![]() |
| الجنس كمدخل لبناء الفوارق الاجتماعية بين الجنسين |
هذا الموضوع موجود في الصفحة 30
تقديم
يعتبر الجسد من بين المواضيع البارزة ، سواء في الثقافة العربية الإسلامية ، ليس من خلال القرآن والسنة فقط وإنما من خلال مجموعة من القراءات والتأويلات وكتب التراث ، أو باعتباره موضوعا أنثروبولوجيا وسوسيولوجيا ؛يتحدد وفقا للرمزيات التي يجسدها البناء الاجتماعي والثقافي لمختلف المجتمعات ، ووفق مجموعة من قوانین استعمالات الجسد ، من خلال نسق القيم الذي يقدم التنوع والتعارض المجتمعي ، في علاقة الفرد بجسده وبمجتمعه .هذه العلاقة قائمة على تداخلات لما هو اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي ، كما تحدد مجموعة من الفوارق الاجتماعية بين الجنسين ، الكاشفة لخصوصيات مركبة ومتفاعلة ، لمجموعة من الميكانيزمات الواعية وغير الواعية .
لذلك تظل الأسرة في النظام الإسلامي المؤسسة الأساس لمحاولة الضبط وتقسيم الأدوار الاجتماعية بين الجنسين على أساس ما هو طبيعي بيولوجي ، وكذلك المؤسسة التي تحتكر الجنس ، وفق ضوابط النظام الديني ، عبر آليات وقنوات تنشتوية تعمل فيما بينها لتعميق أسس هذا النظام وضمان استمراريته الرمزية والمادية ، القائمةعلى الهيمنة الذكورية والتي تقطع مع الممارسات الجنسية التي كانت سائدة قبل الإسلام .
إن حضور الجسد الأنثوي في الثقافة العربية الإسلامية ، ظل حبيس الفتنة والإغراء ، فعن أسامة بن زيد عن النبي قال : " ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء " ( البخاري ، 2002 ) ، ولصيقا كذلك بقدرته على الوظيفية الإنجابية ، التي شبهت في النص القرآني بالحرث كصورة رمزية تعبر عن الخصوبة " نساءكم حرث لكم " ( سورة البقرة الآية 223 ) ، والملاحظ لهذه النصوص يتبين له حينا شيطنة الجسد الأنثوي ، وحينا آخر كمفعول فيه ، وظيفته الأساس هي الإنجاب ، وكلها تمظهرات تجسد لنوع من العنف القائم على النوع الاجتماعي ، سواء من خلال المستوى النظري ، أو من خلال المستوى الممارساتي بشكل قوي في علاقة هذا الجسد بالآخرين ، باعتباره جسد يمثل هوية المسلمة واختلافها عن باقي الهويات وقد سعت العديد من الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية ، خصوصا منها التسوية ، إلى تفكيك علاقات التراتبية بين الرجال والنساء ، القائمة على هيمنة ذكورية تشرعن مراقبة الجسد الأنثوي ، وتحدد استعمالاته الحركية المجالية .
وقد تشكلت هذه العلاقات بناء على تاريخ طويل ، سعت الأنثروبولوجيا إلى تتبع تغيراته الاجتماعية والثقافية ، المرتبطة أساسا بتغيرات تقسيم العمل بين الجنسين ، القائم على علاقة العام بالخاص ، وبالقيمة الرمزية لكل منها ، ومن ثم يتبين لنا كيف يشتغل الجسد وفق الفوارق الاجتماعية بين الجنسين ، لضمان استمرارية الهيمنة وتعميقها نظريا وممارساتيا ، لذلك فتفكيك هذه التداخلات يجعل من الخطاب الأنثروبولوجي والسوسيولوجي ، يؤكد على إعادة مساءلة الفوارق الاجتماعية بين الرجال والنساء ، باعتبارها بناء اجتماعيا وثقافيا وليس بيولوجيا ، خصوصا وأن هذه الفوارق لا تتميز بالكونية ولا بالثبات .
والأكيد أن المقاربة التاريخية للجسد ، في تعدد استعمالاته الثقافية ، ضرورة علمية ، لن نجازف بها في هذه الورقة ، وسنقتصر على الإحاطة ببعض ملامح الثقافة العربية ، والتي نعتبرها محطات أساسية يسكنها حضور قوي للجسد ، كمدخل مهم في بناء نسيج اجتماعي إسلامي ، لعلاقات قائمة بالضرورة على المهيمن والمهيمن عليه ، الفاعل والمفعول به ، وقائمة في جانبها الممارساتي على تفسير بيولوجي طبيعي ، يضمن انسجامه وتناغمة مع القواعد التي تنظمه
ويخضع الجسد لمجموعة من التغيرات المستمرة ، بفضل التجاذبات الثقافية والقيمية الغير ثابتة خصوصا مع التطور المستمر للوسائل التكنولوجية الحديثة ، القائمة على فرديات ضمن مجتمعات شبكية ، توفر إمكانيات جديدة للجسد كتواجد غير مباشر ، يتحدد عبر تعدد الوسائط .
وتعتبر هذه الأبعاد الجديدة للجسد عوامل أساسية لبروز نماذج جديدة للتواصل والتفاعل ، ورسم هندسة اجتماعية للتواجد المشترك بين الرجال والنساء ، ضمن إطار علائقي لا ينفصل عن السياقات المجتمعية التي تبني للاختلافات الجسدية بين الجنسين . سياق سؤال البحث يشغل الجسد الأنثوي مكانة مركزية في بناء العلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء ، إذ على أساسه يتم تقسيم الأدوار ، كنوع من التدبير القائم على نعارض يضمن التكامل ، حفاظا على النظام الاجتماعي ، لذلك ليس بالغريب أن تكون الوصاية على الجسد الأنثوي ، تشكل لب التصور الفقهي حول المرأة في الثقافة العربية الإسلامية ، وفي علاقتها بالرجل ، بل وبالنظام الاجتماعي ، فيحظى جسدها باهتمام العمل الإسلامي ، وغزارة الكتابات حوله ، كموضوع للإغراء والرغبة والجمال ، مما يتطلب وضع حدوده المرئية واللامرئية ، ومراقبة استعمالاته لجعله خاضعا للإرادة الإلهية ، وتابعا للسلطة الذكورية ، تحت غطاءات متنوعة ، منها المقدس والمدنس ، ومنها ثنائية الحرام والحلال ، ومنها التقاليد .. وكلها آليات تشكل النظام الاجتماعي الذي يستهدف تطويع الجسد ، ومن ثم فإن الخطاب حول هذا الجسد يختلف من الرجال إلى النساء ...
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة