![]() |
| ( انهيار المنظومة الأخلاقيــــــة ) |
أ.د. سمير عبد الرحمن الشميري( انهيار المنظومة الأخلاقيــــــة )
لعلني لا
أخطئ حين أقول ، إن القــيم الاجتماعية قناعات ورؤى ومعتقدات يؤمن بها
الناس ويطبقونها في غميس حياتهم اليومية وتصبح جزءً من هويتهم ومرتوقة في تصرفاتهم
ووجدانهم في الفضاء العمومي .
هناك رهــط من العلماء يؤكدون على تنوع
القــيم ومن جملتهم عالم النفس الألماني سبرانغر حيث بســط ستة أنواع من القيم :-
القيم الاجتماعية ، القيم الدينية ، القيم
الاقتصادية ، القيم السياسية ، القيم الجمالية ، القيم الفكرية .
وعطفا على ما ورد عاليه ، هناك من ركز عدسته
البحثية على الأخلاق الاقتصادية والمهنية مثلما فعل عالم الاجتماع الألماني ماكس
فيبر في دراسته " الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " .
انهيار المنظومة الأخلاقية في المجتمع على همزة وصل بالتغير
الاجتماعي العاصف وعلى صلة بانهيار الحضارات والدول والبنى الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية والروحية والعسكرية .
وأزمــــة القيم حسب تعبير المفكر محمد عابد
الجابري :
( كانت وما تزال من الأزمات التي تبقى كامنة
لمدة في نسيج الحياة الاجتماعية المتموجة ، لتنفجر بعد حين إما في شكل
"خروج" عن النظام القائم المادي والروحي ، أو هما معاً ، وإما على شكل
أزمــة " نفسية " تضرب الكيان الفكري والروحي للشخص ) .
عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم يؤكد أنه يتم
فقدان المعايير في المجتمعات المضطربة والمتغيرة وتتحلل الضوابط الاجتماعية مما
يشكل طاقة خطر على السلم الاجتماعي ، حيث يصاب الإنسان بالتذمر والمضض الروحي والقنوط
والامتعاض واللامبالاة وفقدان الأمل في
مسيرة حياته .
يشير علماء الاجتماع أن وظائف القيم
الاجتماعية متنوعة وأبرزها :
بناء الشخصية وتهذيب الذات ، ضبـط حركة
المجتمع ، تنظيم سلوك الناس ، تمتين أُسـس البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية
، تحقيق التكامل والتفاعل الاجتماعي ، مساعدة أفراد المجتمع على الانضباط
الاجتماعي و حل المشكلات و المعضلات واتخاذ المواقف الصائبة .
فالتغير الصارخ في منظومة القيم الاجتماعية
متساوق مع التغير الاجتماعي الجارف الذي هــدم مؤسسات الدولة والبناء الاجتماعي
وعلى صلة بانقلاب الحياة عاليها بسافلها حيث صار الناس يمشون بلا هــدى وبلا
أمــــن فيزيقي ولا أمن اجتماعي ولا أمن معيشي ولا أمن روحي .
لقد أصبحت حياة الناس كومة عفنة من المكر
ولؤم الطباع ومدبوغة بالحرب والفساد والكذب والفوضى والفاقة والجــور والوشايات
والتفلت والنهب والتوتر والبلوى ، وانكسار ميزان التوازن الاجتماعي الذي يصب في
خانة الشــر والاحتراب والارهاب والدم المسفوح والصعود الفوضوي للتعصب والتشــدد
والكره والتسافل وتعزز منهج القــهر الاجتماعي والظلم والتشرر ، ولقد صــدق عالم
الاجتماع العربي عبد الرحمن بن خلدون حين قال :
( الشعوب المقهورة تسؤ أخلاقها ) .
ومن أبرز تجليات انهيار القيم الاجتماعية هو
السقوط المدوي لمؤسسات الدولة والفراغات المرعبة وانتقال الناس من الحالة الاجتماعية
إلى الحالة الغرائزية التي أشار إليها المفكر الإنجليزي توماس هوبز حيث تسود حالة
( حرب الكل ضــد الكل ) ، ويتم تقديم الغرائز على العقل والمنطق .
وترافق مع هذا المشهد التراجيدي تغيرات
سوسيولوجية عميقة وصراعات القبائل والعشائر والجماعات والأعراق والطوائف والمذاهب
، وانهيار دور الأسرة والمدرسة والمسجد والبيئة الاجتماعية والمؤسسات الثقافية
والإعلامية وتقهقر الضبط الاجتماعي وغياب النموذج التربوي حيث ثم تحويل رجالات
العلم والثقافة والتربية و الإعلام إلى
فقراء وشحاتين ومستضعفين وتم تقزيمهم وتحقير أدوارهم العلمية والثقافية والتربوية وذهب بعض أهل الجهل وشراذم من الغوغائيين
إلى وصفهم بأحط صفات الوضاعة ، وفي الضفة
الأخرى تم الإعلاء من شأن الســُراق و الفاسدين وشاذي الآفاق وجعلهم أنموذجاً
يحـــتذى به في المشهد العمومي .
( الطغاة عبر التاريخ ضــد تعليم الشعوب مهما أدعوا ،فالتعليم يعني الوعي ، والوعي يدفع بالمواطن للمطالبة بالحقوق ومحاسبة الحكام ) " علي شريعتي" .
وفي نفس الأفق ، تم تسفيه الهوية وإفساد
الذاكرة الوطنية والتاريخية ، وتشويه اللغة والثقافة والدين والتشكيك بهوية الشعب
وبحضارته ورموزه التاريخية .
ومن استراتيجيات التحكم في الشعوب – كما يقول – نعوم تشومسكي – ( تشجيع الرداءة ، تشجيع الشعب أن يكون غبياً وهمجياً وجاهلاً ) .
لقد تم تحطيم القيم الإنسانية والتي تعتبر ( السور الأخير ضــد التوحش والبربرية ) – حسب تعبير إدوارد سعيد .
وتواكبت الانهيارات القيمية والأخلاقية بالأزمات
المفتعلة التي يتجرع علقمها المواطن :
أزمة الماء ، أزمة الكهرباء ، أزمة الرواتب ،
أزمة الخدمات ، أزمة الغاز المنزلي ، ازمة البترول ، أزمة الديزل ، فضلاً عن
الانهيارات الشاملة في نسيج الحياة الاجتماعية والحصار النفسي والوجودي واستشراء الفساد ، فالفساد ( أسوأ من الدعارة ،
فالدعارة قد تفسد أخلاق فرد ، لكن الفساد يفسد أخلاق الدولة بأكملها ) "كارل
كراوس ".
جملة يمكن القول أن ثمــة أســباب بألوان
طيفية أدت إلى انهيار القيم الاجتماعية وأبرزها :
1- انهيار مؤسسات الدولة ومؤسسات الضبط
الرسمية وغير الرسمية والضمير .
2- الحرب العبثية التي انهكت المجتمع ودمرت
أسس الحياة وأكلت البشر واهدرت ثروة المجتمع .
3- عُســر الحياة الاقتصادية الذي أفضى إلى
انهيار أخلاقي وفساد وتربح غير مشروع .
4- الفساد والفوضى والجهل وضعف الوازع الديني
وتوسع مساحة الجشع والأنانية المفرطة .
5- تفكك البناء الاجتماعي والأسري
والانهيارات الشاملة .
6- انهيار مؤسسات التنشئة الاجتماعية .
7- تحطيم مؤسسات التربية والإعلام والثقافة .
8- اختلال التوازن الاجتماعي المصحوب بثقافة
سطحية .
9- تقهقر الضمير الجمعي والتضامن الاجتماعي
واستشراء السلوك الهابط المقرون بالأنانية والجشع والتوحش والانعزال .
10- اضطرابات التكيف والعقد النفسية وفقدان
الأمن العاطفي .
11- غيبوبة الوعــي وسياسة تجهيل الشعب
واحتقار الرأسمال البشري والوجوه الثقافية والعلمية والتربوية .
12- تراجع أدوار الأحزاب ومنظمات المجتمع
المدني .
13- طغيان سلطة التجبر وتقوي مداميك العصبيات
.
14- التغير الاجتماعي والحياتي السريع
والعاصف .
15- الاحترابات و الصراعات على المستوى
المحلي والإقليمي والدولي .
-
سُــــبل المعالجات :
نستطيع القول في غير تردد ، أن ثمة خطوات
لابد من اتخاذها لمعالجة الانهيار الأخلاقي ومجانبة المذمومات والمنكرات الفاشية
وعلى رأسها :
1- إيقاف الحــرب .
2-
بناء دولة الحق والقانون والمواطنة المتساوية .
3- تحسين الحياة المعيشية لأفراد الشعب .
4- ضرب أوكار الفساد والفوضى وتقوية مداميك
النظام والقانون .
5- إعادة بناء مؤسسات التنشئة الاجتماعية
ومؤسسات الثقافة والاعلام .
6- القضاء على الأزمات المفتعلة في إيقاع
الحياة اليومية .
7- تقوية سلطان القضاء ومؤسسات الضبط
الاجتماعي .
8- ترقية الوعــى والثقافة وإعادة الاعتبار
للأسرة والمدرسة والمعلم والرأسمال البشري والتضامن الاجتماعي .
9- تفعيل أدوار الأحزاب ومنظمات المجتمع
المــدني .
10- محاربة التعصب ونشر ثقافة الحرية
والديمقراطية والمحبة والتسامح والسلام .
11- معالجة اضطرابات التكيف والعقد النفسية
وفقدان الأمن العاطفي .
12- التوجه صوب تنمية شاملة ومخططة مرفوقة بنور العقل والتحديث المجتمعي .♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة