتمحور حولها المفاهيم الأخرى وتردفها، ذلك أن هذا المفهوم بقي إلى وقت قريب محاطا بهالة من القدسية والسمو جعلاه بمنأى عن الانتقادات... فالإنسان لم يعد المرجع الأساس والوحيد للمعرفة، والموضوع الكلي الشامل الذي ينبثق عنه المعنى، أو المصدر الملهم للدلالات والتحولات التي يمكنها تغيير مجرى الحياة والأحداث، على العكس من ذلك فقد شعرت الفلسفة المعاصرة أن الفكر الفلسفي كذب على نفسه بنفسه بوضعه هذه المفاهيم التي لا تعطي صورة حقيقية عن الإنسان في مركز الصدارة".

فوكو
فوكو

       لقد طرح فوكو سؤالا وجوديا عكس الوجودية السارترية والكوجيتو الكانطي، «الأنا الموجود» و «الأنا أفكر» الذي تم التساؤل فيه عن (ماذا باستطاعتي أن أعرف؟ ماذا يتوجب على أن أكمل؟ ماذا يمكنني أن آمل؟)، ولهذه الأسئلة –حسب فوكو- ارتباط وثيق بسؤال مهم جامع، مفاده: ما هو الإنسان؟ الذي شغل الفكر الغربي منذ أوائل القرن التاسع عشر. 

يقول فوكو:
 "فالاهتمام الذي يوليه هذا السؤال بالإنسان ويدعو له ليس فقط في خطاباته أو في امتداحه العاطفي له، هذا الاهتمام الذي يبذله في محاولة تحديده ككائن حي وفرد عامل أو كذات ناطقة، لا يؤذنان؛ سوى في نظر النفوس الكريمة، بعودة مملكة الإنسان بعد طول انتظار؛ أما المقصود من ذلك في الواقع، وهو أمر أكثر عادية وبساطة وأقل أخلاقية عما يبدو، فلا يعدو كونه مزاوجة تجريبية- نقدية، يُراد من خلالها إظهار إنسان الطبيعة والتبادل (الاقتصاد) والخطاب كأساس لتناهيه الخاص به"، وفي مقابل ذلك يتساءل فوكو: هل الإنسان موجود حقا؟ من هنا أقر فوكو أن ظهور الإنسان مؤخرا بهذا الجلاء قد أعمى أعيننا، وأنه قد بادَ منذ أمد بعيد، وما زال يتابع اختفاء، إلى مات. وربط هذا الموت بموت الإله ابتداءً، يقول: "وصل نيتشه إلى النقطة التي عندها يمتلك الإنسان والله بعضهما، حيث يكون موت الأول مرادفا لزوال الثاني، وحيث إن الوعد بالإنسان الأسمى يعني أولا وقبل كل شيء حتمية موت الإنسان الوشيك... فنهاية الإنسان هي بدورها عودة بداية الفلسفة".
لقد بدأ الفكر الغربي بنقد النزعة الإنسانية ثم تطور الأمر مع فوكو إلى مفهوم الإنسان، وذلك "من أجل استئصال جذوره في الثقافة وفي المعرفة، ومن أجل إضفاء الطابع الظرفي على حدث ظهوره ونشأته، وللإعلان في آخر المطاف بأن ساعة اختفائه قد أزفت. وقد تم الإعلان عن ذلك بالفعل في الكلمات والأشياء، هذا النص الذي يعتبر من أشهر أدبيات الفكر البنيوي في عصره الزاهر؛ «إن الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة؛ إنه مجرد انعطاف في معركتنا، وسيختفي عندما تتخذ المعرفة شكلاً آخر جديداً»".

لموت الإله عند نيتشه علاقة وطيدة بموت الإنسان عند ميشيل فوكو، فلن يموت الأول إلا بموت وفناء الثاني، ومادام الإنسان موجود ففكرة "الإله والدين" باقية وتتمدد، هذا الطرح الأنطولوجي ذهب إليه (الملحد) الفرنسي ميشيل أونفري في كتابه "" سيدوم الإله بدوام العقول التي تخلقه وبدوام منكريه.. إن الفكرة الخيالية لا تموت، وإن الوهم لا يتوفى... فموت الإله كان ألعوبة أنطولوجية، لهذا سيختفي آخر إله مع آخر الإنسان..

تعيش الإنسانية تناقضا صارخا، هذا التناقض والأنانية المفرطة استبدا بوجودها، وليس لها للخروج من هذه الأزمة إلا بالرجوع إلى الدين، وكما يقول التفكيكي جاك دريدا "ليس للإنسان من معنى إلا في إطار هذه الحالة الأخروية-الغائية!". وإذا كان الخطاب الغربي قد طغى عليه الموت، فقد أدى ذلك إلى إعلان أفول حضارته كذلك، وأن هناك أزمة وجودية يمر منها الغرب ولسوف يتأثر بمجرياتها العالم وهذا ما أكده المفكر المغربي حسن أوريد في كتابه "أفول الغرب"، بل الأسوأ ما سيأتي إن لم يستوعب العالم العربي التحول الجاري في العالم. نعم، كنا نعيب كثيرا العقلية الفقهية الكلاسيكية، لكونها تتشبث بحرفية النصوص، وتعيشها في تاريخيتها، وتجعل من الخطاب الوعظي مدخلا للإقناع والاقتناع.. لكن اليوم تبين وبالملموس أعطاب العقل الحداثي أو بصيغة أدق "ما بعد الحداثي"، الإنسان؛ روح وجسد.. والاهتمام بجانب دون آخر عائق أنطولوجي، يشكل دائما أزمة... وهكذا هي علاقة العلم بالدين... فالدين هو بوصلة العلم، وترياق النفوس المعطوبة!


♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات