![]() |
| الجنس والعرق والوراثة |
التفاضل بين البشر أثر الجنس والعرق والوراثة pdf
"دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والفلسفة"
قبل الكلام عن العنصرية عند الشعوب لا بد من التمهيد لذلك ببيان معنى التفضيل ومجالاته، فالفضل في اللغة ضد النقص، والفضيلة هي الدرجة الرفيعة العالية، وأفضلَ عليه في الحسب أي زاد ، وفلان يتفضل على قومه أي يدعي الفضل عليهم والمفضول هو المغلوب .فالمعنى اللغوي يرجع إلى الزيادة وهي ضد النقص، فما يقابلها يدل على النقص ، لذلك تستعمل أفعال التفضيل للمقارنة بين شيئين أحدهما أعلى وأرفع من الآخر، وقد يكون التفضيل بين شيئين أو أكثر، ومجالات التفضيل كثيرة، فقد تكون بأمور مادية حسية أو معنوية، كأن يقال:
فلان أفضل من فلان من حيث المال أو المسكن أو الملبس، وقد يقال فلان أفضل من حيث النسب أو المنزلة أو العلم وغيرها، وليس المراد من هذا البحث الكلام عن الاختلافات الفطرية .
والجبلية التي وجدت مع الناس في أصل الخلقة فهو أمر مسلَّم به بين كل العقلاء من أهل الأديان وغيرهم.
فهناك تفاوت من حيث الجبلة بين الذكر والأنثى والأبيض والأسود والطويل والقصير، وهناك اختلافات في البيئة واللغة واللون والنسب والحسب، فليس هناك تنازع في إثبات ذلك وإقراره، وإنما المراد الكشف عن أثر هذه الاختلافات في إنسانية صاحبها وحقوقه وواجباته، وهل يمكن أن يكون للوراثة أثر تفضيلي لمجرد الوراثة، وما يقال عن الوراثة يقال أيضا على اللون واللغة والعِرق.
لا ينكر أن العصبية المقيتة والعنصرية البغيضة تجعل صاحبها أسيراً لكبريائه وتعاليه، ينظر إلى نفسه على أنه أرقى الكائنات وأعظم المخلوقات، دمه نقي ولونه بهي وعنصره ثمين، يفضل نفسه على سائر النفوس، ويرى الفضل على غيره دون مسوغات شرعية أو عقلية، ويتفاخر على من هو مثله ويتعالى ربما على من هو أسمى منه علماً وخُلقاً.
هكذا نظر اليهود إلى غيرهم عبر التاريخ ، والجاهليون إلى العبيد والأرقاء، والبراهمة إلى المنبوذين، والآريون إلى الشعوب السامية، والسيد إلى عبده والحاكم المستبد لرعيته، وقد أسست تلك النظرة على أسس دينية مستوحاة من أساطير وخرافات تتناقلها الشعوب وتسلِّم بها دون نقد أو تمحيص.
وقبل أن نناقش تلك الأفكار لا بد من عرض نماذج من تاريخ الشعوب وفلسفاتها، وهي لم تكن مجرد فلسفات نظرية بعيدة عن الواقع؛ بل ظهر أثرها العملي في مجتمعات كثيرة ينتسب إليها ملايين البشر ممن استهوتهم تلك الأفكار ووجدوا فيها ملاذاً آمناً يحفظ لهم كبرياءهم ويهيئ لهم جواً من القبول لفرض ثقافاتهم.
أصول العنصرية عند الشعوب:
أولاً: عند الفراعنة:
من أخطر الأفكار على عقول الناس تلك التي تؤسس على أسس دينية، وتصور الإله على أنه عنصري ومنحاز لبعض الأشخاص أو الجماعات، فقد كانت عند الفراعنة عقيدة روحية مشوبة بأن الإله يتمثل أو يتجسد أو يحل سره في بعض الكائنات الممتازة من إنسان أو حيوان أو جماد، فكانوا يعتقدون أن قوة التدبير في الملوك وقوة الإخصاب النباتي في النيل وقوة الإخصاب الحيواني في عجل أبيس مستمدة من السماء، وأن هذه الكائنات الخاصة أهل للتقديس والعبادة ، وغير ذلك من الاعتقادات التي تجعل سر التفضيل يسري في دماء أناس دون غيرهم.ثانياً: الهند:
ونجد تلك النظرة العنصرية عند الهنود القدماء ويعدها الهندوس جزءاً مقدساً من تراثهم الديني والحضاري، وقد اختلط النظام الديني عندهم، بمختلف الأنظمة من سياسي واجتماعي واقتصادي، ولكي يضمن أصحاب النفوذ الديني وأصحاب النفوذ السياسي نفوذهم أسسوا نظاماً طبقياً اجتماعياً يضمن لهم السيطرة، فكان ذلك سبباً في تبلور نظام الطبقات عند الهندوس، الذي وزع الهنود إلى أربع طبقات مغلقة، ينتمي الأبناء بذلك إلى طبقات آبائهم حكماً، وهي:- البراهمانا:
وهم المثقفون وتتألف هذه الطبقة من الكهنة والمعلمين الذين يعدون بصفة عامة حملة الثقافة، ومهمتهم هي الحفاظ على المعرفة والثقافة وإرضاء الآلهة والحفاظ على العدالة والأخلاق، وهي الطبقة التي خلقها براهما من وجهه ورأسه.
- الكشترايا:
وهم العسكريون والإداريون وقد خلقهم براهما من ذراعيه، هم حماة المجتمع والقائمون على أمنه وتنفيذ القواعد المختلفة التي تقتضيها الوظائف الاجتماعية الضرورية، وهي تتميز بالقوة والاستقامة والحذق وعدم الهرب في المعركة.
- الفيشايا:
وهم المنتجون في المجتمع وخلقوا من فخذي براهما، ومهمتهم الزراعة وتربية الماشية والتجارة وتأمين السلع الضرورية التي يتطلبها المجتمع، وتأمين الرخاء والاستقرار المعيشي، وتحاول هذه الطبقة رفع مستواها رويداً رويداً، وتعمل على تحرير نفسها من قيود الحياة ومشاغل الأيام، ولكنَّها تظلّ خادمة للأمة وللشعب، فهي المسؤولة عن الإنتاج والرخاء فيه.
- الشودرا:
وهم العمال والخدم الذين خلقوا من قدمي براهما، وعملهم ينحصر في الخدمة، وهذه أدنى طبقات المجتمع في هرم التوزيع الهندوسي، وهؤلاء أشبه ما يكونون بالعبيد، فواجبهم الخدمة والعمل وإنجاز كلّ ما يوكل لهم من الطبقات الأعلى .
وقد أوجد هذا التقسيم الطبقي انقساماً حاداً في المجتمع الهندي الذي يربطه الهندوس بأصل النشأة، وهذا يعني إقفال الطريق أمام الكفاءات والقدرات، ومن ثم فقدان العدالة، مما أدى إلى قيام العديد من المحاولات للتخلص من هذا النظام الطبقي الجائر، وكانت أبرز هذه المحاولات محاولة المهاتما غاندي، في أوائل القرن العشرين، ولكن المحاولة لم تحقق النتائج المرجوة، لأن التميز الطبقي متأصل في العقيدة، وفي المجتمع عند الهندوس.
عند اليونانيين:
شاعت بين اليونانيين أسطورة تتعلق بأصل الخلق وهو أن بعض الناس ولدوا من ذهب وبعضهم ولدوا من فضة وبعضهم ولدوا من نحاس، وهي أكذوبة أو أسطورة كان يرى أفلاطون أن من المصلحة أن يفرضها الحكام على الناس ليضمنوا خضوعهم، وقد ظهرت آثارها في فلسفته الأخلاقية وعدتْ من أعظم المآخذ على فلسفته؛ ذلك أنه كان يعلي من شأن الجنس الإغريقي أو اليوناني على بقية الأجناس والشعوب وكان يقول:
" إن الشعوب اليونانية تجمعها رابطة القرابة ووحدة الأصل، وتختلف عن البرابرة في الجنس والدم"ويترتب على ذلك أنه يرى أن نظام الرق ظاهرة طبيعية لا بد منها، وأن القوانين التي تسري على اليونانيين لا تسري على غيرهم، فكان ينصح اليونانيين أن يقيموا بين دولهم علاقات ودية فإن وقعت الحرب بينهم فلا يسحق الغالب عدوه المغلوب ولا يدمر أو يحرق أو يستعبد، أما إذا كانت الحرب بين اليوناني وغيره فله أن يسحق ويحرق ويدمر ويسترق، وهي أبشع ألوان العنصرية البغيضة التي سرت إلى تلميذه أرسطو من بعده، فوافقه على أن الرق نظام طبيعي وقال بأن من الناس من هم عبيد طبعا، وزعم أن اليونانيين هم الشعب المتحضر والمتفوق على الشعوب جميعها وأن ما عداهم برابرة وهمجيون، وأن اليوناني سيد حر والبربري أو الأجنبي عبد له، وهي نظرة عنصرية بغيضة تنافي المبادئ الخلقية الأولية ...
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة