![]() |
| الرابط الاجتماعي |
الرابط الاجتماعي وسؤال كورونا
| الباحث | الهوية | المقالات | الرتبة |
| ياسين نشاط | تم التحقق | 4 | كاتب مميز |
بعد ظهور وباء كورونا بمدينة "يوهان" بالصين الشعبية، أكدت وسائل الاتصال والاعلام بأنه فيروس خطير سريع الإنتشار وهو من فصيلة كبيرة من الفيروسات المعدية، بعد تشخيصه زعمت منظمة الصحة العالمية على أن أعراضه تتمثل في الحمى والارهاق والسعال الجاف، وقد يعاني مصابيه ببعض الالم والاوجاع ك اختقان الانف أو الرشح، وألم الحلق، وغالبا تكون هذه الاعراض خفيفة وتبدأ بالظهور تدريجيا ، هذا ما جعل من العالم أن يسيطر فيه القلق والخوف والفزع نتيجة ارتفاع وتسارع وثيرة انتشار كوفيد19 المستجد، وهو فيروس أكثر خطورة من سابقه، سريع الانتشار ولا وجود للقاح فعال ينقص من فعالية انتشاره حول العالم والمغرب خاصة، في حين أصبح العزل المنزلي ضرورة لا مفر منها، وفي ظل هذا الوضع المحتقن يمكن أن تنتج أثار جانبية نفسية_واجتماعية، وهذا ما ينعكس بالسلب على نظام الروابط الاجتماعية، بين التماسك والتباعد والذي يجعلنا أمام طرح تساؤلات في شأن الرابط الاجتماعي، نظرا لما أحدثته أزمة الفيروس، والذي جعلنا نعيد النظر في ذواتنا وما حولنا.
هل هناك رابط
اجتماعي يجمع بيننا ؟ ، ألم تفكر يوما في ماذا يجمع بين الناس ويفرق بينهم؟ ، وما
الذي جعل الانسان يستمر في وجوده ؟ ولماذا هناك مجتمعات؟ ، لماذا يستمر الافراد في
تواصلهم مع بعضهم البعض رغم اختلافاتهم الثقافية والعقائدية والعرقية ؟ ما الذي
يسهل حركة سير المجتمعات رغم وجود هذه الفروقات ؟ ما الذي يجعل العيش في أي مجتمع
ممكن ؟ ...............
هذه الاسئلة
كانت ولازالت تطرح إلى يومنا هذا وخصوصا
اليوم مع مخاطر الجائحة، ونجد لها وقعا في أراء ووجهات نظر فلسفية منذ عصر التنوير
الأروبي ، وبالخصوص عند بداية ظهور علم الاجتماع
الكلاسيكي، والذي سيكون ذلك العلم الذي سيهتم بالسيرورات الاجتماعية ، حيث يدرس
حقائق الوقائع والظواهر الاجتماعية دراسة علمية كباقي مختلف العلوم ،وسيهتم
بالرابط الاجتماعي كمفهوم أساس لمقاربة العلاقة بين الفرد والمجتمع، حيث هي علاقة
تلازمية و وطيدة تستدعي منا أدوات وتقنيات
منهجية علمية تستجيب للشروط الابستيمية الموضوعة للعلم، لتحليل طبيعة هذه العلاقة
والكشف عن الأسباب والعوامل والميكانزمات التي تتحكم في طبيعة السلوك
الاجتماعي والكشف عن الأليات التي تجمع
بين الفرد والمجتمع، في حين هناك علاقة معقدة لا يمكن تفكيكها بسهولة ، أي لا يمكن
الحديث عن المجتمع دون استحضار الفرد، ولا الفرد دون استحضار المجتمع، فما الرابط
الذي يجمع بينهما ؟، وما الذي يجعل العيش داخل المجتمع ممكنا ؟ وبالتالي فما "الرابط
الاجتماعي" ؟ وما المعنى الذي يأخده انطلاقا من الرؤى السوسيولوجية
؟ وخصوصا اليوم نعيش في أوضاع الحجر الصحي الذي يفرض التباعد وترك مساحة
الفراغ بين الافراد بأكبر قدر من المسافة الممكنة
وتفنيد التجمع والمكوث في المنازل بفعل جائحة كورونا، هل يمكن أن نتحدث عن
رابط اجتماعي ؟
مفهوم الرابط
الاجتماعي lien social /social link :
أ_المذلول
اللغوي لمفهوم الرابط :
- تعريف و معنى الرابط في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي
- رَبَطَ: (فعل)
- ربَطَ / ربَطَ على / ربَطَ لـ يَربُط ، رَبْطًا ، فهو رابط ، وهو مربوط، ورَبيط
- ربَطَ / ربَطَ على يَربِط ، رِباطةً ، فهو رابط ، والمفعول مربوط عليه
- ربَط بين طريقين ونحوِهما: وصَّل ووحَّد بينهما ربَط بين مدينتين/ القلوبَ/ الأفكارَ/ الأحداثَ،
- ربَط الدَّابَّةَ: شدَّها بالحَبْل ربَط أوراقًا/ ذراعًا،
- ربَط الرَّجلَ: سحَره فجعله غير قادر على جماع زوجته
- ربَط الضَّريبةَ على المموِّل: (الاقتصاد) حدَّد مقدارَها
- ربَط نفسَه عن الفجور ونحوه: منَعها عنه ربَط نفسَه عن الرذيلة
- اربط لسانك: امتنِعْ عن الكلام
- ربَط الشَّخصُ على الأمر: واظب عليه ربط الطالبُ على الدِّراسة؟
- ربَط لفلان: كمَن له، أي اختفى في مكان لا يُفْطن له؟
- ربط الله على قلبه: صبّره وقوّاه
- ربط الطريقَ: قطعه وسلب فيه المارّة
- ربَط جأشُه :اشتدّ قلبُه فلم يهرب عند الفزع
- ربَط على قلبه: قوّاه بالسّكينة والطمأنينة والصَّبر
- رَبَطَ عَلَيْهِ : تَأَخَّرَ عَنْهُ
- رَبَطَ الشيءَ رَبَطَ رَبْطًا: شَدَّهُ
بالتالي فالرابط في اللغة العربية له معاني
متعددة حسب سياقات مخلتفة ، فأحيانا يعني وحد و وصل أي مزج بين
شيئين اثنين وجعلهما يشتركان في الصفة والجودة كربط ورق الشجرة بجدعها، وتارة أخري يعني الشذ
وهو الربط بين عنصرين مختلفين وإلصاقهما ببعضهم البعض وجعلهم متماسكين كربط الدابة مع عمود، كذلك يعني المنع والقطع بحيث يمكن أن نربط الرجل ونجعله غير
قادرا على ممارسة فعل الجنس مع زوجته ، ويعني كذلك المواظبة والقوة والصبر
يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة أل
عمران الاية 200 "يا أيها اللذين آمنوا
اصبروا وصابروا ورابطوا واتقو الله لعلكم تفلحون".
وهنا تجدر بنا
أن نلاحظ ونشير بأن كلمة الرابط تأخذ معاني متضاربة ومختلفة عن بعضها البعض،
ذلك راجع لطبيعة اللغة العربية
وقواعدها ف "رابط" بكسر حرف
الراء يعني التقيد والمنع ..... و "رابط" بفتح حرف الراء يعني الوصل
والتوحيد والجمع أي الربط ، واليوم أصبح الخلط بينهما تقريبيا ، عند بعض الكتاب،
دون أن ننسى أن ل لفظة "الرابط" معاني مادية وأخرى معنوية ، الاولى تتجسد فيما
يمكن أن نراه بالعين المجردة أي ارتباط الاشياء المادية فيما بينها كربط عربة
الجرار به ، والثانية كارتباط الطفل بأمه وتعلقه بها .
التعريف اللغوي
الفرنسي للرابط « lien »
في معجم LINTERN@UTE
رابط هو
اسم مذكر
المعنى الاول :يعني
سلسلة أو سلك أو أي شيئ يجب أن يعلق في المنزل .
مثال : هل شددت
روابطه ؟ لم يكن عليك الهرب.
من مرادفاته : رباط الأحذية، المقود، السلسلة، اللجام، الحبل،
خيط..........
المعنى الثاني
: العلاقات بين الأفراد.
مثال : كانت له
علاقة خاصة مع أخته .
من مرادفاته
: المودة، التقارب، الارتباط، البنوة،
الابوة،.............
منه نلاحظ أن هناك أوجه الإلتقاء في المعنى بين
التعريف اللغة العربية والتعريف بالفرنسية لمعنى مصطلح الرابط,. وذلك في "
التقارب، الشذة ، الارتباط، الصلة والتوحيد....
ب_المذلول
الاصطلاحي ل الرابط الاجتماعي :
الرابط
الاجتماعي بين فردين أو مجموعة من الأفراد يعني العلاقة أو العلاقات البيشخصية
المباشرة الموجودة بينهم.
تقوم العلاقات
البينية على مختلف أشكال التفاعلات التي يمكن أن تجمع بين الأفراد، يمكن أن نصف
الروابط كذلك باعتبارها تفاعلا خاصا أو منتظما بين فردين .
يعتبر الطابع
الإلزامي للتبادل كما وصفه الأنثروبولوجيون أمثال مالينوفسكي ومارسيل موس واحدا من
أهم الأسس التي يقوم عليه الرابط الإجتماعي، ففي تحليل الشبكات مثلا نقوم أولا
بتحديد الرابط بين الأفراد المدروسين قبل دراسة شكل أو بنية هذه الروابط .
بدأ التمييز
بعد أعمال مارك كرانفوتر MARK GRANOVETTER بين روابط قوية " روابط واسعة" وبين روابط
ضعيفة "هشة كثيرا"، وتتميز هذه الأخيرة بوجودها بشكل كبير في سوق العمل،
في هذا الإطار يتحدث كرانفوتر عما يسميه "بقوة الروابط الضعيفة" (فريديريك لوبرون 2017، 135) .
أكون
أندريه وبيار أنصارت : (1922-2006) بصيغة الجمع قائلا بأن " الروابط الاجتماعية هي أشكال العلاقات التي
تربط الفرد بمجموعات اجتماعية وبالمجتمع، والتي تسمح له بالعملية التنشئوية
والاندماج داخل المجتمع، واكتساب عناصر هويته. فسوسيولوجيا الروابط الاجتماعية
بالتالي هي سوسيولوجيا أشكال التنشئة
الاجتماعية ، وأشكال الضبط الاجتماعي في الان ذاته، وضعف الروابط الاجتماعية تنجر
عنه في حالة اللامعيارية أو الانوميا (خواجة عبد
العزيز بن محمد 2018، 13)
والتعريف الذي
يظهر في الويكيبيديا ، أكثر دقة نسبيا إذ يرى أن الرابط الاجتماعي في علم الاجتماع
يعني "مجموع العلاقات التي تجمع الافراد الذين ينتمون إلى نفس
المجموعة الاجتماعية، والتي ترسي من خلالها قواعد اجتماعية بين الافراد والمجموعات
الاجتماعية المختلفة" (خواجة عبد
العزيز بن محمد 2018، 13) .
ومنه فإن الرابط الاجتماعي من خلال التعاريف المقدمة هو مجموع العلاقات
التي تخول للأفراد والمجموعات أن يكون
بينهم صلة وصل وربط ، والتي من شأنها أن تجعلهم يعيشون مع بعضهم البعض وتكون
الحياة الاجتماعية بينهم ممكنة.
الرابط الاجتماعي عند بعض علماء الاجتماع :
1_ فردناند
تونيز علم اجتماع ألماني FERDINAND TONNIES(1855_1936):
ينطلق في كتابه "الجماعة والمجتمع"
« COMMUNAUTè ET
SOCIèTè » (1887)،
من مقاربة سيكولوجية، إذ يرى أن الارادة " Volontè" تسمح للفرد بالإنتقال من حالة تجمع إنساني
معين الى حالة أخرى، وباختلاف نوع هذه الارادة التي يتبانها يختلف نوع التجمع
الناتج بعد ذلك. لذا يقسم الارادة إلى نوعين وكل نوع ينتج شكلا معين من التواجد
الإنساني:
1-الارادة
العضوية: Organique
وهي أساسية تتعلق بحرية التصرف، ميزتها التلقائية والاصالة تنتج حالة
"الجماعاتية" communautairأو شكل "الجماعة" communautè وهو التنظيم الذي يطبع الأفراد الدين يعيشون ضمن
المجموعة الاولية، ميزتهم التعلق الداخلي والعاطفة الشديدة نحو : العائلة التي
ينتمون لها (رابط الدم) من جهة، ونحو بلدتهم ومن يسكنها (رابط المكان) من جهة
أخرى، ونحو الممارسات التقليدية والدينية التي تمارس فيها (رابط الروح) من جهة
أخرى أيضا. ويقوم هذا الشكل على الاخلاق التي تعمل على تلاحم أجزائه وتوحيدها
والانسجام بينها، وهو رابط قوي ودائم، يتموقع خارج الافراد، فالشعور بالانتماء
يتجاوز الشعور بالاختلاف ، والمصلحة العامة تتجاوز المصلحة الخاصة،
ك"المجمتمع الاقطاعي" الذي ينتمي فيه الفرد من ميلاده إلى نظام محدد
وبشكل دائم، وهو كل "المجتمعات التقليدية"، كما يتميز هذا الشكل بالالفة
والثبات ووضوح الادوار مع عدم تصارعها (Daniel bigllon s.d.)
2_الارادة المفكرة: rèflèchie
تتعلق بالاختبار الذاتي، والقرار والحكم. وتنتج عنها حالة "المجتمعية"
أو شكل المجتمع، الذي يقوم على التفكير الانساني وبما أن التفكير مختلف بين
الافراد فهم يدخلون في تنافس فيما بينهم اقتصاديا واجتماعيا، بالرابط يقوم على
المصلحة الفردية، ويجعل من الرابط شكليا ومصطنعا. وما يطبع هذا الشكل زيادة
المؤسسات التجارية التي تفعل عملية البحث عن الربح الفردي. يقوم الرابط المجتمعي
على تجاوز المستوى الشخصي للعلاقات الفردية الخاصة ويستند على العقلانية والحساب، فكل
واحد يبحث عن إرضاء نفسه. فالافراد أجانب عن بعضهم ومنفصلون مما يزاد أكثر في
النزعة الفردانية التي تهيمن على العلاقات.
هكذا فالرابط
المجتمعي يتميز بالتعاقدية والعلاقات الغير الشخصية والنفعية بين الافراد،
والعقلانية وسيطرة المصلحة الفردية، والخاصة.
بذلك يعتقد
تونيز مبدئيا أن الرابط الاجتماعي القائم في النمط الجماعاتي ذو طابع إيجابي، في
حين يتصور أنه سلبي في النمط المجتمعي. (خواجة عبد
العزيز بن محمد 2018، 33-34-35)
2_الرابط الاجتماعي عند إميل دوركايم Emile
Durkheim
دوركايم له
منطق خاص به في تناول الرابط الذي ينبع من طرحه لسؤال حول تطور المجتمعات
وانتقالها من حالة لأخرى وكذا عن علة بقاء المجتمع المعاصر واستمرار علاقاته
الاجتماعية، بالرغم من التزايد المذهل للفردانية فيه. مما يدفعنا لنطرح سؤال رفقة
دوركايم ما الذي يجعل الأفراد يحافظون على الرابط الاجتماعي ويترابطون فيما بينهم؟
فتماسك
المجتمعات عنده يرتبط بالأخلاق، وكما يعرفها هذا الرائد أنها ” كل ما هو منبع
للتضامن، وكل ما يرغم الإنسان على تنظيم حركاته وفق شيء آخر عن اندفاعاته النابعة
من أنانيته “، فالرابط الاجتماعي عند دوركايم، أخلاقي أولا إلا أن أنماط الأخلاق
مختلفة من مجتمع لآخر، ويفرق هنا صاحب نظرية ” تقسيم العمل الاجتماعي ” المجتمعات
لنوعين، كل نوع له نمطه الخاص من التضامن، أي حالة معينة من الرابط الاجتماعي.
فالنوع الأول
هو المجتمعات التقليدية، يحكمه التضامن الآلي الذي يقوم على التشابه بين الأفراد
على مختلف المستويات الذهنية والنفسية والاجتماعية وحتى الجسدية مما يولد شعورا
مشتركا بينهم تحكمه رابطة العاطفة والتعلق بالآخرين، وهو ما يصطلح عليه الضمير
الجمعي، فتضامن الأفراد يقوم على تشابههم وعلى شدة هذا الضمير الجمعي الموحد لهم وكذا
قوة القيم والمعايير، وكذا العادات والتقاليد النابعة عنه مما يجعل القانون القمعي
يسود عند مخالفة هذه القواعد الاجتماعية، إذن فالرابط الاجتماعي يحكمه الضمير
الجمعي، والشعور الداخلي والعاطفي الذي يدفع للتعاون والتضامن مع الآخر.
أما النوع
الثاني هو المجتمع الحديث أو الصناعي، يحكمه التضامن العضوي والذي يقوم على اختلاف
أفراده وتخصص كل واحد منهم في عمل أو مهنة محددة، مما يدفعهم للدخول في علاقة
تكاملية ضرورية لا يمكن فيها للأفراد الاستغناء عن بعضهم البعض، كما تحكمهم رابطة
المصلحة والحاجة. فتضامن الأفراد ناتج عن ” تقسيم العمل الاجتماعي للعمل ” وهذا
تسيره المصلحة الفردية ضمن المصلحة الجماعية، وهنا سيادة القانون المدني المبني
على التعويض والتوجيه بدل القمع. فالرابط الاجتماعي يولده تقسيم العمل الاجتماعي
والحاجة الخارجية للآخر، كما أنه وفي ظل تزايد الفردانية يزداد الرابط الاجتماعي
قوة.
فإذا كان
الضمير الجمعي أخلاق وقيم للمجتمع التقليدي، فتقسيم العمل الاجتماعي أخلاق للمجتمع
الحديث، وأن التحول والتطور والانتقال من الحالة الأولى للحالة الثانية، وبالتالي
من الرابط ذي التضامن الآلي إلى الرابط ذي التضامن العضوي، هو نتيجة الزيادة
العمرانية والسكانية من جهة والكثافة المادية للمجتمع من جهة أخرى. إلا أن أزمة
الرابط الاجتماعي عند دوركايم لا تنتج من انتقال المجتمع من مرحلة لأخرى، بل تكمن
أزمته في حالة اللامعيارية المنتابة لمراحل من حياة المجتمعات (الأزمات)، أو تقوم
بالمس بجماعات أو مؤسسات معينة داخل المجتمع ( العائلة، المؤسسة الدينية،
المدرسة،…) إلا أن الرابط الاجتماعي موجود بأشكال تختلف ضمن تصور تطوري. فالأنوميا
باعتبارها خللا وظيفيا ناتجا عن تضامن عضوي ناقص، تظهر عندما يعجز المجتمع عن
توفير إطار مستقر ومنتظم ومنسجم لتقسيم العمل وتحديدا أدوار كل واحد داخل النظام
والمعايير المحددة لهذه الأدوار (خواجة عبد العزيز بن محمد 2018,
38-39-40)
3_تشارلز كولي :
في مقاربته
للرابط الاجتماعي ، حاول أن يضع العلاقة بين الفرد والمجتمع على حد السواء ، أي
أنهما وجهان لعملة واحدة، فكما يذكر أو يزعم أن المجتمع هو تلك المرآة التي يرى
فيه الفرد ذاته ، وذات الفرد لا تكون لها معنى إلا إذا أصبحت ذات اجتماعية، أي لا
وجود لذات فردية خارجة عن المجتمع ، ومن هنا يمكن أن يحدث ما يسمى بالرابط
الاجتماعي وانتقال الشعور الادراكي ب "الانا" الى الشعور
الادراكي ب "النحن"، لانه في أخر المطاف لا وجود للفرد خارج
المجتمع ، ولا وجود لمتجمع بدون أفراد، وبالتالي تخلق الهوية الاجتماعية بتعزيز
الروابط وتماهي الافراد فيما بينهم والاحساس بالإنتماء لوجود أفعال وقيم
وتقاليد... مشتركة. ولا تتأكد هوية الفرد إلا بتفاعله مع الجماعة عن طريق النظرة
التي يوجهونها إليه. وهذا ما يحضر عند رائد التفاعلية الرمزية جورج هربرت ميد
(1863-1931) في أعماله ، وهو ما سماه بثنائية الانا "me
" والذات "my"، وهذا الانتقال من الشعور بالانا الى الشعور بالنحن من خلال الأفراد الاخرين، بالتالي يمر
الفرد حسب تشارلز كولي بنوعين من الجماعات ، الاولية
والثانوية، الاولى تتجلى في الاسرة والاقارب، حيث تقوم هذه الجماعة على تربية الفرد
وجدانيا على حب الاخرين،، والتضامن والتأزر معهم ، وحفظ المصالح العامة، وهي تكون
مباشرة وتكون محدودة العدد من ناحية الافراد ، مما يجعل متانة الراوبط بينهم قوية.
أما الثانية أي الجماعة الثانوية، لا تكون فيها علاقات مباشرة ، وتتباين فيها
هويات الافراد، وتطغى المصلحة الذاتية على العامة .
إذا كان الرابط
الاجتماعي بهذا المعنى هل ستحدث جائحة كورنا زعزعة في هذا المفهوم ؟هل ستعززه وتقوي
متانته أم ستساهم في تفكيك ألياته و معانيه ؟
لمقاربة هذا الوضع
في مجتمعنا اليوم ، يجب علينا أن نحدد معنى الرابط الاجتماعي في المجتمع المغربي وما
الأبعاد التي يتخدها في ظل وجود جائحة كورونا؟.
فالرابط
الاجتماعي في المجتمع المغربي اليوم يرجع تعريفه وتحديده الى عدة عناصر تاريخية مرتبطة
فيما بيها ومتداخلة في بنياتها ، يصعب
الفصل بينها ك ( الثقافة، الدين، الاسرة....)، والرابط الاجتماعي هو مفهوم جديد
قيد الدراسة والتحليل السوسيولوجي، في حين أن ليس له تعريف موحد و جامع نظرا لتعدد
المواضيع الاجتماعية واختلافها، لكن من خلال قرائتنا لبعض النظريات السوسيولوجية
نجد أنها تشترك في محاولة إعطاء معنى للرابط الاجتماعي ،حيث هو مجموع العلاقات
الهادفة التي تجمع الافراد فيما بينهم بغية
تحقيق التضامن وتعزيز القيم الاجتماعية.
وهذه العلاقات يمكن أن نلمسها من خلال مجموعة من
المستويات والابعاد، حيث تتمظهر هذه الأبعاده
فيما هو سياسي واقتصادي وثقافي اجتماعي ، تزامنا اليوم مع هذا الفيروس الخطير
وسريع الانتشار يجسد مدى تقارب وتباعد الروابط ويبين طبيعة هذه العلاقات داخل هذه الابعاد والمعاني التي أصبحت تتخدها :
الرابط الثقافي والاجتماعي :
وهو رابط قوي
لا يبنى على أية مصلحة ذاتية، وهو يتشكل من خلال القيم والمعايير والثقافة والدين يمليها
علينا المجتمع، ولأنه تغلب فيه المصلحة العامة على الذاتية، نجد في
الاوضاع المحرجة نتيجة أزمة كورونا، هناك أشكال من التضامن والمساعدات الاجتماعية،
ذلك من خلال تجسيد روح التضامن بقيام
مجموعة من المؤسسات الاجتماعية والثقافية
والدينية ك "المؤسسات الجمعوية،
ومؤسسة التضامن، وكل فئات المجتمع المدني، وصندوق المال لخزينة الدولة...، بتقديم
مساعدات للأسر المحتاجة والمعوزة ، وتبرعات مالية مختلفة القدر ، وهنا تجسد قوة
الرابط الاجتماعي بين كافة أطراف المجتمع في مثل هذه الازمات. ظهور ثقافة المأزرة
والتشجيع على فعل المساعدة من هم أكثر تضررا. بالتالي تكمن قوة الصلة وشدة الرابط
، التي يستوجبها المجتمع بناءا على معايير تقافية ودينية وما صاحبهما من أفعال،
تبني قيم المعرفة التي شجعت على العمل الانساني، والدين الاسلامي الذي يدعوا إلى
التأخي ومساعدة المؤمنين لاخوانهم المؤمنين، وحل الكرب عن الناس ليحلها الله لهم
في الاخرة، كل هذه القيم غائية وهادفة تشد أواصر الرابط الاجتماعي وتعزيزه في مثل
هذه الازمة، التي تكشف الضعيف عن ضعفه والقوي عن قوته.
الرابط السياسي:
هو رابط تنظيمي وعلاقة قانونية
بين الدولة ومواطنيها، في حين يجعل الافراد فيها متساوون في الحقوق والواجبات، فالدولة المغربية بعد الاعلان عن حالة الطوارئ
،و فرض الحجر الصحي على مواطنيها ، وكذا الاستجابة والخضوع له دون ثريث ولا سابق الاعتراض عليه
على أنه انتهاك لحريتنا، وإنما لأنه أمر يستهدف حياة الجميع لما فيه من شذة
الخطورة وتهديد أمن وسلامه وصحة كافة أفراد المجتمع، والتزاما واستجابة لهذا الحجر يعزز الرابط
الايجابي بين الافراد مع بعضهم البعض ومع الدولة كجهاز سياسي يسهر على تنظيم
حياة هؤلاء الافراد، و وقع هذا الرابط
نجده يتجسد في سلوك الافراد، وهو كيف صارو
يتعاملون مع بعضهم البعض، ويصير الخوف على حياة كل فرد في حد ذاته هو خوف على حياة
الجميع ، لانه سلوك جماعي يلزم كل فرد فينا
الالتزام به، وتحمل المسؤولية في مثل هذه
الازمات، وصورة كل فرد هنا هي صورة الجماعة والمجتمع ، وهذا يتوافق مع طرح شارلز
كولي بخصوص الرابط الاجتماعي وهو انتقالنا من الشعور ب الانا الى الشعور ب
النحن.
الرابط الاقتصادي:
هو ذلك الرابط
القائم على مبدأ التبادل، لكن هذا الرابط تطغى فيه المصلحة الذاتية على المصلحة
العامة، وتكون مادية، ف كوفيد19 سيكشف عن حقيقة هاته المصلحة وتجلياتها ، دون ان ننسى
طبيعة الاقتصاد في المجتمع المغربي ، ذو طبيعة رأسمالية، والرأسمالية في المغرب
خالقة لتفاوت في المكانات الإجتماعية ، مما ينتج عنها ظاهرة التفييئ الاجتماعي،
فئتين اجتماعيتين، وكل فئة لها مرجعيتها الخاصة بها راجعة إلى طبيعة التنشئة
الاجتماعية وثأثير المحيط حسب المنظور
الدوركايمي ، فئة البرجوازية والعائلات الميسورة، وفئة الفقراء والعاملين ، مع هذا
الفيروس ستظهر الخلفية الفكرية ودرجة
الوعي لكل فئة اجتماعية، في حين أن الفئة الاولى تظهر تجليات المصلحة الخاصة عندها
وهو اقتنائها المفرط للمواد الغذائية والتنظيف، دون مبالاة ومراعاة حاجة الغير
إليها ، وهنا تكشف درجة وعي هؤلاء في
محاولة تسبيق المصالح الفردية على الجماعية بالتالي يكون الرابط هنا رابطا شكليا
أي مصطنعا على حد تعبير فردناند طونيز ، مما يظهر نزعتها الفردانية من خلال عبارة " كل يضرب على راسو" ،
في حين الفئة الثانية، أي الفقيرة والهشة بعد انقطاعها عن العمل، وتوقيف مكسب
القوت اليومي لديها ، أظهر حاجتها الماسة إلى أبسط وسيلة للعيش، ومد يدها للعون،
وهذا شرخ فارقي كبير بين الفئتين، وهنا يمكن أن نستشف بأن جائحة كورونا ساهمت بشكل
من الاشكال لا قطعا في تفكيك الرابط
الاجتماعي نظرا لأهميته وضرورته بالنسبة
لكل واحد فينا، لانه ظهر هناك تعاون وتضامن في اللحظة ذاتها.
وهنا نستحضر
قول الاستاذ والباحث المغربي في علم الاجتماع عبدالرحيم العطري ، وهو أن كورونا "هي
لحظة اختبارية تأسيسية تبني قيما وتنفي
أخرى ، تخرج من الناس ما هو أجمل فيهم، وما أحقر فيهم في الان نفسه". (العطري 2020)
خاتمة:
إن ما يمكن ان
نخرج به في الاخير هو أن المجتمع المغربي
هو مجتمع معقد ، في حين أصلحت هذه الجائحة ما ينبغي اصلاحة وإفساد ما ينبغي
إفساده وإعادة النظر فيما ينبغي أن ننظر إليه، كإعادة النظر في ذاتنا وطبيعة
مؤسساتنا بمختلف أنواعها، وكشف نقاط القوة والضعف في مجتمعنا ، والاستفادة من
أخطار هذه الازمة، هذا يفرض علينا أمرين، لنتجه نحو حضارة إنسانية، أو على عكسها .

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة