📁 آخر الأخبار

مكانة التربية ضمن السوسيولوجيا عند دوركايم pdf



مكانة التربية في المشروع السوسيولوجي عند إميل دوركايم: مقاربة إبستيمولوجية


في إشكالية الانتقال من الفلسفة إلى العلمتعد التربية إحدى البنى الارتكازية التي تضمن ديمومة الأنساق الاجتماعية وتطورها. وبحكم طبيعتها المركبة، تتداخل التربية مع حقول معرفية شتى، مما جعلها موضوعاً خصباً للتجاذب بين التنظير الفلسفي الميتافيزيقي والممارسة الميدانية. بيد أن التحول الجذري في دراسة هذا الحقل لم يتحقق إلا مع ظهور علم الاجتماع التربوي، الذي سعى لتفكيك العلاقة العضوية بين المنظومة التربوية والبناء الاجتماعي الشامل.

تتبدى الإشكالية المركزية في الفكر المعاصر حول طبيعة "المعرفة التربوية"؛ فبينما غرق الفكر التقليدي في أسئلة "ما ينبغي أن يكون" (المنزع المعياري)، جاء إميل دوركايم ليحدث قطيعة إبستيمولوجية نقلت التربية من التأمل الفلسفي الفردي إلى التحليل السوسيولوجي الموضوعي، معتبراً إياها "واقعة اجتماعية" بامتياز.

تساؤلات الدراسة:

كيف تتحدد ماهية التربية والسوسيولوجيا في المتن الدوركايمي؟


ما هي المكانة الإبستيمولوجية التي تحتلها الظاهرة التربوية ضمن النسق السوسيولوجي عند دوركايم؟

المبحث الأول: الجهاز المفاهيمي والمنطلقات النظرية

لا يستقيم البحث في مكانة التربية دون ضبط التحديدات المفاهيمية التي تشكل الهيكل النظري للدراسة، خاصة وأن دوركايم اشترط "تحديد الظواهر" كخطوة أولى في المنهج العلمي.

أولاً: مفهوم السوسيولوجيا (العلم السوسيولوجي): يُعرف دوركايم علم الاجتماع بأنه العلم المختص بدراسة "الوقائع الاجتماعية" كأشياء (Des choses). وتتميز هذه الوقائع بكونها خارجية عن وعي الأفراد، وممارسة لنوع من القهر الاجتماعي عليهم.

ثانياً: التحديد الاصطلاحي للتربية: تعددت المقاربات في تعريف التربية تتبعاً للمرجعيات الفكرية:

المقاربة الفلسفية الكلاسيكية: نظرت للتربية كفن يهدف لبلورة الشخصية الإنسانية والوصول بها إلى "الكمال" المطلق، وهو تصور نقده دوركايم لكونه تجريدياً يتعالى على الشروط التاريخية.


المقاربة السوسيولوجية (دوركايم): يرى دوركايم أن التربية هي "الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم تنضج بعد للحياة الاجتماعية". والهدف منها هو تكوين "الكائن الاجتماعي" (L'être social) داخل كل فرد.
المبحث الثاني: التأسيس الإبستيمولوجي لمكانة التربية عند دوركايم

في هذا المحور، نستعرض الكيفية التي أدمج بها دوركايم التربية في صلب التحليل السوسيولوجي، محولاً إياها من تابع للفلسفة إلى موضوع علمي مستقل.

1. نقد النزعة الفردية والمثالية: يرفض دوركايم المنطلقات التي ترى التربية وسيلة لتحقيق غايات فردية محض. فبالنسبة له، ليس هناك "إنسان كوني" ثابت، بل هناك "إنسان اجتماعي" يتشكل وفقاً لمتطلبات المجتمع في لحظة تاريخية معينة. ومن هنا، تصبح التربية أداة المجتمع لإعادة إنتاج ذاته.

2. التربية كآلية للإدماج والتماسك الاجتماعي: تحتل التربية مكانة مركزية في فكر دوركايم لأنها الأداة الوحيدة القادرة على تحقيق التجانس الاجتماعي. فهي التي تغرس في الفرد "الضمير الجمعي" والقيم المشتركة التي بدونها ينهار المجتمع.

3. الوظيفة التخصصية (تقسيم العمل): إلى جانب دورها في التوحيد، تساهم التربية في "التنويع" الضروري للمجتمعات الحديثة؛ فهي التي تُعد الأفراد للأدوار المتخصصة التي يفرضها تقسيم العمل الاجتماعي، مما يجعلها ضابطاً للتوازن بين الوحدة والتنوع.
خاتمة: تركيب ونقد

خلصت هذه الدراسة إلى أن إميل دوركايم لم يسهم فقط في تعريف التربية سوسيولوجياً، بل جعل منها الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي. لقد استطاع دوركايم علمنة الأخلاق التربوية ونزع الصبغة الغيبية عنها، مرسخاً مبدأ أن "المجتمع هو مصدر السلطة الأخلاقية".

ومع ذلك، وكما يقتضي المنهج الإبستيمولوجي، فإن معرفة الحقيقة تمر عبر تصحيح الأخطاء (بتعبير غاستون باشلار). لذا، فإن القراءات المعاصرة لم تغفل نقد "النزعة الوظيفية المحافظة" عند دوركايم، والتي قد تُغيّب قدرة الفرد على التحرر والإبداع لصالح الامتثال الكلي. إن الوقوف على تاريخ الفكر الإبستيمولوجي لدوركايم هو في واقع الأمر فهم لآليات تشكل الوعي الاجتماعي الحديث.

مكانة التربية ضمن السوسيولوجيا عند دوركايم pdf

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين .
 شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات