📁 آخر الأخبار

تونس وحكومة التكنوقراط

تونس و حكومة التكنوقراط
تونس و حكومة التكنوقراط 

تونس و حكومة التكنوقراط 

  • جعفر حسين، باحث تونسي في علم الاجتماع
سنتعرض في هذه المقالة على حديث الساعة في تونس و هو تشكيل الحكومة، حيث لم يكن من الغريب حرص رئيس الحكومة التونسي المكلف أن تكون حكومته حكومة تكنوقراط و كفاءات
و مستقلة عن الأحزاب فماذا نعني بذلك؟ ما هي مختلف الالتبسات التي تحف بها؟

التكنوقراطية هي حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة، وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين و المعماريين و الاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذه الظواهر و إلى أن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة ويجب أن تخضع إدارة الشؤون الاقتصادية للعلماء و المهندسين, وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجيا.

و التكنوقراط  هم النخب المثقفة الأكثر علما و تخصصا في مجال المهام المنوطة بهم, وهم غالبا غير منتمين للأحزاب. و التكنوقراط  كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: التكنولوجيا: و تعني المعرفة أو العلم، و قراط وهي كلمة اغريقية معناها الحكم, وبذلك يكون معنى تكنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة.

أما الحكومة التكنوقراطية: هي الحكومة المتخصصة غير الحزبية التي تتجنب الانحياز لموقف أي حزب كان وتستخدم مثل هذه الحكومة في حالة الخلافات السياسية. مثال:دكتور متخصص في العلوم السياسية يسند له منصب رئاسة الحكومة، طبيب معروف وخبير في الطب ينال وزارة الصحة، و دكتور متخصص في الاقتصاد وزارة الاقتصاد، و آخر متخصص في التكنولوجيا وزارة الاتصالات وهكذا...
بناء على هذه التعاريف المترابطة و الجامع في بينها هو تخصص عميق لهذه الفئة كل حسب مجالها و لكنها غير منتمية للأحزاب و هنا لا بد أن نشير أن عدم الانتماء السياسي لا يعني أن المتخصص في ميدانه معزول عن بيئته و ثقافته و خلفيته العلمية فالعلم في حد ذاته له خلفية فكرية و نظرية و تمشي منهجي معين  فالتكنوقراط قد لا يكون منتمي حزبيا و سياسيا أي أنه حامل لبطاقة إنخراط أو ناشط في حزب سياسي معين بالضرورة لكنه له ميولات و اتجاهات و مواقف و آراء و هو في النهاية إنسان يتأثر و يؤثر في محيطه و واقعه الضيق و الواسع.

أما الالتباس الثاني و هو ما يشترطه رئيس الحكومة التونسي المكلف و هو مساندة الأحزاب السياسية لهذه الحكومة فهنا تبرز قمة المفارقة فكيف لفئة غير منتمية حزبيا أن تساندها أحزاب بمعنى أن هناك أحزاب لها علاقة قريبة أو بعيدة بهذه الفئة لتساندها و هنا يسقط حيادية و استقلالية هذه النخبة عن الأحزاب إضافة إلى أن العديد من الوجوه الأكاديمية و الثقافية كانت في أحزاب ثم بين عشية و ضحاها استقالوا أو ابتعدوا لفترة ما عن الأضواء و الأحزاب فأصبحوا بقدرة قادر يسمون "تكنوقراط و كفاءات مستقلة".

و هنا تعود بنا الذاكرة إلى الحكومة الأولى بعد الانتخابات حيث لم تحظى بمصادقة البرلمان و ما رافق ذلك من تندر و استهزاء و سخرية فكيف تناقض نفس الأحزاب ذاتها و تصادق و تزكي هذه الحكومة إذا صادقت عليها طبعا و يبرز من خلالها أن الأحزاب السياسية في تونس غير منسجمة مع ذاتها فكيف يكون الأمر مع الوطن و البلاد و الدولة و كيفية تسيير دواليبها؟

أما الالتباس الثالث هو كيفية تعاملها مع الملفات الكبرى الاقتصادية و الاجتماعية العالقة فهنا لا بد أن نشير أن من يراهن على الهدنة الاجتماعية مع هذه الحكومة فهو مبالغ في التفاؤل فحتى إن وجدت هذه الحكومة ما يسمى"دعما و مساندة" من المنظمات الوطنية التونسية لأن الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية العديدة و الصعبة تنتظر حلولا عاجلة خاصة و أن العديد من الفئات الهشة تنتظر التدخل لتحسين أوضاعها الاجتماعية.

أما الالتباس الرابع بالنسبة لحكومة تكنوقراط هو مدى تعاملها مع الاتفاقيات الخارجية لتونس حيث كما يعرف الجميع البلاد التونسية لها اتقافيات مالية مع بنوك و جهات أجنبية كيف ستتعامل حكومة التكنوقراط و الكفاءات مع ذلك هل الجهات المانحة لها ثقة في هذا المكون الجديد هل ستزيد هذه الجهات الأجنبية الضغط على البلاد التونسية لمزيد تأزيم الاقتصاد الذي يعرف صعوبات كبيرة في توازناته المالية.

إن أية حكومة تونسية تتشكل في تونس أمامها أربعة معضلات كبرى هي التجاذبات السياسية الكبرى الموجودة و هي تجاذبات ذاتية و شخصية و مصلحية و ليست لها علاقة بالبرامج
و مشاريع، أما المعضلة الثانية فهي ضبابية المشهد العام في تونس و غياب المواقف و الخطوط الكبرى لجملة المسائل الوطنية و الاجتماعية و الاقتصادية و الخارجية، أما  المعضلة الثالثة فضرورة تحديد صيغ لعلاقة الحكومات و الدولة  بالمنظمات الوطنية حيث تتدخل هذه المنظمات في العديد من المسائل مثل التعيينات في المؤسسات و الخطط الوظيفية و هو أمر لا يمكن إنكاره في الواقع التونسي و البارز في تونس استقواء قطاعات مهنية و اقتصادية معينة على الدولة و مؤسساتها مما يضع تحت ما يسمى"دولة القانون و المؤسسات" أسئلة عديدة.

أما المعضلة الرابعة التعامل مع الجهات الخارجية اقتصاديا و ماليا هل على أساس الندية و قوة اقتراح أم على أساس التبعية و الخضوع.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات