📁 آخر الأخبار

وباء كورونا في سياق العولمة الاٍقتصادية

وباء كورونا في سياق العولمة الاٍقتصادية
وباء كورونا يهدد اقتصاديات الدول العظمى بالاٍنهيار

وباء كورونا في سياق العولمة الاٍقتصادية

 الباحث المقالات الهوية  الرتبة 
 محمد أيت بود

 3 تم التحقق كاتب مميز

باحث في سلك الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة اٍبن زهر بأكادير – المغرب
med223984@gmail.com

ملخص:

     أثار وباء كورونا العديد من المخاوف الاٍقتصادية لدى العديد من الدول، هذا العدو اللامرئي أصبح بين عشية وضحاها وبدون سابق اٍنذار يهدد اقتصاديات الدول العظمى بالاٍنهيار.

 لقد تغولت الليبرالية الجديدة – New libéralisme  وتجاوزت حدود الدول وصارت شريكا لهذه الأخيرة في صنع وتدبير السياسات العمومية و المدبر الفعلي لتلك السياسات في ظل ضعف الدولة وتحالف النخب التقنوقراطية الحاكمة مع الرأسمال العالمي وكذا ضعف أو تهميش النخب السياسية ، ولكون الاٍقتصاد الرأسمالي يقوم على حرية المبادرة الفردية بناء على مقولة آدم سميث " دعه يعمل، دعه يمر " فاٍن ما يحرك الشركات المتعددة الجنسيات ليس المصلحة العامة بل المصلحة الخاصة، وفي هذا السياق فالليبرالية الجديدة ما فتئت تضغط على الدول من أجل التخلي النهائي عن القطاعات الاٍجتماعية مثل الصحة والتعليم ، وأصبح مفهوم الدولة الميسرة – L’Etat Facilitateur  بديلا لدولة الرعاية الاٍجتماعية – L’Etat Providence ،بحيث ينحصر دور الدولة في تيسير هيمنة السوق على كل القطاعات الحيوية ، وأصبحت القطاعات الاٍجتماعية في نظر العولمة الاٍقتصادية المدججة بجيش من عملاء البورصات العالمية ولوبيات الأبناك الدولية والمؤسسات المالية مجرد سلعة في يد الدولة ، يجب أن تتخلى عنها هذه الأخيرة بسرعة لتوضع في البورصة بحيث يتم تداولها في البورصة مثل سندات الدين أو الأسهم وأصبحت المؤشرات الاٍقتصادية تدرج قطاعي الصحة و التعليم ضمن السلع التي يجب أن ترفع من حمى تداولات الأسواق والبورصات العالمية ، وبدا جشع وأنانية المنظومة الرأسمالية واضحا للعيان ، بحيث قضت هذه الأخيرة على كل قيم التعاون والتضامن الاٍنساني وأصبحت السياسات الاٍجتماعية خاصة الصحة والتعليم يحكمها الاٍطار المرجعي المعولم ، وصارت قوة الدولار واليورو والين تضاهي قوة الأخلاق التي نادي بها فلاسفة الأنوار في الغرب ، ما يطرح بحدة اٍشكال اٍنهيار الحداثة الغربية وتجاوز كل السرديات الكبرى التي قامت عليها  كما يرى جان فرانسوا ليوتار – Jean François Lyotard وهو أحد فلاسفة مرحلة ما بعد الحداثة - Postmodernité  .

الكلمات المفتاحية: وباء كورونا – الليبرالية الجديدة – العولمة.

مقدمة: 

      أثار اٍنتشار وباء كورونا – كوفيد 19 – COVID 19 في أوساط المجتمعات الاٍنسانية هالة من الذعر والخوف لم يسبق لهما مثيل في تاريخ الأوبئة والجوائح العالمية ، فمرورا بالطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا في القرون الوسطى ثم الأنفلونزا الاٍسبانية اٍلى الفيروسات التي ظهرت في القرنين الـ 20 و 21 ، لم يسبق للإنسانية جمعاء أن عاشت ظروفا اٍجتماعية واقتصادية كالتي تعيشها بسبب انتشار فيروس كوفيد 19 ، ولعل السمة البارزة والمشتركة لدى المجتمعات الإنسانية بسبب هذا الفيروس تتجلى في التباعد الاٍجتماعي جراء التدابير الاٍحترازية  والحجر الصحي التي اتخذتها الدول كحل لمنع انتشار الوباء ثم في الاٍغلاق التام لجميع مناحي الحياة وتوقف الأنشطة الاٍقتصادية والاٍجتماعية وكذلك في اتخاذ الدول للتدابير الاٍجتماعية من خلال تعبئة الموارد المالية واٍحداث صناديق لمواجهة أثار الاٍغلاق التام وتوقف النشاط الاٍقتصادي على الأسر ذات الدخل المحدود  والقطاع الخاص .

في هذه المقالة سأحاول أن أقارب موضوع جائحة كورونا من خلال رصد واقع الأزمة أو الأزمات التي تسببت فيها للإنسانية جمعاء على جميع المستويات ؛ خاصة ما يتعلق منها بالجانب القيمي ، في استحضار للسياق العالمي المتسم بهيمنة الأيديولوجية الرأسمالية واٍقتصاد السوق على سائر المجتمعات ،  محاولا البحث عن جواب للإشكالية المنهجية التي يطرحها الموضوع وطرح التساؤل فيما اٍذا كان بالإمكان معالجته كظاهرة اٍجتماعية أم كمجرد حالة طارئة لم تأخذ بعد الوقت الكافي حتى تتحول اٍلى ظاهرة اٍجتماعية ، وبالتالي اٍستبعاد كل الفرضيات العلمية المرتبطة بالمنهج التجريبي الدوركايمي ، والاٍكتفاء بالتفسير والفهم انٍطلاقا من المنهج الفهمي الفيبري  والتفسيري للنظرية الاٍجتماعية .

1 - الرأسمالية والعولمة في مواجهة فيروس كورونا

    لقد باعت الدول كل ما تملك من مؤسسات عمومية وشركات القطاع العام  في اٍبان اندلاع حمى الخوصصة في التسعينيات من القرن الماضي ، ولم يتبقى لهذه الأخيرة غير الصحة والتعليم ، والتي حسب المنظومة الليبرالية الجديدة ، لم يعد لها من دور بالنسبة للدول ، وأن هذه الأخيرة تستنزف ميزانياتها الهزيلة أصلا والمنهكة بالقروض وفوائدها لصالح المؤسسات المالية الدولية  بحيث آن الآوان لترفع الدولة يدها عنهما (1)، ورغم أن كل هذه التحولات لم تكن لترضي القوى الديمقراطية سواء في أوروبا أو دول العالم الثالث  بحيث نتج عنها احتجاجات شعبية واسعة النطاق في مناطق كثيرة من العالم ، لم تعد الدولة تملك خيار الاٍستجابة لمطالبها أمام تغول الرأسمال المتحالف مع النخب التقنوقراطية الحاكمة ، ففي فرنسا مثلا خرجت الاٍحتجاجات في سنة 2019 بقيادة السترات الصفراء ، في صورة كادت تعصف بكل مقومات الدولة الحديثة بحيث استمرت الاٍحتجاجات لأزيد من ستة أشهر في مشهد شبيه بمشهد الثورة الفرنسية من حيث مستوى التخريب وأشكاله الذي قامت به السترات الصفراء في الشارع العام والممتلكات الخاصة . 

   يرى آلان باديو- Alain Badiouوهو مفكر فرنسي أن فيروس كورونا ليس بنفس الحدة التي ظهرت بها فيروسات مماثلة لها نفس  الاٍثار من حيث مهاجمتها للجهاز التنفسي في العالم مثل أنفلونزا الطيور- AIDS  وفيروس الاٍيبولا – Ebola  وأنفلونزا الخنازير وفيروس السارس 1 – SARS 1  والسل –Tuberculose  ،  ومع ذلك فتعامل العالم مع فيروس كورونا مختلف مع تعاملها مع هذه الفيروسات المذكورة ، ويرجع ذلك الى عدم تمويل البحث الذي كان سيتيح للعالم الطبي أدوات عمل حقيقية ، ليس لدى الدول أي شيء تقدمه للناس ماعدا دعوتهم اٍلى الجلوس في البيت وتشجيعهم على ذلك ، سواء من خلال اٍتخاذ التدابير الاٍحترازية أو بمنحهم معونات مالية ...الخ ، بحيث أصبح مفهوم العالم الغربي المريح  خال من أي معنى بدلا من ذلك هو مدعاة لحسرة مبهمة وحماقات مقززة على وسائل التواصل الاٍجتماعي ، الوضع يطرح تحديات اٍجتماعية واقتصادية على الدولة ، فترك الحرية للناس يعتبر مغامرة غير مأمونة العواقب وخطر اٍنتشار العدوى وارد بشكل أكثر تهديدا لهم ، وحجزهم داخل بيوتهم يطرح اٍشكال القوت اليومي لهم واٍغلاق المصانع والمطارات والشركات والمقاهي والفنادق يطرح مشكل الركود الاٍقتصادي الذي سوف يقضي على فرص النمو ، هناك تمفصل بين التحديات الاٍجتماعية والاٍقتصادية (2)، في عصر الرأسمال العالم البورجوازي لديه نفس المقاربة لمواجهة العدوى  تتراوح بين فكرة العالم المادي والعالم المثالي (3) ، اٍزدواجية المادة والفكر تنطوي على قدر من النفاق ، منظومة القيم التي ترتكز على الاٍستهلاك والفردانية والحرية ، الغرب حسب ماكس فيبر هو في الأصل ينقسم اٍلى عالمين من حيث القيم الأخلاقية ، رغم الطابع العلماني للدولة الذي تكرس فيما بعد بواسطة الاٍصلاح الديني ، وهذان العالمين يشكلان مرجعية ثقافية وفكرية للغرب وهما العالم الكاثوليكي والبروتستانتي ، يتميز العالم الكاثوليكي بتنظيم العمل والميل الى التقشف والصرامة والجدية في العمل واستلهام المفاهيم المادية لأرسطو . الرأسمالية تعني التنظيم العقلاني الرأسمالي للعمل الحر والبروتستانتي يتميز بالعقلانية الاٍقتصادية ما أدى اٍلى اختراع الفوائد البنكية ويميل اٍلى الاٍستمتاع بملذات الحياة، والبروتستنتية وهي المهيمنة في ألمانيا وأنجلترا، في حين تهيمن الكاثوليكية في فرنسا واٍيطاليا واٍسبانيا والبرتغال واليونان، وهذا الأمر يمكن أن يعتبر مدخلا لتفسير انتشار العدوى بشكل سريع في الدول ذات المرجعية العقدية الكاثوليكية أو الدول اللاتينية.

   اٍعتبر الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي  -  Nahum Tchounski انتشار جائحة كورونا اختبارا للعولمة وللفلسفات التي سادت العالم المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية مثل السوق الحرة ومبدأ عدم تدخل الدولة في الاٍقتصاد ، الاٍقتصادي لا يهمه وقوع الكارثة لأن ذلك غير مربح اٍقتصاديا ، الولايات المتحدة لديها أسوأ سجل في الاٍستجابة للأزمة ، رغم أن العلماء حذروا من الجائحة لسنوات خاصة منذ وباء سارس 2003 ، هذا الوباء كشف عن أمراض النظام الاٍجتماعي والاٍقتصادي المعاصر ،بحيث صار القرار بيد عالم الرأسمال ، هذا الأخير لا يهمه الصالح العام بل ينصب كل همه على الربح الخاص ، أعطت السنوات الأخيرة جرعة وحشية لليبرالية الجديدة والنظام الرأسمالي وجاءت العدوى لتعري ما خفي من سوءة هذا النظام القبيح ، المفكر الاٍقتصادي ميلتون فريدمان  - Milton Friedman، يقول اٍن دونالد ترامب جاء اٍلى منصبه في مجتمع مريض عانى من النيوليبرالية لمدة 40 عاما (4)  بحيث أصبحت أسطورة التفوق الأمريكي تنهل من هذه الأفكار الرأسمالية الجديدة ، ومن أبرزها مذهب الفائدة – Utilitarisme  ، بحيث ارتهن قيام الليبرالية على قيم الفائدة من مؤسسها جيرمي بنتام – Jeremy Bentham  ، في القرن الثامن عشر ، وتعني تامين الرفعة والسعادة واللذة العامة ، بحيث على الدولة أن تسعى لتأمين السعادة للإنسان ، توفير اللذة والسعادة والقضاء على الألم والعذاب ، لكن أزمة الليبرالية الجديدة انطلقت في الثمانينات مع أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة لتؤدي اٍلى الاٍنكماش الاٍقتصادي الذي كان سببه الثاني أيضا هو فائض الاٍنتاج  والتوزيع غير العادل للدخل ، ما نتج عنه تسريح آلاف العمال . 

2- خطر العدوى في ظل الحداثة السائلة

  يشير مفهوم السيولة لدى زيجمونت باومان – Zygmunt Baumann  ، اٍلى الحالة التي يتحول فيها الشيء من الصلابة اٍلى السيولة سواء جراء عوامل الطبيعة أو تدخل الاٍنسان ،  ومفهوم السيولة هو بهذا المعنى مرادف للتدفق وعدم اٍمكان التحكم فيه ، فالشيء الذي هو الحداثة يسيل ليغطي كل المساحات الفارغة ، بحيث لا حدود يمكن أن تقف في وجهه أو تصده أو تغير مجراه ، وهو لدى باومان ومفكري ما بعد الحداثة عموما نقد للنزعة الفردية المتفشية والأنانية الطاغية في الغرب والتي انتقلت اٍلى المجتمعات الأخرى ، والحالة الاٍستهلاكية المفرطة والمتطرفة وانهيار القيم الأخلاقية لصالح قيم السوق  أي القيمة التبادلية ، فالبحث عن اللذة والسعادة والرفاهية وتحسين مستوى العيش وتحسين الأحوال الصحية وولوج عالم الاٍتصالات الرقمية في ظل ثورة المعلومات وشبكات الأنترنيت دفع المجتمعات الغربية باتجاه اٍزاحة كل الحدود الأخلاقية من أجل تحقيق هذه الرغبات ، فلا شيء يجب أن يقف أمام الرغبة اللانهائية للإنسان ، واجتياح الأيديولوجية الليبرالية الجديدة للمجتمعات أدى اٍلى طغيان قيم السوق وتنحية الأخرويات والروحانيات  – Eschatologie  جانبا ، وقضى على خصوصيات المجتمعات وأدى اٍلى تأكل الهويات الجماعية (5) . لقد أدى مفهوم سيولة الحداثة اٍلى اكتساحها لكل التخوم بحيث أضحت تهدد الكيانات الهشة بالزوال، من خلال إعادة صياغة مختلف مجالات الحياة بشكل عميق وفق المنظور الذاتي للأشياء، ونشر قيم الشخصنة والفردانية والمجتمع القائم على الاٍعلام واٍثارة الحاجات والجنس، وتهميش العناصر الاٍنسانية وتقديس التحرر الشخصي والبحث عن الاٍسترخاء والاٍستقلالية واحترام التفرد الذاتي والشخصية المتفردة.

   اٍن وصول أصحاب رأس المال غير الديمقراطيين اٍلى الحكم في الولايات المتحدة ( دونالد ترامب نموذجا ) سيساهم في قتل الديمقراطية بأدوات ديمقراطية ، التدمير الممنهج للإرث الديمقراطي سوف يتم بالتدريج على أيدي هؤلاء الرأسماليين الجدد ، وكانت مؤشرات ذلك تخلي أمريكا عن دعم ثورات الربيع الديمقراطي في شمال اٍفريقيا والشرق الأوسط ، وغدت الديمقراطية في تراجع مستمر خاصة مع صعود الأنظمة الشمولية كالصين وكوريا الشمالية ، وكذا صعود اليمين الشعبوي في أوروبا وأمريكا ، الديمقراطية لا تموت لأنها قيم اٍنسانية وسياسية لا تخضع لحتمية العوامل البيولوجية ، ولكنها تخضع لتغيرات الواقع السياسي والاٍجتماعي وتتراجع أو تنحسر اٍلى أجل غير مسمى ،  في ظل هذه الحالة ظهر فجأة عدو لا مرئي وأصبح يهدد حياة البشرية جمعاء ، بحيث لم يعد بإمكان المجتمعات التبوء بمصيرها والتحكم فيه ، وأدى اٍستحواذ الرأسماليين الجدد على القرار في الدول الغربية ، اٍلى تراجع دور الدولة في مجالات الرعاية الصحية والاٍجتماعية ، وكان لهذا الفعل الأثر البالغ على أشكال تدخل الدول لحماية المجتمع من العدوى وقضى على كل أشكال التضامن الاٍجتماعي ، خاصة في تجمع اٍقتصادي قاري اعتبر من أعتى وأعرق التجمعات الاٍقتصادية في العالم ، والذي هو الاٍتحاد الأوروبي ، اٍن تأخر الاٍتحاد الأوروبي في دعم بعض الدول التي اٍنتشرت فيها العدوى بشكل واسع مثل اٍيطاليا واٍسبانيا أدى اٍلى سخط شعبي واسع ، بحيث بدأ البعض يشكك في جدوى وجوده أصلا ، ما يطرح أكثر من علامة اٍستفهمام حول ضلوع الرأسماليين الجدد في هذا السيناريو الاٍنساني الذي أبرز الوجه القبيح لليبرالية الجديدة .
   لقد أدى الاٍنتشار السريع للعدوى في أوروبا وعدم قدرة الدول على مواجهتها اٍلى شعور الناس بالذعر والهلع والخيبة من عدم قدرة الحكومات والأحزاب الحاكمة على التصدي للجائحة وحماية المجتمعات منها ، وساد الاٍنطباع بفشل أوروبا ونجاح الصين في القضاء على الفيروس ، وأصبحت هذه الأخيرة تقدم المساعدات الطبية للدول الأوروبية ،  وبدا كما لو أن الموازين الدولية اٍنقلبت بسرعة لصالح رجحان الكفة الصينية ، وبدت هذه الأخيرة بمظهر الدولة الجادة والمجدة في حماية شعبها في مقابل تخاذل الحكومات الغربية ، واستسلامها المريب . اٍن بسط المقدمات السالفة حول تغول الليبرالية الجديدة يمنح لنا اٍمكانية اعتبار انتشار العدوى في أوروبا ظاهرة اٍجتماعية مما يمكن معه طرح هذا السيناريو كفرضية علمية في اٍنتظار التحقق منها سواء بواسطة المنهج التجريبي أو الفهمي أو التفسيري ، وفي نفس الوقت يطرح هذا الأمر مشكل الخوف من صعود الصين الشيوعية الكونفوشيوسية على حساب أوروبا الديمقراطية المسيحية ، ويعتبر نجاح الصين نجاحا للسلطوية والحزب الوحيد والدكتاتورية ، ومؤشرا على أفول الديمقراطية الغربية ، وهذا الأمر بالنسبة لدول شمال اٍفريقيا والشرق الأوسط يطرح تخوفا يمكن أن يؤدي اٍلى اٍعجاب الأنظمة في هذه المنطقة بالتجربة الصينية ، وأن تعتبرها أداة أيديولوجية للدفاع عن الدكتاتورية والترويج لسياساتها القمعية ، ويكمن الاٍشكال أيضا في كون الأيديولوجيا الليبرالية المعاصرة لا تقدم أي حل ولا توفر فرص النجاة ، بيد أن التحدي الذي بات يشكله الوباء في كل مكان يتمثل في تبديد النشاط الجوهري للعقل واٍجبار الأشخاص على العودة اٍلى  تلك الأفكار الخرافية التي كانت معهودة في العصور الوسطى عند اجتياح الطاعون للعالم ، كم أن وسائل التواصل الاٍجتماعي تساهم في هذا الاٍشكال.(6) 

3-فيروس كورونا في حضن وسائل التواصل الاٍجتماعي

   في ظل الاٍنتشار الواسع للعدوى واتخاذ الدول للتدابير الاٍحترازية وفرض حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي ، اشتغلت الآلة الاٍعلامية على جميع الواجهات في تنافس محموم من أجل ملئ المكان الشاغر الذي تركه توقف النشاطات الاٍقتصادية والاٍجتماعية وفرضه المكوث في البيت ، واحتلت وسائل التواصل الاٍجتماعي الموقع البارز ضمن خريطة هيمنة وسائل الاٍعلام على عقول الناس ، خاصة في هذا الظرف العصيب ، وأخذت تنشر كما هائلا من المعلومات والمعطيات والآراء المتضاربة حول المرض ، وأصبح الفرد الجالس في البيت يتابع بشكل غير منقطع الأخبار من مختلف مناطق العالم حول عدد حالات الاٍصابة بالفيروس وعدد حالات الوفاة وأصبح مفهوم الموجب والسالب لأول مرة في تاريخ المؤشرات والأرقام مختلفا عن مفهومهما المتداول والمعروف ، وأضحى السالب مرادفا للارتياح والشعور بالآمان في حين أصبح الموجب مرادفا للخوف والشعور بعدم الاٍطمئنان ، ولم يعد من شغل لها سوى تتبع  ونقل هذه الأخبار سواء على المستوى الوطني أو الدولي ،  فهي أي وسائل الاٍعلام والتواصل واٍن كانت تثخن جيوب الأثرياء  خاصة في هذا الظرفية ، فهي تفقر عقول الناس سبب ما تنشره من تفاهات وخرافات وأخبار زائفة ومضللة ومتناقضة في الغالب ، خاصة مع دخول فاعلين جدد للمجال الاٍعلامي ، فاٍذا كان الفاعلون في  الاٍعلام الجماهيري { التلفزيون والراديو } يمكن تحديدهم ومعرفتهم فاٍن ما يميز الفاعلين في وسائل التواصل الاٍجتماعي خاصة فيسبوك هو عدم اٍمكان التعرف عليهم وعلى هوياتهم وأيديولوجياتهم وأهدافهم غير المعلنة ، فهذه الوسيلة التواصلية الجديدة منحت الاٍمكانية لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية والثقافية وأصولهم الاٍجتماعية من أجل نشر الأخبار والمعلومات و  الأفكار بدون رقيب أو حسيب وبدون التأكد من مصادرها الأصلية ، وأصبحت المعلومات على علاتها معروضة للبيع على رفوف الفيسبوك يتسنى لأي مار أن يتناول منها بالقدر الذي يريد وبدون التحلي بأي منطق أو قدرة على التحليل ، يتيح الحديث عن دور وسائل التواصل الاٍجتماعي في تأجيج ظاهرة الخوف من العدوى سواء لدى الدول أو الأفراد استحضار أيديولوجية الهيمنة لكل من أنطونيو غرامشي وبيير بورديو ، بيد أن عصر سيطرة الدولة على وسائل الاٍتصال الجماهيرية من أجل تمرير خطابها السياسي واٍضفاء المشروعية على نظامها السياسي وسياساتها في مختلف الميادين قد ولى لصالح هيمنة وسائل التواصل الاٍجتماعي حتى على الدول نفسها اٍنطلاقا من أيديولوجيا السوق ، وبالرغم من المحاولات المضنية التي تبذلها هذه الأخيرة من أجل ضبط السيلان الهادر من الأخبار والمعلومات وتوجيهها لما يخدم أجنداتها السياسية ، اٍلا أن الأمر أشبه بتخطيط الخطوط على الرمل في وسط العاصفة ، فالتشريعات الزجرية التي تلوح بها في وجه الناس قصد اٍخافتهم وتحقيق اٍحجامهم عن نشر ما تسميه " الأخبار الزائفة " لاتحقق في الغالب النتائج الزجرية المرجوة وذلك نظرا لعوامل متعددة متضافرة تساعد على الاٍفلات من الرقابة الأمنية للدول على وسائل التواصل الاٍجتماعي .

  رغم أن النقاش في وسائل التواصل الاٍجتماعي حول القضايا الاٍجتماعية  هو في الغالب  نقاش يتسم بالتسطيح والتعسف على المفاهيم والمفردات العلمية واٍستعمالها بشكل غير دقيق ، اٍلا أن الشبكات الاٍجتماعية تجعل الفرد متعدد الروابط ، ويمكن لهذه الروابط أن تخفف من أضرار العزلة الاٍجتماعية الناجمة عن العزل الصحي بسبب الخوف من اٍنتشار الفيروس ، ويمكن أن تزيد الأثار النفسية للعزلة من الضرر متعدد الأوجه الناجم عن الخوف من اٍنتشار العدوى ، خاصة التشتت الاٍجتماعي الناتج عن التقليل من اٍتصال الأشخاص ببعضهم البعض ، وإلغاء الأحداث الاٍجتماعية والرياضية والثقافية وعزل كبار السن ، بحيث  قللت العزلة من فرص رؤية الأصدقاء والعائلة ، وحسب جوليان هولت لونستاد (7)  فان العزلة تقلل المناعة وتسبب الاٍكتئاب والتدهور المعرفي والخرف . الوحدة هي المعادل الاٍجتماعي للألم والشعور بالخوف، ومن جانب آخر فالشبكات الاٍجتماعية تتيح للأشخاص التغلب على أثار هذه العزلة المفروضة عن طريق تنظيم مؤتمرات افتراضية عبر الفيديو وموائد للنقاش الاٍفتراضي في البريد الاٍلكتروني أو الفيسبوك أو التويتر أو الواتساب، بحيث تساهم هذه الشبكات الاٍفتراضية في التقليل من أثار العزلة على العائلات والأصدقاء من خلال التواصل بواسطة تقنية الفيديو التي تتيحها هذه الشبكات. 

   من المفارقات – Les paradoxes  التي تسبب فيها انتشار هذا الفيروس حول العالم ، مسألة عولمة الخوف ، بحيث أصبح وسيلة في يد الدول من أجل اٍعادة ترتيب أوراقها ومن أجل محاولة ترويض الاٍنسان باعتباره حيوانا سياسيا يأبى الاٍنصياع لأوامر السلطة في الحالات العادية ، وجعله طيعا وخدوما ومتحليا بالحس الاٍنساني والشعور الوطني وفي المقابل وكنتيجة لهذا الخوف نفسه طفت على سطح منصات التواصل الاٍجتماعي مجمل الاٍشكاليات السياسية والاٍجتماعية المزمنة التي لم تجد لها المجتمعات حلا ، خاصة مجتمعات العالم الثالث ، واتسم النقاش الدائر في هذه المنصات بالتقاطب الحاد  في شكل أشبه بحوار الطرشان ، فلا أحد يريد أن ينصت للآخر و كل طرف يقدم حججه على أنها هي وحدها وفقط سليمة ومنطقية وأنها تقدم الحلول الواقعية للخروج سواء من أزمة الحجر الصحي أو من الأزمات المزمنة المتراكمة قبل زمن الجائحة.

4- رصد واقع آثار الأزمة على المجتمعات 

   يعيش العالم في ظل انتشار عدوى الاٍصابة بفيروس كورونا في الآونة الأخيرة كما قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الاٍسباني بيدرو سانشيز حالة حرب ، كما أن حالة الطوارئ الصحية التي فرضتها العديد من الدول ومن بينها المغرب تشير الى هذا المعنى ، فدخول الناس اٍلى البيوت ومنع التجول وتقييد بعض الحريات وفرض الحجر الصحي ومراقبة حرية التنقل واٍرتداء الكمامات الطبية وتواجد الشرطة والجيش والسلطة العمومية بشكل مكثف في الشارع العام ، كلها اٍجراءات تعطي الاٍنطباع على أن، تعطي الاٍنطباع على أن الدولة والمجتمع هما على السواء فعليا في حالة حرب ، والحرب كما هو معلوم تعني مواجهة بين جيشين ، جيش غازي وآخر يدافع عن حوزة الوطن ضد الغزو والاٍحتلال ، غير أنه في الحالة المعروضة حرب بدون جنود وبدون استراتيجيات  ، و يمكن أن نقول بأن الجنود المفترضين لهذه الحرب هم الأطباء والممرضين وأن الاٍستراتيجية هي مواجهة المرض ، لكن أين هو العدو ؟ ، الفيروس غير مرئي ولكنه أصبح هو الفاعل الرئيسي في العالم اليوم ، لقد اختفى كل الفاعلين على الساحة الدولية ، ما يحدث في العالم يمكن أن يدل بشكل أو بآخر على أن المنظومة الغربية هي الآن قيد التحول أو الاٍنهيار وما يسمى بصعود اليمين الشعبوي في أوروبا هو نتيجة لهذا الاٍنهيار الوشيك للمعنى في المجتمعات الصناعية ، وفي المقابل برز فاعلون وقيادات بدون أفكار وبدون برنامج ، الحكومات لا تملك أي حل للناس سوى البقاء في البيت . غياب الأفكار و غياب الفاعلين و غياب الاٍهتمام و غياب المعنى و وغياب اللقاح كلها مؤشرات غامضة ، الناس فرض عليهم الحجر بدون أن يفهموا ما يجري ، هنالك فراغ مهول على الساحة الدولية ، والتاريخ يعلمنا أن الفراغ لابد أن يملأ ، الصين الآن تستعد لملأ الفراغ أمام تراجع الغرب والولايات المتحدة ، لكن في وضع متناقض، الصين تريد أن تواجه العالم الغربي الرأسمالي والليبرالي من خلال ممارسة الشمولية الماوية ، والصين بدورها تعيش تناقضا قاتلا، فهي دولة شيوعية ذات توجه اٍقتصادي رأسمالي ، العالم يوجد في حالة فراغ مهول للأفكار والأيديولوجيات وهو قيد التحول نحو وضع غير معروف وغير متنبأ به من قبل ، وهذا مؤشر على عودة القوميات والشعبوية ، هنالك تدفق للمهاجرين نحو أوروبا والعالم ما بعد الأزمة لن يعون كما كان من قبل أبدا ، ومغادرة بريطانيا لاٍتحاد الأوروبي  لم يكن بالشيء السهل ولن يمر بدون عواقب ، أمام تنامي الاٍصابة بالعدوى أصبحت المجتمعات تتواجد أمام خيار لا مفر منه ، الأزمة سترفع من مكانة مقدمي الرعاية الاٍجتماعية ، بحيث أصبحت لهم مكانة غير المكانة السابقة . (8)

  لعل من الأمور الاٍيجابية التي يمكن توقع بحدوثها بسبب الجائحة هي عودة الدولة كحاضنة اٍجتماعية ، وعودة الدولة مؤشر على عودة القطاعات الاٍجتماعية اٍلى الواجهة خاصة العلم أو التعليم والصحة ، ولطالما دعت الليبرالية الجديدة اٍلى تفكيك الدولة وعرض القطاعات الاٍجتماعية في البورصة مثل جميع السلع التي تخضع لمنطق السوق التداولي وتحظى بالقيمة التبادلية ، وبخصوص هذا الاٍستشراف لابد من القول بأن العلوم الاٍجتماعية لا تهتم بالمستقبل بقدر ما يهمها الحاضر والواقعي ، ولهذا فعودة الدولة مرتهن بعدة شروط اٍجتماعية وسياسية وأيديولوجية وهي غير متوفرة الآن ، كما أن عودتها يمكن أن تضع موضع تساؤل العديد من الاٍشكاليات التي كانت اٍلى الأمس مستبعدة من أجندة الليبرالية الجديدة ، خاصة منها ما يتعلق بالبعد الاٍنساني الذي عملت الجائحة على تعريته وبدا الوجه القبيح لليبرالية اللاإنساني عاريا ، وتعمق الاٍدراك  والوعي لدى الناس سواء في أوروبا وأمريكا أو في بقية العالم أن الاٍقتصاد أهم من الاٍنسان ، ويبرر هذا الزعم ذلك التذبذب الذي ساهم في اٍضاعة الكثير من الوقت لحساب الشركات والمصانع الكبرى قبل أن يتفشى الوباء بشكل سريع ويرغم الليبراليين الجدد ووكلاءهم في مراكز القرار الرسمي للدول على التراجع واتخاذ التدابير الاٍحترازية .
  • هوامش:
  •     - رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الاٍله بنكيران في اٍحدى خطاباته أمام البرلمان قال بأنه آن الآوان لترفع الدولة يدها عن الصحة والتعليم، وهو مضمون سياسة ليبرالية جديدة ذات الاٍطار المرجعي المعولم يحكم صنع السياسات العمومية في ظل فترة ولاية حزب العدالة والتنمية الذي يقود الاٍئتلاف الحكومي منذ سنة 2012-https://www.youtube.com/watch?v=zGg6WwY_jFs&t=53s – تاريخ الاٍطلاع: 20-04-2020
  • 2-  ألان باديو – حول جائحة الكورونا فيروس – كوة -https://couua.com/2020/03/25 – تاريخ الاٍطلاع : 01/04/2020
  • 3 -– ايريك هوبزباوم -عصر الرأسمال (1848-1875) – ترجمة د فايز الصياغ -مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – يناير 2008 – ص 409
  • 4 - محمد الشرقاوي -التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية (الجزء 1) -مركز الجزيرة للدراسات -–https://studies.aljazeera.net/ar/article/4611 تاريخ الاٍطلاع: 24-03-2020
  • 5 -زيجمونت باومان -الحداثة السائلة – الشبكة العربية للأبحاث والنشر-بيروت – القاهرة – الدار البيضاء – سنة 2000-2012 -ص 7.
  • 6 - ألان باديو – حول جائحة الكورونا فيروس – ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 -  كوة - https://couua.com/2020/03/25  - تاريخ الاٍطلاع :05/04/2020
  • 7-حسام فياض -دور وسائل التواصل الاٍجتماعي في تخفيف الأثار السلبية للعزلة الاٍجتماعية في ظل انتشار الكورونا -مقال كلاود
  • https://makalcloud.com/post/o5i4q6cel- تاريخ الاٍطلاع : 07-04-2020
  • 8-[حوار].. ألان تورين: فيروس كورونا جعلنا نعيش اللاّمعنى في بيوتنا. وستكون هناك كوارث أخرى
  • https://mupresse.com/?p=4378

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات