📁 آخر الأخبار

ازدواجية المواقف والخطابات وجه لتفاهة السياسة

ازدواجية المواقف والخطابات وجه لتفاهة السياسة
ازدواجية المواقف والخطابات وجه لتفاهة السياسة 

ازدواجية المواقف والخطابات وجه لتفاهة السياسة 

الجزء الأول
احمد بلا، باحث في العلوم السياسية
  
    ان اللامعنى الذي بلغته السياسة كلما يتضح المأزق الذي تدفع اليه الأسئلة الخاصة بالسياسة – سؤال معنى السياسة مثل الحذر تجاه السياسة هي مسائل قديمة جدا، مثل قدم تقليد الفلسفة السياسية، إنها تعود الى افلاطون ويمكن ايضا الى بارمنيدس، وهي نتيجة تجارب حقيقية انجزها الفلاسفة عن البولس Polis بمعنى شكل من تنظيم الحياة المشتركة للبشر انها ميثالية ومعيارية الى حد يجعلها تحدد ايضا ما نفهمه اليوم من السياسة  (السياسة التي ندركها) هي ضرورة قهرية للحياة الانسانية سواء تعلق الامر بالوجود الفردي او الاجتماعي هذا ما تبرز الفيلسوفة الألمانية – الامريكية في كتابها "ما السياسة"؟  ان هذا المدخل الفلسفي يحدد لنا مفهوم ومكانة السياسة في الفلسفة المعاصرة وابراز موقع السياسة ومكانتها داخل التفكير الفلسفي.
ان الأنساق الحزبية جزء هام اليوم في السياسة؛ كما انها في المقام الاول تعبير عن التباينات الاجتماعية ولكونها عوامل للاندماج والصراع وكونها تغتني من النقاشات القائمة بالمجتمع والحياة السياسية.

   يشكل العمل السياسي – بما ينطوي اليه من سلطة ومال وجماهير- المساحة الخصبة لازدهار نظام التفاهة وتمثل الديمقراطية بما تنطوي عليه من مراكمة لكل هذه العناصر بالضرورة المجال الاخطر لذلك.
      لقد لاحظ المؤرخ الهولندي يوهان هوبزنجا أن الثقافة الجماهيرية سمت الصبيانية puerlity  فعلا من حيت لها ذات السمات العقلية لمرحلة المراهقة؛ كالعاطفة  القوية والتسلية المبدلة والميل للأحداث المثيرة والشعارات المؤثرة الاستعراضات الشعبية والانفعالات العاطفية وغيرها من المبالغات، ولعل الديماغوجية بما تستتبعه من تحفيز العواطف الجمعية تم تعبئتها مثالا جيد على ذلك.

   ان الخطر الحقيقي الذي تواجهه السياسة في نظر الان دونو (كتاب التفاهة) يتجلى في الديمقراطية عبر طغيان الأغلبية إلا أن هناك خطرا آخر مضاد يتمثل في سيطرة الأقلية أو ما يعرف بالقانون الحديدي للأوليغارشية.

ان الرهان الأول للسلطة والمؤسسات لا يقف عند الرغبة في التحكم في الأجساد وضبطها، وإنما التحكم في الارواح والعقول وترويضها لهذا فأن تكون محكوما كما يقول فوكو وقبله برودون يعني ان تظل مراقبا، مفتشا، متابعا، مسيرا، مقننا معقدا، موزونا، متحكم فيك من طرف أشخاص لا يملكون لا الكفاءة ولا العلم ولا الفضيلة اللازمة لفعل ذلك، وهنا يمكن ان نتحدث عن "النخب السياسية" وبأية معايير تصير نخبا اصلا؟ وهل هي نخب أم نخبة؟

   يشير مانويل كاستلز في مؤلفه سلطة الاتصال ؛ الى أن الناس يميلون لتصديق ما يريدون تصديقه، فهم ينقحون المعلومات لتوافق الاحكام الجاهزة سلفا، وهم يرفضون قبول الحقائق التي تناقض معتقداتهم بشكل أكبر بكثيرمن تلك التي توافق قناعاتهم.
في حوار مع البروفسور لانس بينيت تلفزة" الخطب الجلل هكذا تجعل الأخبار مكاناً أسوأ" أجره معه "جيانكارلو بيزيتي"، يعتقد أن النزعة السائدة لدى غالبية الصحفيين التلفزيونيين هي التركيز على الأحداث الدرامية والمخيفة وكذلك أخبار الإثارة والأزمات لأن هذه كلها هي أكثر الصور التي يراها الناس إثارة للدهشة، لكن يبقى السؤال بالطبع إذا ما كان هذا سيؤدي بعامة الناس إلى الشعور بأن العالم خارج عن نطاق السيطرة وبأنه ليس لدينا الكثير من الأمل في إعادة النظام في الحالات التي تسود فيها الفوضى. يرى أن هناك أدلة تشير إلى أن هذه كلها من آثار التلفاز وبالنتيجة ففي الكثير من الأحيان لا تجد عند الناس فهماً عميقاً للقضايا التي يشاهدونها على التلفاز بل وفي الكثير من الأحيان يأتي فهمهم للقضايا من الحكومات نفسها وخاصة حكومتهم الوطنية. 

أن الصحافة مهنة تحركها الأزمات وتركز على صور في غاية الشخصية والإثارة
 تذهب الفيلسوفة الالمانية-الامريكية حنة ارندت  Hannah Arendet في مؤلفها الصادر سنة 1968 (Between Past and Future) انه علينا الآن أن نوجه انتباهنا إل ظاهرة حديثة بعض الشيء وهي التلاعب بالجماهيري وبالوقائع والآراء وهي ظاهرة قد تجلت بوضوح ف عملية إعادة كتابة التاريخ وصنع الصور العامة وحتى سياسة حكومات بعض الدول. 

لقد كانت الكذبة السياسية التقليدية والتي لطالما برزت في تاريخ المعاملات الدبلوماسية، وحرفة إدارة الدولة تتعلق، إما بأسرار حقيقية ـ أي بيانات لا ينبغي أن تتداولها الجماهير أبداً، أو النوايا وهي على جميع الأحوال لا تحمل طابع الموثوقية الذي تحمله الحقائق الواقعية، إذ إن النوايا وكما هو الحال في جميع الأشياء التي تظل فقط في بواطننا ليست إلا ّ مجرد إمكانيات موجودة بالقوة، ولهذا لربما ينتهي الأمر بما كان يفترض أن يكون كذبة أن يتحول إلى حقيقة واقعة. 

   بالمقابل نجد الأكاذيب السياسية المعاصرة تتعامل بفعالية أكبر مع أشياء ليست أسراراً ّ بأي حال من الأحوال بل مع أمور معلومة من قبل الجميع! إن هذا واضح فعملية إعادة كتابة التاريخ المعاصر تحت أعين الأشخاص الذين رأوه وشهدوه، كما أنّه واضح فصنع الصور العامة في جميع أنواعه والذي يمكن فيه إنكار أي حقيقة معلومة وموثوق من صحتها أو على الأقل إهمالها إذا ما كانت ستضل بالصورة العامة المزمع بناؤها، فالصورة مثل أي تمثال نصفي تقليدي: ليس المقصود بها كيل المديح للحقيقة بل تقديم بديل عنها بكل معنى الكلمة وخاصة وأن الأساليب الحديثة ووسائل الإعلام الجماهيرية تظل في أعين الجمهور بشكل أكبر بكثير من صورة الواقع الأصلية.

   تقول حنة ارندت "إذا كانت الأكاذيب السياسية الحديثة عظيمة لدرجة أنّها تتطلب إعادة ترتيب كامل نسيج الواقع ـ أي صنع حقيقة بديلة أخرى يمكن لهذه الأكاذيب أن «تركب» فيها دون «تشقق» أو «كسر» وبالضبط كما تتركب الحقائق الواقعية مع السياق الحقيقي الذي وقعت فيه ـ فما الذي يمنع هذه القصص والصور الجديدة مع الأكاذيب المتعلقة بها أن تصبح بديلاً كاملاً عن الحقيقة ووقائع الأحداث كما حصلت بالفعل؟


♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات