📁 آخر الأخبار

في تصحيح بعض التمثلات و السلوكيات الفردية و الجماعية داخل المجتمع التونسي

المجتمع التونسي

في تصحيح بعض التمثلات و السلوكيات الفردية و الجماعية داخل المجتمع التونسي

جعفر حسين، باحث تونسي في علم الاجتماع

تستعرض هذه المقالة بعض التمثلات و السلوكيات الفردية و الجماعية داخل المجتمع التونسي و التي من المفروض تصحيحها لأنها فيها خطورة على الاستقرار المجتمعي التي تنشده كل الشرائح الاجتماعية و خاصة في سياق الوضع الصحي التي تشهده البلاد و العالم ككل. 

في البداية علينا تعريف التمثل أو التصور فقد احتلت التمثلات مكانة هامة في عدد من العلوم الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي والتاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع. 

ففي الفلسفة طرحت التمثلات شكلا رمزيا يهدف إلى استعادة موضوع ما، وتحضيره بينما شكلت في علم النفس التوليدي، وسيطا بين الإدارك والمفهوم.  

و يمكن القول بأن مفهوم التصورات تطور في السنوات الأخيرة مع علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي ليهتم بدراسة أفكار الكائن البشري و سلوكه و مشاعره في تأثرها بحضور (ضمني أو ظاهري أووهمي) للناس المحيطين به و خصائصهم. 

أما في علم الاجتماع، فإن من أول من درس ذلك عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم2 الذي ميز بين التمثلات الفردية والتمثلات الجماعية مؤكدا على أهمية الفكر الجماعي وخصوصيته مقارنة بمحدودية الفكر الفردي. 
فالتمثلات الجماعية لدى دوركايم ليست مجرد جمع لتمثلات الأفراد الذين يكونون المجتمع، بل هي ظاهرة تؤكد أكثر على أن ماهو جماعي أهم مما هو فردي. 
على أن التمثلات لم تتخذ مع دوركايم بعد المفهوم الإجرائي وإنما بقيت في مستوى الظاهرة التي تتلخص في أن مصدر الصور وأنساق التفكير والمفاهيم الكبرى جماعي، دون أن يقترح مجالا لطرح التمثلات موضوعا للدراسة بصفتها أنساقا. 

إن التمثلات الاجتماعية هي شكلا من أشكال الفكرة الجماعية، شأنها شأن الايديولوجيا والعقليات والدين والأسطورة والعلم، تستجيب لحاجة بشرية ضرورية لتمثل الفكر الإنساني لحقيقة أو لشيء ما. ولكنها تنفرد عن هذه الأشكال في كونها نتاج عقليا- اجتماعيا يتميز من حيث صياغته واشتغاله بترابط البعدين: النفسي والاجتماعي. 

فبعد تحديد التعريف كرونوجيا عبر مدارس العلوم الإنسانية من الفلسفة وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وصولا إلى علم الاجتماع. 

إن أول تمثل لا معياري موجود داخل المجتمع التونسي هو تهمة المريض بجائحة كورونا 
و هي تصل إلى الجنحة بالمعنى القانوني و الجنائي و هذا التصور الخطير على المستوى الذهني و النفسي و الاجتماعي قد يصل إلى تدمير ذاتي و نفسي و اجتماعي للفرد المصاب أو عائلته كما تجدر الإشارة إلى أن المرض يمكن أن يصيب أي شخص في المجتمع حتى و إن أخذ الاحتياطات مع تحول هذا الفيروس بشكل متسارع و غير مسبوق بين الدول، فمن المطلوب حسن التعامل مع ذلك و الإفراط في الريبة هو أمر غير مقبول فعوض الرفع من معنويات المصاب يبعث فيه اليأس فمن الواجب تصحيح هذه التصورات المدمرة.  

ثانيا هو انتشار سلوكات أمراض القلوب داخل المجتمع التونسي، لكن قبل ذلك ماذا نعني بالسلوك من منظور علم الاجتماع؟ 
يحاول علم الاجتماع تفسير السلوك الإنساني الصادر عن الأفراد الذين يقومون بالتواصل فيما بينهم…، فهو علم مستقل يتخذ المجتمع وحدة للتحليل، فعلم الاجتماع يهتم بسلوكنا ككائنات اجتماعية.
و بالتالي هناك ارتباطا وثيقا بين السلوك (الصادر عن الفرد) والظواهر الاجتماعية (التي تظهر داخل المجتمع)، وهذا يتطلب منا أولا فهم مصطلح السلوك.
فالسلوك هو كل ما يصدر عن الفرد من أقوال أو أفعال أو تعبيرات يتفاعل بها مع نفسه أو مع فرد آخر أو مع المجتمع المحيط به ككل، وهو إما سلوك ظاهري يمكن ملاحظته مباشرة من طرف الغير، أو سلوك داخلي لا يمكن ملاحظته لكن بالإمكان ملاحظة نتائجه. 
إن هذا السلوك متمثل في انتشار سلوكات أمراض القلوب داخل المجتمع التونسي فمرض القلوب هي ظاهرة موجودة في كل نفس بشرية و في كل جماعة و لا يمكن أن نستثني أي شخص أو جماعة بشرية فكل نفس بشرية أو جماعة تميل إلى ممارسة ذلك بشكل متفاوت حسب الشخصية و التصرف و المزاج و البيئة الاجتماعية للفرد و المجتمع أيضا لأن الفرد و الجماعات تتأثر بالقيم المجتمعية السائدة و المهيمنة مثل العبودية إلى المال و الجاه و السلطة و المنصب و النفوذ المالي و السياسي و السلطوي و تظهر هذه الأمراض بالخصوص في النفاق و الرياء و مرض الشبهة و الشك و الريبة و سوء الظن و الحسد و الغيرة و الكبر و الإعجاب بالنفس و احتقار الآخرين و الحقد و الغل و غيرها و هي سلوكات تأتي في إطار ما يسمى" التنافس على مظاهر الحياة" بأشكالها المختلفة و صورها المتعددة  لكن خطورتها تكمن في تجاوزها حدودها و تصبح مهددة للتوازن المجتمعي و الاستقرار داخله و من استتباعتها  وجود ظواهر لا معيارية مثل القتل و الانتحار و انتشار القضايا في أروقة العدالة .

إن الأفراد و الجماعات داخل المجتمع التونسي لم ينتبهوا إلى خطورة هذه السلوكات المرضية 
و درجة وعيهم فيتصرف البعض بحسن نية أحيانا و لكن  لم يدرك البعض أن هذا السلوك مدمر للحياة الفردية و للعلاقات الاجتماعية التي نلاحظ تفككها داخل المجتمع التونسي، فهناك مفارقة فردية و مجتمعية توظف فيها مختلف التخيلات و التمثلات الدينية و المجتمعية فمن ناحية يسوق على أن التونسي للتونسي رحمة في المنطوق اليومي التونسي لكن في مقابل نجده لا يريد أبسط مظاهر الخير له عند بعض الأفراد و الجماعات عندما يمر بشدة أو أزمة و الأغرب توزيع صكوك البراءة و الغفران لفلان أو فلانة حسب الفهم الكنسي و شروط مزاجية و في سياق أعمق للإنسان و الفرد على  أساس المكانة الاجتماعية و الطبقية.  

إن هذه المقالة إضافة إلى دورها التشخصي و التحليلي لبعض مظاهر ما يوجد في الواقع الفردي و الجماعي و الاجتماعي فإنها تقترح بعض الأفكار التي تعدل البوصلة لهذه التصورات 
و السلوكات بعيدا عن منطق الوصاية رغم أن الأفراد و الجماعات و صناع القرار في تونس يأخذون التوصيات و المقترحات من أفراد و جهات بعينها و يتجاهلون أخرى ضمن منطق الموالاة و استماتة القلوب و المشاعر و استشراء أحاسيس البشر بالاستقرار الاجتماعي المزيف لغايات مختلفة، لكن ما يعيشه المجتمع التونسي من صعوبات مختلفة و اكراهات كبيرة من الأجدى تصويب التصورات و الممارسات عبر إعادة فهم لمتغيرات الواقع الحالي بروية و اتزان و بمعقولية أكثر فكل توتر نفسي و اجتماعي مفرط و مبالغ فيه يتحول إلى أشياء خطيرة فردية 
و مجتمعية و طاقة الأمل و الإيجابية التي يطوقها الأفراد و الجماعات في تونس وجب أن تكون طاقة معقلنة و متزنة تشمل مختلف مناحي الحياة بطرق و وسائل غير تقليدية فالوسائل القديمة في التعاطي مع مختلف القضايا الحالية هي الآن غير مجدية كما أنه لا ينتظر الكثير من الطبقة السياسية الحالية التي تجاري في مشاكل البلاد يوم بيوم دون استراتيجيا أو رؤية مضبوطة مفصلة و دقيقة فالشعارات المطلقة أصبحت غير صالحة في هذه الظروف إذا لم تنسب و أن عملية التأجيل سوف يأتي يوما و يقف الجميع على خطورة واقعنا لا قدر الله فكما يقال"ربي يستر" في المنطوق اليومي التونسي و هي كلمة معبرة ذهنيا و نفسيا و دينيا لكنها تتطلب أيضا الإرادة الفعلية و الإنجاز الذي بدونه يصعب الحديث على تجاوز الأوضاع الحالية.

في النهاية إن العالم اليوم و تونس خاصة يعرف تحولات و تغيرات عميقة و مجتمعية مست البنى الذهنية و الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمعات و الدول فالتفكير في الحلول للقضايا المعقدة و المتشابكة يجب أن ينطلق من تشخيص دقيق و علمي للواقع دون تورية حسب تعبير الفيلسوف الألماني فريدريك نتيشة فهناك حقول حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو مفتوحة على العقل التونسي من أفراد و جماعات و صناع قرار و أحزاب و سياسيين و مجتمع مدني رغم تراجع الدولة عن حقوق المواطن الدستورية  لينظروا إلى هذه البلاد برؤية مختلفة و ضمن ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين بالكتلة التاريخية أي بتجميع كل القوى المجتمعية المؤثرة و الصانعة و الناجزة للتاريخ و الواقع الجديد لأن التفكير الفردي و الشعارتي 
و الانعزالي لا يمكن أن يحل مشاكل الواقع التونسي المكبل داخليا و كذلك خارجيا بضغوطات المانحين الماليين إلا  بتظافر كل الجهود و القوى المختلفة و المتنوعة و في رؤية للمصلحة العليا للبلاد بعيدا عن المصالح الضيقة و المحاصصات و منهجية واضحة ورؤية دقيقة و ثاقبة للقضايا بعيدا عن العاطفة و الذهنية المغلقة المتكلسة و لكن المفارقة الجوهرية و المحورية لتفكيك هذا الوضع المتأزم في تونس أن من هو في السلطة يلهث للبقاء فيها بشتى الطرق لكن في الحقيقة هو لا يحكم و ليس بيده القرار.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات