📁 آخر الأخبار

التفكير في علاقة المجتمع المغربي بالوباء: مدخل لدراسة بعض الظواهر الاجتماعية

علاقة المجتمع المغربي بالوباء


التفكير في علاقة المجتمع المغربي بالوباء: مدخل لدراسة بعض الظواهر الاجتماعية*

✅ الكاتب Mohamed Elchhab

ملخص
 عرف المجتمع المغربي كبقية بلدان العالم اكتساح جائحة كورونا-19    بكيفية فجائية، مسببة له طيلة سنتين متتابعتين، أنماطا من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وحالات من الهلع والخوف والقلق. ومن المؤكد أنه اشترك بدوره في نفس المشاكل، ونفس التخوفات التي عرفها وعاشها العالم. ولكن لابد من التنبيه إلى مسألة أساسية مؤداها أن المجتمع المغربي سيتميز بمميزات خاصة به، سواء في كيفية فهمه للجائحة، أوفي كيفية تفسيره ومواجهته لها. 

    وتهدف الدراسة الحالية إلى دراسة وتحليل وفهم العلاقة بين المجتمع المغربي والجائحة من حيث خطورتها وتأثيراتها السلبية على المجتمع والأفراد من ناحية، وكيف يدركون مدى خطورتها ويتصرفون حيالها من ناحية ثانية.  إلى جانب أشكال عمليات التكيف المعتمدة من طرفهم للتعايش معها، سواء الإيجابية منها أو السلبية.

       لمناقشة هذه الإشكالية، نقلنا اهتمامنا لدراسة المجتمع المغربي الذي تحول إلى مجتمع الجائحة، معتمدين منظور علم اجتماع الجائحة. كما انطلقنا من إطار نظري ومنهجي ركز على البعد الأكثر تعبيرا عن الحياة في خضم الوضعية الوبائية، ويهم تسليط الضوء على ما فعلته وتفعله الجائحة بالفاعلين.

     لا مراء في أن دراسة الوضعية الوبائية لا تقتصر على الطب وعلوم الأوبئة لا غير؛ وإنما يتطلب ذلك اعتماد استراتيجية ذات بعد اجتماعي وثقافي وقيمي كشرط أساسي لمواجهة الجائحة وتطويقها؛ لأن أي دراسة موضوعية لعلاقة المجتمع بالجائحة، ستكون محدودة الفائدة إذا لم تكن مصحوبة بدراسة علمية لمدى تأثير الأبعاد الاجتماعية في الوضعية الوبائية.

     بناء على ذلك، اخترنا منهجيا دراسة بعض الظواهر والقضايا الاجتماعية التي لها علاقة مباشرة بالوضعية الوبائية، خاصة ما يتعلق منها بالإجراءات الاحترازية؛ كمفهوم المجتمع الجائح، والأمن الصحي الوبائي، والإجراءات الاحترازية، والاحتجاجات على فرض جواز التلقيح.

وهي قضايا نعتبر أن طرحها سيساعدنا بدون شك، على تسليط الضوء على الوضعية الوبائية في المغرب. 
     ويبقى من بين أهداف الدراسة، إضافة إلى إبراز أهمية ودور الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية في فهم علاقة المجتمع بالجائحة؛ الاستعانة بنتائج الدراسة من أجل تحقيق أكبر قدر من النجاح في عمليات التدخل الصحي والوقائي، خاصة في مجالات التوعية الصحية الوبائية، وحث الساكنة على الانضباط للقواعد الاحترازية.
 
مقدمة
       ننتقل في هذه الدراسة من مرتكز فكري أساسي مؤداه أن جائحة كورونا شكلت حزمة من الأزمات امتدت تأثيراتها لتشمل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والقيمية والإنسانية والصحية. وكنتيجة لذلك، تعتبر من نوع الأزمات المتداخلة المستويات بحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر. كما شكلت، فضلا عن ذلك، أزمة مست كل أبعاد الفرد النفسية والاجتماعية والقيمية والعلائقية. فقد وجد الأفراد أنفسهم أمام تحديات وأحداث وضغوطات استثنائية لم يشهدوا لها مثيلا من قبل؛ داهمتهم دون سابق إنذار، وأصبحوا مضطرين للتعايش معها خوفا على حياتهم وحياة ذويهم.

      مما لا شك فيه، أن المغرب اشترك بدوره في نفس المشاكل والتخوفات التي عاشها، ويعيشها العالم. ولكن، لابد من التنبيه إلى مسألة أساسية مؤداها أن المجتمع المغربي سيتميز بمميزات خاصة به في كيفية فهمه وتفسيره ومواجهته للجائحة. فكيف تفاعل المجتمع المغربي مع الجائحة وتأثيراتها؟ وكيف كانت ردود أفعاله حيالها؟

    لمناقشة هذه الإشكالية، نقلنا اهتمامنا لدراسة المجتمع المغربي الذي تحول إلى مجتمع الجائحة. اخترنا لدراسته وتحليله منظور علم اجتماع الجائحة. وهو علم يهتم بدراسة الظواهر الناتجة عن العلاقة بين المجتمع والجائحة. 
         كما انطلقنا من إطار نظري ومنهجي ركز على البعد الأكثر تعبيرا عن الحياة الاجتماعية في خضم الوضعية الوبائية، وهو تسليط الضوء على ما فعلته وتفعله الجائحة بالفاعلين، وكيف يعيدون تشكيل حياتهم للتكيف مع ضغوطاتها، وكيف يتصرفون حيالها، وما الممارسات الأكثر بروزا من خلال تفاعلاتهم معها.  

       أما منهجيا، فقد ركزنا على دور الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية التي لها علاقة مباشرة بالوضعية الوبائية، في الحد من نشر الوباء؛ أو بالعكس، تسريع وتيرة نشره وانتشاره. مع إبراز علاقتها (الأبعاد الاجتماعية والثقافية) بالسلوكات والممارسات والمواقف التي يسلكها الأفراد حيال الجائحة. ومن بين أهمها: علاقتها بمدى انضباط المجتمع والأفراد للقواعد الاحترازية والوقائية.
 وهي قضايا نعتبر أن طرحها سيساعدنا بدون شك على تسليط الضوء على أهم معالم الوضعية الوبائية في المغرب؛ وذلك على ضوء الأسئلة المحورية التالية: 

  • كيف تفاعل المجتمع المغربي مع ما تداعيات الجائحة، وكيف تعامل معها؟
  • كيف يعيد الأفراد تشكيل نمط حياتهم للتكيف مع ضغوطات الجائحة؟ 
  • كيف تعايشوا مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة التي فرضت عليهم؟ 

        تلك عينة من الأسئلة التي سنؤطر من خلالها معالجتنا لقضايا الدراسة، ونستطيع عبرها التفكير في علاقة المجتمع المغربي بالجائحة.  
        للجواب عن الأسئلة السابقة، قسمنا الدراسة إلى قسمين رئيسيين: خصصنا الأول لتحديد أهم الأطر النظرية التي اعتمدناها للدراسة، مما أتاح لنا توضيح رؤيتنا لنمط المجتمع الذي نشتغل عليه؛ وهو مجتمع في طور التحول الاضطراري. 
أما الثاني فناقشنا فيه بعض القضايا الرئيسية التي نرى أنها تمثل بالنسبة للدراسة مؤشرات كاشفة عن الواقع الفعلي لتأثيرات الوضعية الوبائية؛ كشروط تحقيق الأمن الصحي الوبائي، وإشكالية الانضباط للإجراءات الاحترازية.

اكتفينا في القسم الأول المخصص للأطر والنماذج النظرية المستعملة للدراسة بالتركيز على المحاور التالية:

المحور الأول: المجتمع الجائح

أولا: حالة المجتمع المغربي    
ثانيا: من الأزمة الوبائية إلى الأزمة المجتمعية 

المحور الثاني: علم اجتماع الجائحة

أولا: تعريف علم اجتماع الجائحة
ثانيا: دور الأبعاد الاجتماعية والثقافية في فهم وتطويق الوضعية الوبائية.
  •  أما القسم الثاني، فناقشنا فيه القضايا الرئيسية التالية:
  •  -  المحور الأول: الأمن الصحي في زمن الوباء وشروط تحقيقه؛
  • - المحور الثاني: إشكالية احترام الإجراءات الوقائية؛ 
  • - المحور الثالث: الاحتجاجات الاجتماعية زمن الوباء 

القسم الأول: الأطر والنماذج النظرية المستعملة للدراسة

أولا: المجتمع الجائح: حالة المجتمع المغربي

     إن ما هو مؤكد الآن، أن الأزمة الوبائية التي سببتها الجائحة، خصوصا بعد مرور فترة زمنية استغرقت إلى حدود الساعة ما يقارب السنتين، تحولت إلى أزمة مجتمعية وسياسية، بل وقيمية. مست هذه الأزمة استقرارالمجتمع المغربي. كما ساهمت، وذلك منذ البوادر الأولى لظهور الوباء في خلق، توترات ونزاعات بين مكوناته الاجتماعية. 

      فقد ظهرت جائحة كورونا في سياق مغاير تمامًا لما ألفه المجتمع والأفراد واعتادوا العيش فيه، حيث وجدوا أنفسهم يدون سابق إنذار، يعيشون وضعية اجتماعية انتقالية محصورة بين عالمين: عالم المجتمع المألوف لديهم، وعالم الوضعية الوبائية. وهو عالم مغاير تماما تحكمه تعليمات وقوانين وضعية، إدارية وطبية، ملزمون بالخضوع لها، وتنظم علاقاتهم الاجتماعية ومسارات حياتهم اليومية وفقها بدل العادات والتقاليد الاجتماعية التي استأنسوا التعامل بها. وهو إلى جانب ذلك، عالم موسوم باللايقين، وبالاضطرابات والتحولات الفجائية على كل الأصعدة، دون أن يكون المجتمع والأفراد مؤهلين لفهم واستيعاب الأحداث والوقائع الاستثنائية التي داهمت حياتهم. إضافة إلى غياب أي إشارة تنبئ بقرب الخروج من هذه الوضعية المتأزمة.

     يعيش الأفراد في هذه الوضعية موجات من الخوف الجماعي، وحالات من التناقضات القيمية. 
   يظهر مما سبق أنه لا يوجد أدنى شك في الاعتراف بأن الجائحة حولت المجتمع المغربي إلى مجتمع جائح. ويفرض هذا المعطى نفسه بوضوح من خلال ثلاثة مؤشرات: 
يظهر الأول من خلال القراءة الأولية للمجتمع المغربي، حيث تنبئنا الكثير من المؤشرات على أن هناك تحولات أصبحت ملموسة وبارزة للعيان مست المجتمع بكل مكوناته وأبعاده. بل امتدت لتشمل تصورات الأفراد للحياة والمجتمع والجسد؛ إلى جانب تأثيرها في قيمهم وطريقة تفكيرهم وآرائهم وسلوكاتهم. بل يمكن القول إن الجائحة أعادت تشكيل المجتمع المغربي وغيرت بعض معالم تركيبته. 
     أما الثاني فظهر من خلال الوضعية الوبائية التي يعيشها المغرب منذ بداية مارس 2020. إن القراءة الأولية للإحصائيات التي تقدمها يوميا وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تبرز تتابع موجات الوباء، وتعدد أنواع وتسميات متحوراته، وارتفاع حالات الإصابة والإماتة وعدد الحالات الحرجة.

     بنهاية الموجة الثانية، ستعود الحالة إلى الاستقرار، حيث صرحت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن المؤشرات الوبائية بقيت مستقرة خلال شهري نوفمبر وديسمبر من سنة 2021؛ إذ لوحظ استمرارانخفاض منحنى الإصابات اليومية؛ كما استقر الضغط في نفس المرحلة على أسرة الإنعاش ليصل معدل ملئها إلى نسبة 1.9 في المائة.

    ولكن سرعان ما ستعم حالات القلق والخوف من جديد مع بداية انتشار متحور"أوميكرون" الذي سجلت أول حالة له بالدار البيضاء بتاريخ 15 دسمبر2021 حسب بلاغ صحفي صادر عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية التي أكدت على خطورة سرعة انتشاره مقارنة مع المتحورات السابقة. 

   بدأت الموجة الثالثة من تطور الوباء مع إنتشار فيروس كوبيد-19(موجة أوميكرون) التي امتدت بمقياس المستوى الأحمر خمسة أسابيع إلى حدود 19 دجنبر 20021؛ لتبدأ المرحلة التنازلية بانخفاض المنحنى الوبائي في المغرب والانتقال إلى المستوى البرتقالي وذلك ابتداء من 07 إلى 13 فبراير 2022. ومع توالي تنازل الإصابات انتقل المغرب إلى المستوى الأخضر كما أعلنت عن ذلك وزارة الصحة والحماية الاجتماعية  يوم الأحد 20 فبراير 2022
    لا شك أن المقاربة الإحصائية تتيح إبراز مدى انتشار الوباء، وعدد الإصابات والإماتات؛ فضلا عن اتجاه تطور المؤشرات الوبائية. لكنها تخفي مستويات أخرى من التأثيرات التي ينتجها الوباء على المجتمع والأفراد، وتهم بكيفية مباشرة ما فعلته، وتفعله الجائحة بالفاعلين؛ كارتفاع مستويات القلق لديهم، وتعقيدات حالات الاضطرابات الفكرية والضغوطات النفسية- الاجتماعية المرهقة التي يعانون منها، والتحولات الصعبة التي طالت علاقاتهم ومجالاتهم الاجتماعية. 

    إن أهم ما كشفت عنه الجائحة، هو مدى ضعف الفرد وهشاشة وضعه أمام صدمة فجائية الجائحة؛ حيث انتقل في وقت وجيز ليعيش وضعا نفسيا واجتماعيا متأزما، يحكمه الشك واللايقين، وغموض الرؤية تجاه حاضره ومستقبله. 
   إن ما زاد الأمر تعقيدا أمرين اثنين: أولهما، طول المدة الزمنية التي فاقت السنتين من تحمل تبعات الوباء. وثانيهما، التطورات التي يعرفها الفيروس باستمرار وتتابع موجاته؛ فما أن تعود الأمور إلى الاستقرار، حتى يفاجأ المجتمع بعودة الجائحة تحت مسمى جديد، وبمخاطر جديدة؛ ولا أحد يدري متى ينتهي هذا الكابوس. مما أنهك الأفراد وضاعف من حمولة التوترات التي يعيشونها. دفعهم كل ذلك، تحت ضغط الوباء، إلى إعادة بناء علاقات جديدة بذاتهم وبجسدهم وبمستقبلهم وبالآخرين، وبذلك أعادوا بناء مجتمع جديد تختلف أهم معالمه عن العالم الذي ألفوا العيش فيه. 

      زعزعت هذه الوضعية التي طال أمدها؛ الثقة في علوم الطب والأوبئة. كما أشاعت الخوف والهلع لدى الساكنة؛ فأصبح الفرد يعيش قلقا مستمرا مع توالي المتحورات وارتفاع عدد الإصابات والإماتات؛ وحتى في فترات انخفاض منحنى الوباء، يبقى متوجسا من احتمال ظهور متحور جديد قد يكون أكثر شراسة وفتكا.

امتدت تأثيرات هذه الوضعية لتمس الجوانب الفكرية والاجتماعية والعلائقية للأفراد؛ وكذا مستوى اتخاذ القرارات لدى بعض الشرائح الاجتماعية الذين غلب عليهم التردد، أو عارضوا السياسة الصحية الرسمية برفضهم الانخراط في عملياتها، وخاصة فرض جواز التلقيح. بل هناك من ندد بإجبارية التلقيح بدعوى غياب أي نص قانوني رسمي ينظم قرارات الإجبارية. وفي هذا السياق، توصلت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" بأزيد من 500 شكاية ضد إجبارية التلقيح. 

      أما المؤشر الثالث، فعبرت عنه مختلف التوترات الاجتماعية التي ظهرت في شكل احتجاجات وتمردات منذ البوادر الأولى لظهور الوباء؛ وتطورت بعد ذلك لتأخذ صبغة سياسة مع منع برلمانية ولوج البرلمان دون جواز التلقيح؛ ثم اتسعت الاحتجاجات بعد ذلك لتأخذ صبغة قانونية ودستورية مع احتجاجات المحامين.

       اتسمت هذه الوضعية، إضافة إلى الأزمة الوبائية الصحية والطبية، بسيولة المعلومات المتناقضة حول طبيعة الوباء وأسبابه، وتعدد المواقف حول كيفية مواجهته، وكثرة الشائعات والأخبار الزائفة المصاحبة له؛ خاصة أن عملية التلقيح لم تكن مقنعة بالنسبة للجميع، بدعوى أن التطعيم لا تتوفر بشأنه معلومات دقيقة، ولا يمكن التأكد من نوع وطبيعة الآثار التي قد يخلفها مستقبلا. 

  ثانيا: من الأزمة الوبائية إلى الأزمة المجتمعية


      كنتيجة لذلك، تحولت الأزمة الوبائية إلى أزمة مجتمعية وسياسية واقتصادية، وقيمية، وثقافية، مست استقرار المجتمع، وساهمت في خلق التوترات بين مكوناته كما برز ذلك بوضوح من خلال التظاهرات والاحتجاجات التي صاحبت الوباء منذ ظهوره؛ حيث اتخذت في البداية شكل احتجاجات دينية مستندة إلى فكر قدري جبري؛ وصولا بعد ذلك، إلى تنظيم احتجاجات وتظاهرات شملت جل ربوع الوطن ضد إجبارية التلقيح والتشكيك في مدى فعاليته؛ وتنديدا بفرض جواز التلقيح بدعوى الحد من حرية الفرد، وضربا لحقوقه الدستورية.
        أما على المستوى الاجتماعي، فقد أدت تأثيرات الجائحة إلى اضطراب العلاقات الاجتماعية والأسرية، وتدهور الروابط الاجتماعية التي تحولت في أغلبها إلى مجرد علاقات افتراضية. كما سادت على المستوى القيمي مواقف وسلوكات قيمية لم تكن حاضرة من قبل في المجتمع.

أدى كل ذلك إلى ارتفاع حدة التوترات الاجتماعية، وبروز حالات من التناقضات القيمية في المجتمع. كما تناسلت الاجتهادات الفردية والاجتماعية ذات الطابع الغيبي، إلى جانب بعض الممارسات اللاعقلانية. 
     هكذا تحول الوباء في مجتمع الجائحة من الجوانب المرضية إلى حالات اجتماعية؛ فانتشرت عدوى القلق والخوف ليمتد تأثيرهما ليعم المجتمع بأسره؛ مما خلق وضعية ساد فيها الشك وانعدام اليقين بالنسبة للفرد الذي وجد نفسه تحت الضغوطات والأزمات والصدمات، معرضا لنوبات الخوف والقلق. 

     في هذه الوضعية، وجد الأفراد أنفسهم أمام تحديات وأحداث وضغوطات وتجارب استثنائية لم يختبروها من قبل، ولم يسبق لهم التعامل معها، خاصة أن الخبرات الاجتماعية والعملية؛ وكذا آليات تدبير حياتهم اليومية التي ألفوا التعامل بها في علاقاتهم الاجتماعية: كالعادات والأعراف والتقاليد لم تعد نافعة، لا في فهم، ولا في التعامل مع هذه الوضعية الاستثنائية التي وجدوا أنفسهم مضطرين للتعايش معها. وفي مقابل ذلك، فرضت عليهم إداريا وقانونيا وطبيا قواعد جديدة لا مناص لهم من الانضباط لها خوفا من العدوى، أو تجنبا للعقوبات الإدارية والقانونية التي قد يتعرضون لها.
    وكنتيجة لتأثيرات هذه الوضعية، اضطرب مستوى اتخاذ القرارات لديهم؛ حيث أصابها بدورها التردد واللايقين؛ خاصة على مستوى الالتزام بالإجراءات الاحترازية، كالتباعد الاجتماعي، ووضع الكمامة؛ إلى جانب ظهورمواقف سلبية تجاه اللقاح، والتشكيك في مدى نفعيته.  

       باختصار، أثار موضوع الأزمة الوبائية مجموعة من الأسئلة التي تهم بكيفية مباشرة كيفية تعامل الأفراد مع تحدياتها، ومع المشاكل الاجتماعية والاجتماعية- النفسية التي أنتجتها وتنتجها.
    بناء على ذلك، أصبح من المنطقي أن تشكل هذه الوضعية الاجتماعية الاستثنائية تحديا مباشرا لعلم الاجتماع، وهو الذي يهمنا في هذه الدراسة. 
         بعد هذا التوصيف العام للحياة الاجتماعية في مجتمع الجائحة، ومن خلال التفكير فيه؛ تبنينا لهذه الدراسة مدخلا نظريا يندرج ضمن إطار نظري سوسيولوجي يهتم بدراسة العلاقة بين المجتمع والجائحة، هومدخل علم اجتماع الجائحة.

المحور الثاني: علم اجتماع الجائحة

أولا: تعريف علم اجتماع الجائحة

           من المنطقي أن يتبادر إلى ذهننا سؤال مهم، هو كالتالي: كيف ندرس هذه الوضعية؟  يندرج الجواب على هذا السؤال ضمن مهام علم الاجتماع، وتحديدا ضمن مهام علم اجتماع الجائحة الذي يدرس العلاقة بين المجتمع والجائحة. 
         نقصد بعلم اجتماع الجائحة في هذه الدراسة، العلم الذي يهتم بدراسة الوضعية الوبائية من منظورعلم الاجتماع. ووفق هذه الرؤية، ينشغل بفهم وتشخيص وتحليل ودراسة العلاقة بين المجتمع والجائحة؛ بالتركيزعلى إبراز دور ومكانة الأبعاد الاجتماعية والثقافية ضمن هذه العلاقة؛ باعتبار أن الجائحة تخلق دينامية اجتماعية وثقافية خاصة في المجتمع، مما يحوله إلى مجتمعي استثنائي.
      وتحديدا، رصد ودراسة الظواهر الاجتماعية، ومختلف الأحداث والوقائع والتأثيرات التي تنتجها الوضعية الوبائية في علاقتها بمجتمع محدد تحول بفعل تأثير الجائحة إلى مجتمع استثنائي يعيش وضعية انتقالية.
      كما يدخل ضمن اختصاصاته، رصد تمثلات المجتمع والأفراد وتصوراتهم للوباء، وكيف يفهمونه ويواجهونه. إضافة إلى مختلف أشكال العمليات والأنشطة التي "يبدعونها" للتكيف مع ضغوطات الجائحة بإنتاج عمليات ذات طبيعة تكيفية؛ خاصة ما يتعلق منها بجوانب إدراك مخاطر الوباء، والوعي بضرورة تحصين أنفسهم وذويهم وحماية الأفراد الآخرين، ومدى انضباطهم للإرشادات الصحية والوقائية والالتزام بها.

  ثانيا: دور الأبعاد الاجتماعية والثقافية في تطويق الوضعية الوبائية

      ويعني ذلك أننا في تطويق الوباء ومحاربته، لا نكتفي بالاعتماد على المستوى الطبي والبيولوجي لا غير؛ وإنما يتطلب ذلك بالضرورة، الاعتماد على العلوم النفسية ومختلف العلوم الاجتماعية، ومن بينها علم الاجتماع الذي يعتمد التدخل السوسيولوجي في هذه الحالة، وهو الذي يهمنا في هذه الدراسة. 
    تأسيسا على ما سبق، يبدو أنه أضحى من الضروري أن نولى اهتماما خاصا بدراسة الأبعاد الاجتماعية للوضعية الوبائية؛ بهدف إبراز أهميتها في فهم الجائحة من منظور محدداتها الاجتماعية والبيولوجية من جهة، ورصد تأثيراتها على المجتمع والأفراد من جهة ثانية، والمساهمة في تطويقها والحد من انتشارها من جهة ثالثة؛ خاصة على مستوى مدى التزام المواطنات والمواطنين بالإجراءات الوقائية، والانضباط لقواعد الطوارئ الصحية. 

  القسم الثاني: متابعة لبعض الظواهر الاجتماعية البارزة في المجتمع المغربي زمن الوباء

          كمتابعة للتحليل السابق، ركزنا في القسم الثاني من الدراسة على بعض القضايا التي ستمهد لنا الطريق لفهم أهم محددات الوضعية الوبائية؛ خاصة ما يتعلق منها بكيفية تعامل الأفراد مع تأثيراتها ومخلفاتها، ورصد درجة وعيهم بخطورة الوباء من جهة، وبمدى استيعابهم لضرورة تحصين أنفسهم بالإجراءات الوقائية والتلقيح من جهة ثانية. ويتمثل الهدف من ذلك في توضيح رؤيتنا لكيفية إدراك الأفراد للوضعية الوبائية، وكيف يفهمونها  ويتعاملون معها، وما مدى قناعتهم بدورالإجراءات الاحترازية في الوقاية والتحصين من أخطارالوباء. وعبرنا عن ذلك بواسطة السؤال المحوري التالي: ما مدى انضباط المغاربة لقواعد الوقاية والاحتراز من أخطار الجائحة وآثارها؟ وهكذا، ونظرا لحدود هذه الدراسة، اكتفينا بمناقشة القضايا الرئيسية التالية:

 المحور الأول: إشكالية انضباط المغاربة لقواعد الوقاية والاحتراز من أخطار الجائحة

                أولا: الأمن الصحي في زمن الوباء وشروط تحقيقه؛
                ثانيا: إلى أي حد يمكن القول أن المغرب وفر شروط تحقيق الأمن الصحي في مواجهة الجائحة؟
    -المحور الثاني: إشكالية احترام الإجراءات الوقائية؛ 
        - المحور الثالث: الاحتجاجات حول فرض التطعيم وإلزامية جواز التلقيح.
       
المحور الأول: إشكالية مدى انضباط المغاربة لقواعد الوقاية والاحتراز من أخطار الجائحة

  أولا: الأمن الصحي الوبائي وشروط تحقيقه
  تقديم 
      تثير دراسة علاقة المجتمع بالجائحة مسألة مركزية تتمثل في ضرورة التأكيد على أهمية الأبعاد الاجتماعية ودورها في تعزيز الإجراءات الوقائية والاحترازية. 
لقد أصبح من المؤكد الآن، أن هناك علاقة متبادلة بين ارتفاع معدلات الإصابة والتهاون في احترام الإجراءات الاحترازية التي تؤطرها بدرجة كبيرة الأبعاد الاجتماعية والثقافية للمجتمع. تبرز هذه العلاقة الارتباطية مدى أهمية الدور الذي تلعبه العوامل الاجتماعية في مقاومة الوباء والتحكم في الآثار السلبية التي يخلفها.

      إن أهم ما يستنتج من متابعة تسلسل موجات الوباء وارتفاع منحنى تصاعده وتكاثر متحوراته، أن تزايد ارتفاع عدد الإصابات له علاقة مباشرة بخرق حالة الطوارئ الصحية، وإهمال الالتزام بالإجراءات الاحترازية.
    ونظرا لتعقد الوضعية الوبائية، وتشابك متغيراتها، فإن أي دراسة موضوعية لهذه الوضعية لن تستقيم بدون الأخذ في الحسبان أمرين اثنين مترابطين فيما بينهما: أولهما؛ اعتماد مقاربة فكرية تتبني إلزامية التفكير من منظور شمولي لهذه الوضعية. أما ثانيهما؛ فيتمثل في ضرورة الانطلاق من مفهوم الأمن الصحي كمفهوم يأخذ وضعا مركزيا ضمن هذا المنظور الشمولي. ونقصد بالتحديد ما أطلقنا عليه في هذه الدراسة: الأمن الصحي الوبائي. 

      إن اعتمادنا لهذا التقديم له ما يبرره واقعيا، ويتبين من أن أغلب التدخلات المؤسساتية حول جائحة كورونا همشت دور الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسيكولوجية؛ رغم أنها تعتبر من ضمن أهم عوامل تحقيق الأمن الصحي الوبائي. وأهم دليل على ذلك، هو غياب وجود اختصاصيين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والنفسية ضمن اللجان والهيئات الرسمية المكلفة بمحاربة ومتابعة تطور انتشار الجائحة. 
1. الأمن الصحي الوبائي وشروط تحقيقه 

            1- تعريف الأمن الصحي الوبائي
       جاء في تعريف منظمة الصحة العالمية أن الأمن الصحي يشمل "الأنشطة المطلوبة لتقليل خطر حوادث الصحة العامة الحادة وتأثيرها الذي يعرّض الصحة الجماعية للسكان الذين يقطنون المناطق الجغرافية والحدود الدولية للخطر". وتعتبره وثائق المنظمة من بين مهام الحكومات التي تتحمل مسؤولية حماية الصحة لسكانها .
    كمتابعة للتحليل السابق، نستعمل لهذه الدراسة مفهوما خاصا أطلقنا عليه مفهوم الأمن الصحي الوبائي؛ حيث يختلف عن مفهوم الأمن الصحي المتعارف عليه في الحالات العادية. وفي مقابل ذلك، فإن مفهوم الأمن الصحي الوبائي رغم أنه يتشارك مع المفهوم السابق الكثير من الخصائص والمميزات، فإنه يتميز عنه بمميزات خاصة به. بناء على ذلك، من المنطقي أن نبادر قبل كل شيء لصياغة مفهوم ملائم لوضعية المجتمع الجائح، مفهوم يستوعب مختلف التهديدات والمخاطر والتأثيرات المصاحبة والناتجة عن الجائحة؛ وما يترتب عن ذلك من ظواهر وأحداث ذات بعد شمولي وبنيوي، تمس حياة الأفراد والمجتمع على السواء؛ كما تكون تأثيراتها عابرة للقارات.
    على ضوء ما تقدم، يعتبر مفهوم الأمن الصحي الوبائي في مضمونه عملية شاملة لكونها تشمل مجموع التدابير الصحية والطبية والإدارية والأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ومختلف الوسائل والتدابير العلاجية والطبية والإجراءات العملية واللوجيستيكية، كتوفير المستشفيات والطواقم الطبية والتمريضية والأدوية المناسبة، المعتمدة من طرف الدولة لمواجهة تهديدات الوضعية الوبائية؛ مع قدرتها على تبني استراتيجية استباقية استعدادا لمواجهة كل الاحتمالات والتهديدات الغير المتوقعة. وكل ذلك من أجل تحقيق الأمن الصحي والعدالة الصحية لكافة المواطنات والمواطنين زمن الوباء. كما يتطلب ذلك التأكيد على أهمية ودور العوامل الاجتماعية والنفسية والثقافية والاقتصادية والسياسية والقيمية والبيئية في محاربة الوباء، لما لها من علاقة مباشرة بانتشار الوباء أو بالحد منه. 
         ويعني ذلك أن تحقيق الأمن الصحي الوبائي يتطلب وضع استراتيجيات ومخططات طبية واجتماعية وسياسية واقتصادية تستجيب لتحديات الوباء، وتعمل على تطويق انتشاره؛ مما يستلزم وضع نموذج نظري وعملي لإدارة الأزمة الوبائية يساهم فيه الاختصاصيون في العلوم الطبية والإبدمولوجية، إلى جانب الاختصاصيين في العلوم الاجتماعية والإنسانية. كما يتطلب التنسيق بين مختلف المتدخلين: المؤسسات الرسمية والغير الرسمية الفاعلة في الميدان: كالأمن، والصحة، والاقتصاد، والتعليم، والبيئة، وهيئات المجتمع المدني...الخ.  
    استنادا إلى ما سبق، أصبح الأمن الصحي الوبائي يعتبر مسألة أمنية وسياسية بامتياز، إلى جانب كونه مسألة صحية واجتماعية؛ نظرا لما يخلفه الوباء من تأثيرات على كل من المجتمع والاقتصاد والأفراد والأنظمة السياسية. وهذا ما جعل مفهوم الأمن الصحي يتداخل مع مفهوم آخر، وهو مفهوم السيادة الصحية.

2-السيادة الصحية
     يندرج تحقيق الأمن الصحي الوبائي ضمن سياق أوسع يعرف ب: "السيادة الصحية". وهو مفهوم طبي- سياسي يتطلب حضور عاملين اثنين: يحيل الأول على مدى تمكن الدولة من تحقيق الاستقلال الصحي والطبي للمجتمع، خاصة على مستويين: مستوى الصناعات الدوائية والطبية، وتوفير الطواقم الطبية، والمراكز الاستشفائية المناسبة. أما الثاني، فيهم قدرة الدولة على توفير شروط الحفاظ على الصحة واستدامة التمتع بها، والوقاية من الأمراض. ويصب كلا العاملين معا فيما يطلق عليه: تحقيق العدالة الصحية زمن الوباء.

    في هذا السياق، عرت جائحة كورونا-19 على مدى قصور تحقيق الأمن الصحي بالنسبة لكثير من الدول، بما في ذلك الدول الصناعية المتقدمة، خاصة مع بداية الوباء. أدت هذه الوضعية بالدول إلى إعادة التفكير في مفهوم "السيادة الصحية"؛ حيث عرفت الإجراءات والتدخلات الطبية منذ ظهور الوباء تحولات هامة، تمثلت في مواجهة مخاطر الوباء وتهديداته بإعطاء الأولوية لتحقيق الاستقلال الذاتي في الميدان الطبي، وذلك عبر تشجيع الصناعات الدوائية؛ بما في ذلك توفير اللقاحات وتصنيعها، وتنظيم سير التدخلات العلاجية والوقائية.  

      تبعا لذلك، من المنطقي أن تعتبر السيادة الصحية، وفي الآن ذاته، اختبارا حقيقيا لقياس مدى قوة وجاهزية مؤسسات الدولة واستعداداتها لمواجهة الجائحة، ولمدى قدرتها على تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق الأمن الصحي والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة والمجتمع. ويرجع ذلك إلى أن الصحة أصبحت مفهوما أمنيا بامتياز؛ إذ أصبح دورها أساسيا في استقرار المجتمعات والدول، خاصة أثناء الأزمات الوبائية التي تمثل تهديدا مباشرا للأمن المجتمعي، والاستقرار السياسي للدول. 

 ثانيا: إلى أي حد يمكن القول أن المغرب وفر شروط تحقيق الأمن الصحي في مواجهة الجائحة؟

 1.  بعض صور مقاومة الجائحة 
     أعلنت الدولة المغربية مع بداية جائحة كورونا-19، حالة الطوارئ الصحية  ابتداء من 20 مارس 2020. كما واكبت السلطات الصحية المختصة مراحل تطورالوباء عبر تأسيس "اللجنة العلمية والتقنية لكوبيد -19". وفي إطار مساعي التحكم في انتشارالجائحة، فرضت مجموعة من التدابير الوقائية مصحوبة بالإجراءات القانونية والإدارية والاقتصادية والطبية والأمنية الازمة، تم تطبيقها بالتدريج، وحسب الحاجة، كالحجر الصحي، وتقنين الجولان الليلي، وإغلاق المدارس والمقاهي والمطاعم والمساجد، ومنع الحفلات والأعراس، وإلغاء التجمعات الكبيرة، وتقييد الحركة والأسفار...الخ؛ مع نشر القوات الأمنية لمراقبة مدى التزام المواطنات والمواطنين بهذه الإجراءات. 

كما عجلت بإنشاء صندوق خاص لإدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتوفير مساعدات مالية للمتضررين. 
      إلى جانب ذلك، ركزت الدولة على توفير المعلومات ونشر البيانات حول الإصابات والإماتات وعدد الملقحين يوميا ومنتصف كل شهر؛ قصد وضع المواطنات والمواطنين في صورة تبين مراحل تطور الحالة الوبائية من جهة، كما ترسل من خلال ذلك، ولو بكيفية غير مباشرة، إشارات تحذيرية حول مدى خطورة الوباء من جهة ثانية.
وكان كل ذلك معززا بتواصل إعلامي مكثف من خلال قنوات التواصل الرسمية؛ إضافة إلى المتابعة الإعلامية والتوعية التحسيسية عبر قنوات التواصل الاجتماعي.

    وفي ظل نفس الظروف، تعاملت بمرونة مع الأوضاع حسب تطور منحنيات انتشار الوباء، بالتحكم في التخفيف التدريجي من صرامة الإجراءات الاحترازية مع الاستمرار في تمديد حالة الطوارئ الصحية. وهكذا قررت بتاريخ 9 نونبر2021 رفع حظر التنقل الليلي، وسمحت بالتنقل بدون وثائق، وإقامة الجنائز وتنظيم الحفلات والأفراح ...الخ. وكان ذلك مصحوبا بمواصلة إغلاق الفضاءات الكبرى ومنع التجمعات الكبرى. وصرح السيد سعيد متوكل عضو اللجنة العلمية لمكافحة جائحة كوبيد-19 : أن اتخاذ إجراءات التخفيف راجع إلى تحسن المؤشرات الوبائية وخروج المغرب من الموجة الثالثة التي أصابته منذ فصل الصيف 2021 .
 
     وبهدف تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للتلقيح، تواصلت مجهودات السلطات الصحية خلال المراحل الحاسمة من تطور الوباء، وظهورمتحورات جديدة، بإعلان الانطلاق الرسمي يوم 28 يناير 2021 لعملية التطعيم، تحت إشراف وزارة الصحة و"اللجنة العلمية لمتابعة التلقيح"؛ مع توسيع إجراءاتها بإنشاء الفضاءات الميدانية للتلقيح، وتوفير اللقاحات، وإعداد شروط تصنيعها في المغرب، والحث على أخذ الجرعة الثالثة. وتتابعت المجهودات بتلقيح اليافعين والشباب والتلاميذ.

      عموما، لا يمكن إنكار المجهودات التي قامت، وتقوم بها الدولة؛ حيث اتخذت في هذا الشأن مجموعة من آليات المراقبة القانونية ومتابعة ضبط السلوكات الفردية والجماعية وإصدار عقوبات جزرية على المخالفين، وتأطير المجتمع قانونيا بسن قانون الطوارئ الصحية، وفرض كل ذلك بواسطة القوة العمومية. إلى جانب التوعية الصحية وتقديم المساعدات الاقتصادية...الخ. كما بذلت الدولة المغربية مجهودات جبارة، إذ حشدت إمكانيات وطاقات لا يستهان بها من أجل تأمين اللقاح والموارد المادية والبشرية لتحقيق "السيادة الصحية".
        بفضل هذه المجهودات، احتل المغرب مكانة مشرفة من بين دول العالم، حيث وضع تصنيف "الأمان من جائحة كورونا" المغرب  في المركز24 عالميا ليصنف بين الدول أكثر أمانا في العالم سنة2021  تبعا للبيانات التي نشرتها مجلة "غلوبال فاينانس" التي تقيس مدى قدرة المنظومات الصحية على التحكم في انتشار الوباء. 
كما اعترف الاتحاد الأوروبي بإيجابية التدابير المعتمدة من طرف المغرب في موجهة تحديات الوباء وتدعيمه بمساعدات مالية. 
 2. أهم المعوقات والمشاكل 
     تسبب انتشار الجائحة بالإضافة إلى المضاعفات الصحية والاجتماعية والنفسية، في حدوث اضطرابات بنيوية على المستويات الاقتصادية والتجارية ومعيشة الساكنة؛ مما أدى إلى اضطراب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتجارية. للتخفيف من هذه الوضعية، وللحفاظ على حد أدنى من التوازنات الاقتصادية والاجتماعية سمحت الدولة بفتح الأسواق، والسماح بالاحتفال بعيد الأضحى، والسفر، وإقامة الصلوات في المساجد. ساهم هذا الانفتاح في خلق بؤر وبائية، وفي توزيع الوباء عبر مناطق المغرب، والزيادة من سرعة انتشاره؛ وكان ذلك مصحوبا بانفلاتات وتجاوزات للإجراءات الصحية من طرف الساكنة؛ مما خلف عواقب وخيمة على المستوى الصحي، ظهرت على مستوى ارتفاع منحنى الإصابات بالوباء، خاصة خلال شهري يوليوز وغشت من سنة2021. 
      من زاوية أخرى، لا بد من الوقوف عند ظاهرة ذات وزن كبير في تفسير أسباب انتشار الوباء؛ وتهم أساسا عدم الانضباط للإجراءات الوقائية من طرف شرائح واسعة من الساكنة تحت مبررات مختلفة على الرغم من تدابير المنع والإجراءات القانونية المنظمة بواسطة قانون حالة الطوارئ الصحية. أثارت هذه الوضعية الكثير من التساؤلات مما دفعنا للتفكير فيها وإيلائها اهتماما خاصا. خاصة، وكما صرحنا بذلك سابقا، فإن ما يهمنا من هذا الدراسة، ليس مجرد ذكر ووصف الأحداث والوقائع؛ وإنما رصد وتشخيص وتحليل ما نتج عن ذلك من ظواهر اجتماعية، كتجاوز الإجراءات الاحترازية، وانعدام الثقة في دورها الوقائي، والاحتجاجات الاجتماعية ضد إلزامية التطعيم، وإشكالية فرض جواز التلقيح؛ وهذا ما سنعالجه في المحور الثاني.

     المحور الثاني: ما مدى التزام المغاربة بالإجراءات الاحترازية والسلامة الصحية؟

          تقديم
    امتدادا للتحيل السابق، سننتقل في هذا الجزء من الدراسة إلى محاولة الجواب عن السؤال التالي: ما مدى انضباط المغاربة لقواعد الوقاية والاحتراز من أخطار الجائحة وآثارها، وكيف كانت ردود أفعالهم على الإجراءات الصحية الوقائية؟ 

    إن هذا المعطى الأخير، هو ما سنركز عليه في هذا الجزء من الدراسة؛ إذ لابد من التأكيد على أن تحقيق انضباط المواطنين للإجراءات الوقائية، والتقيد بقواعد الطوارئ الصحية يتطلب تحقيق مجموعة من المطالب، أهمها: مدى إدراكهم لمخاطر الوباء أولا، وطرق الانضباط والاحتراز منه ثانيا. إضافة إلى اكتمال وعيهم، ليس فقط، بضرورة تحصين أنفسهم، بل وبمسؤوليتهم كذلك على تحصين حياة أفراد عائلتهم وحياة الأفراد الآخرين. ونؤكد في هذا السياق على دور ومكانة الأبعاد الاجتماعية والثقافية في تفعيل وتنظيم الإجراءات الاحترازية، إلى جانب مهارات التحكم في الأزمات التي تنتج عن الجائحة. 
علما، أن هذا الالتزام بالإجراءات الوقائية يختلف بين الأفراد بتباين معتقداتهم وتمثلاتهم للوباء، وقدراتهم الفكرية والمعرفية؛ إلى جانب مختلف تأثيرات وسطهم الاجتماعي.

   أولا: شروط تدبير إنجاح إجراءات الأمن الصحي الوبائي
       من أجل تحقيق الأمن الصحي الوبائي، وتطويق الوباء ومحاربته، لا نكتفي بالاعتماد على التدخل الطبي والبيولوجي والعلاجي لا غير؛ وإنما يتطلب ذلك بالضرورة- إلى جانب التدخل الطبي والعلاجي- التدخل على المستويات التالية: مستوى الاحتراز والوقائية، مستوى التوعية والتربية الصحية، مستوى إقناع المواطنات والمواطنين بفعالية السياسة الصحية المتبعة مدعمة بصدق وجدوى المعلومات المقدمة لهم. وأخيرا، مستوى الاشتغال على الأبعاد الاجتماعية والنفسية والثقافية القيمية لمواجهة انتشار الوباء. 
    ونذكر على أن هذا المستوى الأخير يمثل نقطة الانطلاق الأساسية في محاربة الوباء. فإذا كانت الإجراءات الوقائية والاحترازية عوامل حاسمة في تطويق الوباء والحد من انتشاره، فإنها تبقى مع ذلك محدودة من حيث النجاعة، إذا لم يتم تأطيرها بالأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية التي تمثل مكونا أساسيا وفاعلا في توجيهها.

    علما، على أن أهم ما لوحظ من خلال تتبع الأحداث، هو غياب احترام الإجراءات الوقائية من طرف شرائح واسعة من المجتمع المغربي؛ خصوصا في بعض الأحياء الآهلة بالسكان، وخلال بعض المراحل من تطور الوباء. بل أصبح الوضع أكثر انتشارا في الشهور الأخيرة من سنة 2021، رغم التحذيرات المتتالية من طرف وزارة الصحة. وهذا ما كشفت عنه دراسة معنونه ب:"الإدراك الاجتماعي لجائحة كوبيد-19" الصادرة عن جامعة فاس ؛ حيث أكدت الدراسة على أن غالبية المبحوثين المغاربة، احترموا الإجراءات الصحية أثناء الحجر الصحي؛ أما بعده فعرفت هذه الإجراءات تراجعا كبيرا في نسبة الانضباط لها.
     لفهم وتفسيرهذه الظاهرة، أطرنا التفكير فيها من خلال الأسئلة التالية:
       - ما هي أسباب عدم التزام المواطنات والمواطنين بالتعليمات الوقائية؟
       -إلى ماذا يرجع تهاونهم واستخفافهم بالقواعد الوقائية المؤسسية المفروضة عليهم رغم إلزاميتها من جهة، وخطورة الوباء من جهة ثانية؟  
       -كيف يعيدون تشكيل رؤاهم وبناء مواقفهم في ممارساتهم اليومية حيال إجراءات الطوارئ الصحية؟ 
 ثانيا: مظاهر خرق حالة الطوارئ الصحية
1- بعض مظاهر خرق حالة الطوارئ الصحية
      ظهر لنا من تتبع بعض الأحداث والوقائع، أن هناك بعض الظواهرالتي يلزمنا الوقوف عندها إذا ما أخذنا في الاعتبار بعض الحالات التي تجاوزت إجراءات الحجر الصحي، وخرق حالة الطوارئ الصحية.

        دأبت وزارة الداخلية على إصدار بلاغات دورية منذ دخول حالة الطوارئ الصحية لإخبار المواطنين المواطنات عن المتابعات المتعلقة بخرق القوانين، مع تحذيرهم من ذلك. ولكن رغم هذه التحذيرات نلمس من خلال استنطاق جملة من الوقائع، أن هناك مؤشرات تدل على ممارسات مخلة بالإجراءات الاحترازية، سواء أثناء فترة الحجر الصحي أو طيلة مرحلة حالة الطوارئ الصحية؛ وذلك رغم تشديد الحراسة وإصدار قوانين تتضمن عقوبات سجنية وغرامات مالية . وكمثال على ذلك، فقد أوردت الشرطة أنه في يوم واحد فقط (28أبريل2020) تم تسجيل 4289 مخالفة. كما أكدت بلاغات أخرى للشرطة أنه منذ إصدار النصوص القانونية وإلى حدود 4 يوليو2020، تمت متابعة 91.623 مخالفا لقوانين حالة الطوارئ الصحية بعد ضبطهم في حالة التلبس، منهم مخالفي الطوارئ الصحية بدون مبرر قانوني، وعدم ارتداء الكمامة، وحالات العنف ضد السلطات والقوات المراقبة. 
  وشدد البلاغ الصادر عن مصالح المديرية العامة للأمن على مواصلة المراقبة الأمنية لفرض " التطبيق السليم والحازم لحالة الطوارئ الصحية بما يضمن الأمن الصحي لعموم المواطنات والمواطنين "
  2- كيف يمكن تفسير خرق الإجراءات الاحترازية المفروضة بقانون الطوارئ الصحية؟
    عموما، تظهر لنا الصورة الأولية لأسباب تجاوز حالة الطوارئ الصحية، أن المسألة تتوزع إلى أنواع متعددة من الحالات. وسنكتفي بذكر بعض الوقائع التي تبرز بعض حالات خرق القواعد الاحترازية مع الشروط المصاحبة لها: 
   - عوامل الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والدينية.
دفعت عوامل متعددة، أهمها عوامل الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والدينية، الدولة لفتح الأسواق، والسماح بعيد الأضحى، والأسفار مع تقييدها، ومنح تسهيلات لبعض المناطق السياحية، وإقامة الصلوات في المساجد...الخ. ساهمت هذه الاختيارات في خلق بؤر وبائية، وانفلاتات وتجاوزات في بعض المناطق.

-عوامل اقتصادية واجتماعية.
شكلت التكلفة الاجتماعية والاقتصادية، خاصة أثناء مرحلة الحجر الصحي، عبئا ثقيلا بالنسبة لبعض الفئات الاجتماعية الفقيرة، مما اضطرهم للخروج للعمل لتلبية الحاجيات اليومية. وهذا ما لمسناه من  خلال بحث أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، حيث نجد أن(30 %) من الأسر اضطرت اقتصاديا للخروج للعمل.  وقد تطور الموقف في بعض المدن المغربية إلى درجة تحطيم الحواجز المحروسة كما وقع في أحد أحياء الرباط.
 
-عوامل دينية واجتماعية: "ليلة الهروب الكبير".
بعد الارتفاع المهول الذي عرفه منحى الجائحة خلال شهر يوليوز2021، أصدرت السلطات المختصة قرارا مفاجئا بإغلاق المدن الكبرى، ومن بينها مدينة الدار البيضاء. ولكن، نظرا لتوافق القرار مع عيد الأضحى، هرعت جموع غفيرة من المواطنين، خاصة في الدار البيضاء، الى محطات المسافرين للسفر إلى مناطق أخرى لقضاء شعيرة العيد مع أهلهم وتلبية مطالب العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية. وكان لهذا الحدث انعكاسات سلبية؛ حيث تمت عملية تسريع انتشار الوباء في كل ربوع المملكة مما أحدث رجة الموجة الثانية التي وصل فيها عدد الإصابات إلى المائة ألف مصاب. إضافة إلى ارتفاع عدد حوادث السير.
-عوامل اجتماعية وثقافية.
    في البداية، لا بد من الإشارة إلى ظاهرة أثارت انتباهنا انتشرت في الأحياء الشعبية؛ وتتعلق باحتفاء بعض العائلات مع جيرانهم ومعارفهم، إما بعد إعلان شفاء أحد أعضائها أو أقاربها من العدوى، أو بعد ظهور نتائج سلبية من الفيروس وخروجهم من المستشفى؛ فيهللون برجوعهم. لا يعد هذا الاستقبال مجرد إشهار للبراءة من الوصمة الاجتماعية، وإنما هو كذلك إعلان بإعادة اندماجهم ضمن الجماعة. وقد ساهمت هذه العادات بدون شك، في خلق بؤر وبائية في بعض المناطق من المملكة.
   - فضاءات السكن.
ساهمت فضاءات السكن في بعض الأحياء الهامشية في خرق الطوارئ الصحية أثناء مرحلة الحجر الصحي. 
- نقص التوعية الصحية.
 أدى نقص التوعية الصحية إلى الاستخفاف بخطورة الوباء، كعدم الالتزام بوضع الكمامة، أو وضعها بطريقة غير سليمة.
- الانسياق وراء التفكير القدري.  
-ظهرت في ربوع المملكة فئات اجتماعية لا مبالية بأخطار الوباء مبررة ذلك بالقضاء والقدر؛ مع الانسياق وراء التفكير القدري معززة مواقفها بتصور خاص للدين.
- تدني الوعي الأخلاقي وغياب التربية المدنية.  
ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالات أقل ما يمكن القول عنها أنها تعبير عن تدني الوعي وضعف التربية المدنية، وانعدام المسؤولية الاجتماعية؛ وهي سلوكات وممارسات اجتماعية تدل على مدى الاختلالات التي أصابت البعد القيمي لبعض الأفراد، وهشاشة التربية المدنية، كالاستحمام وسط الشارع العام، والهجوم على سوق الأكباش...الخ. 
- تفشي التفكير الغيبي.
  كما ظهرت على الساحة حالات تبرز مدى تفشي التفكير الغيبي في المجتمع، كظهور حالات الشعوذة والتداوي بالأعشاب والتطبيب التقليدي. مما أدى بوزارة الصحة إلى إصدار بلاغ للتحذير من ذلك بتاريخ 21 أبريل 2020. 
 - عوامل لها علاقة بمدى كفاءة التواصل التوعوي.
      يستلزم التعامل بكفاءة مع الوباء على المستوى التوعوي، تأسيس تواصل فعال لبناء استراتيجية تواصلية تمررعبر وسائط متعددة رسائل ذات مضمون ملائم، مؤثر، هادف، وذي مصداقية؛ بهدف إقناع الأفراد والجماعات بكيفية التعامل مع الجائحة حسب طبيعة المراحل التي تتطور عبرها؛ وتوعيتهم بضرورة احترام الإجراءات الاحترازية. إلى جانب عمليات التحسيس والتربية الصحية.
  •  كما يدخل ضمن وظائف هذه الاستراتيجية التواصلية، امتصاص الصدمات، واحتواء حالات الخوف والهلع والرهاب الاجتماعي؛ ومحاربة الشائعات والمعلومات المزيفة والفكر الخرافي. ويعتبر التواصل الفعال مرتكزا أساسيا في تدبير تأثيرات الجائحة، وذلك على المستويات التالية:
  •  - تحقيق عمليات التحسيس والتربية الصحية؛
  • -تزويد المواطنين بمعلومات وبيانات موثوق بصحتها، تتسم بالوضوح والاختصار والتركيز؛ والالتجاء إلى التوضيح والتفسير كلما دعت الضرورة لذلك؛
  • - تطويق الأخبار الزائفة والشائعات المغرضة التي يتسع انتشارها في حالات الكوارث والأزمات والرد عليها؛ لإن المشكلة تكمن هنا في أنه كلما ازدادت تعقيدات أزمة الوباء، كلما كثرت الشائعات التي يتعرض لها المواطنون.
  • - عوامل وأسباب ترجع إلى التقاليد والأعراف والعادات.
         إذا رجعنا إلى استقراء الوقائع الاجتماعية، ستنتصب أمامنا مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي تبرز بشكل ملموس مدى قوة ضغط التقاليد والعادات وكأنها أكثرإلزاما من القوانين الوضعية والقواعد الطبية الوقائية. يفسر هذا الضغط لماذا تنجذب الكثير من السلوكات والممارسات في اتجاه الطقوس والعادات والتقاليد المألوفة؛ مما أدى إلى انتشار حالات تذبذب السلوكات، واضطراب المواقف التي لها علاقة مباشرة بممارسة الحياة اليومية للأفراد، كالمصافحة، والعناق، والتقارب الجسدي، والتمسك بالعادات والمناسبات العائلية، والمشاركة الجماعية في إحياء الأعياد، وصلاة الجماعة، وصلاة التراويح، والاحتفاء برجوع مصابين من المستشفى بعد إثبات سلامتهم من الفيروس...الخ 
وسنكتفي بذكر بعض الوقائع التي تبرز مدى قوة علاقة التقاليد والعادات بتطبيق القواعد الاحترازية واحترام الطوارئ الصحية.
    نقلت عملية التحول الاضطراري الفرد بكيفية فجائية من مجتمع مبني على علاقات التقارب الجسدي والحميمية والعلاقات الوجاهية...الخ؛ إلى مجتمع يدعو إلى التباعد، وتوسيع المسافة الاجتماعية بين الأفراد، والانتقال من العلاقات المباشرة إلى العلاقات الافتراضية. بل والأكثر من ذلك، فرض المجتمع "الجديد" على الأفراد إعادة تشكيل واقعهم الاجتماعي وحياتهم اليومية ليتلاءما مع مقتضيات قواعد جديدة معززة بقوانين وضعية وطبية؛ ساهمت في عزلة الفرد، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وإلغاء عدد من المناسبات الاجتماعية والدينية والعائلية. 

     تكمن المعضلة المركبة التي يعيشها الفرد في خضم هذه الوضعية، في كونه يعيش وضعية اجتماعية يتنازعها نمطين من المجتمعات، نمط مجتمعي تحكمه التقاليد والأعراف والعادات الاجتماعية، ونمط ثان تحكمه قواعد مقننة بواسطة قوانين وضعية تتضمن أحكاما وإجراءات جزرية تضبط تحركات الفرد وأساليب معاملاته اليومية.  في هذه الوضعية يجد الفرد نفسه داخل حقل، فتتجاذبه قوتان قد تكون فيها الغلبة لجاذبية التقاليد والعادات، ليفيق بغتة مستوعبا عواقب هذا الانجذاب، فيتراجع منتبها إلى ضرورة الحفاظ على قواعد الإجراءات الاحترازية. إنها وضعية تتداخل فيها الحدود بين واقعين اجتماعيين ينتقل الفرد بينهما في نفس اللحظة والآن من موقف إلى آخر.
    عموما، عقدت هذه الوضعية بفرضها قواعد جديدة ذات مصدرين: وضعي وعلمي، مجريات الحياة الاجتماعية واليومية للفرد. كما فرضت عليهم التحولات السريعة ضرورة التكيف للتأقلم مع ضغوطات المخاطر الوبائية. 
      نتج عن هذا الوضع ارتباك آليات الوقاية والاحتراز إزاء حالة الطوارئ الصحية؛ مما أدى إلى ظهور حالات الانفلات تجاه التقيد بالقواعد الوقائية، كوضع الكمامة، والتباعد الاجتماعي...الخ. إلى جانب الاستهانة والاستخفاف بالوباء؛ وذبذب السلوكات والمواقف إزاء التلقيح. 
  لا شك في أن تحقيق الأمن الصحي في زمن الوباء يتطلب تحقيق الانضباط للإجراءات الاحترازية؛ وهو أمر ضروري من أجل تطويق الوباء والحد من انتشاؤه؛ وكل خروج عنه يمكن أن يقوض آليات التوافق والإجماع الوطني. وقد سنت الدولة قوانين أطرت حالة الطوارئ الصحية مدعمة بقوانين رادعة وجزرية منذ بداية ظهور الوباء بداية من شهر مارس 2020.  فهل كان الانضباط شاملا، وهل تحقق التوافق الاجتماعي حول السياسة الصحية للدولة؟

        وتدل هذه الحالات على صعوبات تحقيق الإجراءات الاحترازية؛ وتمثلت في الممارسات المخلة بالانضباط لإجراءات الحجر الصحي. كما لوحظ أن حالات الانفلات واللامبالاة وتذبذب السلوكات والمواقف إزاء حالة الطوارئ الصحية تضاعف عددها خلال بعض المراحل من تطور الوباء بعد الحجر الصحي، خاصة ما تعلق منها بارتداء الكمامة بشكل سليم أو بعدم ارتدائها بالمرة، واحترام الإجراءات الصحية الأساسية، كالتباعد الجسدي، والمصافحة، والانخراط في عملية التلقيح ...الخ. 
وتجدرالإشارة إلى أن هذه المواقف الرافضة تحولت إلى احتجاجات ومظاهرات.
- فكيف يمكن تفسير هذه الاحتجاجات؟ وما دلالتها الاجتماعية؟

     المحور الرابع: الاحتجاجات ضد التلقيح وفرض الجواز 

أولا: إشكالية الالتزام بالانخراط في حملة التلقيح بكل مراحلها

1-   التلقيح بين القبول والرفض

         أحدثت الوضعية الوبائية تغييرات وتحولات فجائية لدى الأفراد، تطورت بالتدريج مع تطور خطورة منحى الوباء، وخلفت مجموعة من الظواهر الاجتماعية غير متوقعة الحدوث؛ خصوصا أثناء بعض المراحل من تطور الوباء. ومن بين أهم هذه الظواهر: ارتباك تحقيق متطلبات الوقاية والاحتراز لدى بعض الشرائح الاجتماعية، كالتباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامة بطريقة سليمة أوعدم ارتداءها بالمرة. إلى جانب تغييب التفكير العقلاني في التعامل مع الوباء، كما لوحظ لدى بعض الشرائح الاجتماعية التي ما تزال تتعامل مع الوباء بتفسيرات إما خرافية، أو دينية، كالميل إلى "تفسير تفشي الجائحة تفسيرا دينيا باعتبارها عقابا وبلاء من الله ".  وكل ذلك رغم تنويع وتكثيف الحملات التواصلية، واستعمال مختلف الوسائل الإعلامية لتوعية المواطنين وتحسيسهم بخطورة الوباء، وبضرورة الالتزام بقواعد الوقاية والاحتراز، وحثهم على المشاركة في حملة التلقيح بكل أطوارها، بما في ذلك الجرعة الثالثة. 
    من المنطقي أن تثير هذه الحالات من الانفلاتات وغياب الانضباط عدة تساؤلات. لكن يبقى التساؤل الأكثر أهمية لأنه يتطلب المزيد من الدراسة والتحليل؛ ويدور حول ظاهرة الاحتجاجات والتظاهرات التي قام بها بعض المواطنات والمواطنين ضد فرض إجبارية جواز التلقيح، بل، والتشكيك في جدوى التطعيم بدعوى خطورة الأعراض الجانبية التي قد يتسبب فيها؛ مع ترجمة مواقفهم عمليا، في شكل احتجاجات وممارسات لمواجهة السياسة الصحية الرسمية؛ كمقاطعة الجرعة الثالثة مثلا. في هذا السياق أكد البروفيسور سعيد متوكل عضو "اللجنة العلمية لمكافحة كوبيد-19"، أن الإقبال على أخذ الجرعة المعززة ما يزال ضعيفا؛ حيث أورد أن نسبة التطعيم بها لم تتجاوز 5 في المائة بالنسبة للفئة العمرية 18 - 39 سنة؛ و30 في المائة فقط، بالنسبة للفئة العمرية 40-  74 سنة؛ و41 في المئة لمن تجاوزوا 75 سنة. وأوضح البروفيسور أن هناك 550 ألف ممن تجاوزت أعمارهم 75 سنة  لم يتلقوا بعد الجرعة المعززة بعد 10 أشهر من تطعيمهم بالجرعة الثانية. 
ومن الملاحظ، أنه بعد أن كان الإقبال على التطعيم في تزايد مستمرفي البداية، عرف تراجعا ملحوظا قبل أن يتسع الطلب عليه من جديد مع فرض جواز التلقيح. لكن ومع ذلك، بقي خارج العملية، لسبب أو لآخر، أعداد كبيرة كما رأينا ذلك سابقا. 
فما الأسباب الكامنة وراء هذه الظواهر التي تحول دون تحقيق المناعة الشاملة، وكيف يمكن فهمها وتفسيرها؟

2- أسباب العزوف عن التلقيح، والاعتراض على الجواز

      لفهم الإشكالية السابقة في شموليتها؛ يقتضي البحث الوقوف على أسباب ومبررات رفض التلقيح والإعراض عن الجرعة الثالثة، وكذا الاحتجاج على جواز التلقيح. 
تبين من مراجعة أهم المبررات المعتمدة من طرف المناهضين لإجبارية التلقيح، والتشكيك في جدواه في الحد من انتشار الوباء؛ أنها تدعم تفسيرها بمبررات عدة، كاستحالة التأكد من نوع وطبيعة الآثار التي قد يخلفها التلقيح مستقبلا؛ وغياب معلومات دقيقة ومضبوطة حول طبيعته، وخطورة المضاعفات الجانبية التي قد تظهر لدى بعض الملقحين، وسرعة تصنيع اللقاح.
إن ما زاد الأمر تعقيدا، وأدخل الوضع الاجتماعي في منعطف جديد، هو انفجار احتجاجات اجتماعية مناهضة لجواز التلقيح؛ وهي احتجاجات تحيل مباشرة على إشكالات قانونية ودستورية وسياسية وأخلاقية بدعوى أن الجواز مخالف للدستور ولحقوق الإنسان.
   لكن هل عرف المغرب أشكالا أخرى من الاحتجاجات لها علاقة بجائحة كورونا-19؟

ثانيا: الاحتجاجات والتظاهرات ضد جواز التلقيح

1- الاحتجاجات زمن كوبيد-19
          نشير بداية إلى أن المغرب عرف ظهور احتجاجات ومظاهرات مع بداية تفشي الفيروس منذ بداية شهر مارس 2020. وهي احتجاجات اتخذت في البداية صبغة دينية، كالاحتجاجات ضد إغلاق المساجد، وقراءة اللطيف، والتضرع إلى الله، وترديد شعارات دينية...الخ. ولكن أعادت مرحلة التلقيح مسألة الاحتجاجات إلى الواجهة، خاصة بعد إعلان إجبارية التلقيح، وفرض الجواز؛ مما حدي بعينات من المجتمع بالخروج إلى الشارع في احتجاجات منظمة من طرف هيآت مدنية وسياسية وقانونية بدعوى حماية المعلومات الشخصية، والدفاع عن الحريات الفردية التي يضمنها الدستور. في نفس الصدد، أصدرت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" بيانا اعتبرت فيه أن الجواز يعد خرقا سافرا "لحقوق دستورية وكونية، وعلى رأسها الحق في حرمة الجسد وضرب حرية التنقل والتجول". 
       هكذا عرف المغرب موجة ثانية من الاحتجاجات ضد اجبارية التلقيح، والتشكيك حول مدى فعاليته، إلى جانب التنديد بفرض جواز التلقيح.
          ولكن هذه المرة، يمكن تحديد الاحتجاجات في مستويين ثنين: يهم المستوى الأول الجدال العلمي؛ حيث اعتمدت الاحتجاجات ضد التطعيم وفرض جواز التلقيح على بعض الآراء العلمية المتعلقة بشروط صناعة اللقاحات، وسرعة تصنيعها، وحدوث مضاعفات عانى منها بعض الأشخاص بعد التطعيم. ويتعلق الثاني بالجوانب القيمية والقانونية والدستورية والسياسية، كاحتجاجات المحامين، ومواقف نائبة برلمانية بعد أن منعت من ولوج البرلمان.
         إن التشكيك في مدى فاعلية التلقيح، والاعتراض على فرض الجواز، وخرق قواعد الإجراءات الاحترازية، كلها عوامل أعاقت بدرجة كبيرة تقدم الاجراءات والعمليات الميدانية المتخذة لمواجهة الجائحة، كالامتناع عن أخذ الجرعة الثالثة، والاحتجاجات ضد فرض الجواز.
1- من الوباء إلى زعزعة الأمن الاجتماعي
       أعاقت هذه المواقف بدرجة كبيرة، تقدم الاجراءات المتخذة لمواجهة الوباء؛ بل أحدثت تفككا اجتماعيا اختل معه توازن الإجماع الوطني الذي يتوقف عليه ربح رهان تحقيق المتطلبات الوقائية بكيفية شاملة وناجعة. إذ من المؤكد أن غياب تحقيق التوافق الاجتماعي، وبدون انخراط الجميع في عمليات التلقيح بمختلف مراحلها، سيتأخر الوصول إلى المناعة الجماعية التي يستلزم تحقيقها ضمان تطعيم نسبة 80 في المائة من الساكنة. علما أنه إلى حدود 10فبراير 2022، ما تزال أربعة ملايين من المغاربة لم يتم تلقيحهم بعد بكيفية كاملة، حسب إحصائيات وزارة الصحة.
          عموما، نلمس من خلال هذه المواقف الرافضة، أن الأمر تجاوز الجوانب المرضية والطبية، ليأخذ منحى تصاعديا عندما تحول إلى مشاكل اجتماعية وسياسية وأخلاقية، ترجمت في شكل حالات من الرفض والاحتجاجات هددت توازن المجتمع واستقراره.
1- كيف كان رد فعل السلطات السياسية على المواقف الرافضة لفكرة جواز التلقيح؟
       يمكن تصنيف ردود فعل السلطات السياسية إلى ثلاث أنواع من الردود: 
-  أولها: تكثيف عمليات التواصل التوعوي بأساليب جديدة بتقديم نصائح وتعليمات في كيفية التعامل مع الجائحة والالتزام بالإجراءات الوقائية. إضافة إلى الحث على إتمام عملية التطعيم، بما فيها الجرعة الثالثة؛ 
ثانيا: تطويق الاحتجاجات ومنع التظاهرات؛
 فقد عرفت المرحلة تشنجات ومنازعات نتجت عنها سلوكات وممارسات ظهرت في شكل عنف وتصادم بين قوات الأمن والمتظاهرين؛

 ثالثا: فرض إجبارية الجوازعلى العاملين في القطاعين العام والخاص.

 فقد جاء رد فعل الحكومة عن طريق توجيه مذكرة تم تفعيلها ابتداء من يوم الإثنين 14 فبراير 2022 لفرض إجبارية الجواز على العاملين في القطاعين العام والخاص الذين سيمنعون من الولوج إلى مقرات عملهم في حالة عدم توفرهم على الجواز؛ مما سيترتب عنه اعتبارهم في حكم المنقطعين عن العمل من طرف المؤسسات المشغلة التابعين لها. وتمت معارضة هذا الموقف من طرف النقابات التي رفضت المس بأجرة الرافضين للجواز .
     إن أهم ما نتج عن هذه الوضعية، هو تفكك الإجماع حول السياسة الصحية الرسمية. إضافة إلى تنظيم احتجاجات ومظاهرات منظمة من طرف بعض الشرائح الاجتماعية، والأحزاب الوطنية، وهيئات المحامين للاحتجاج على فرض جواز التلقيح. 
وفي السياق ذاته، أوردت دراسة أجرتها "الاقتصادي –سينيرجيا"  رفض 53 في المائة من المبحوثين  لجواز التلقيح، 74في المائة منهم، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة. وتمثل هذه النسبة أكثر من نصف المبحوثين.
     عموما، تدفعنا معطيات البحث إلى الأخذ بفكرة أساسية مؤداها: أن وضع استراتيجيات لمواجهة تأثيرات الجائحة، وفهم حجم تأثيراتها السلبية وتطويقها، سيكون عديم الفائدة، إذا لم يكن مسنودا براسات علمية لعلاقة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية بالوضعية الوبائية: كحجم تأثيرات الجائحة على المجتمع والأفراد، وتمثلات الأفراد لمدى خطورتها، وفهم علاقتها بالآثار السلبية المترتبة عنها، واقتناعهم بدورهم في كيفية التعامل معها وإمكانية مقاومتها. وتحديدا معرفة أسباب تردد وإحجام شرائح اجتماعية عريضة عن الانخراط في السياسة الصحية للدولة.
 خلاصة
       حاولنا في هذه الدراسة تسليط الضوء على علاقة المجتمع المغربي بالجائحة لا من منطلق تقديم حصيلة لما خلفه الوباء من تأثيرات على المجتمع، وإنما كان هدفنا هو معرفة كيف أثرت الجائحة على المعيش اليومي للمغاربة، وما مدى التأثيرات التي أحدثتها عل اتجاهات وممارسات وتمثلات الأفراد، وكيف كانت ردود أفعالهم وتصرفاتهم حيالها؛ خاصة على مستوى كيفية تدبير علاقتهم بالوباء من حيث الاحتراز والانضباط للقواعد الوقائية من ناحية؛ وكيف كانت مواقفهم تجاه السياسة الصحية للدولة، بما في ذلك المواقف من التلقيح وفرض الجواز من ناحية ثانية.
      لفهم الوضعية في شموليتها، استعرضنا المعالم الرئيسية للمجتمع المغربي الذي تحول إلى مجتمع جائح. وهو مجتمع في طور التحول، دفعت به الجائحة لمعايشة أحداث وظواهر مست تأثيراتها المجتمع والأفراد على السواء؛ بل ساهمت في إحداث انشقاقات وتوترات في المجمع؛ أبرزها معارضة السياسة الصحية الرسمية من قبل بعض الشرائح الاجتماعية برفضهم الانخراط في عملياتها؛ خاصة ما يتعلق منها بفرض التطعيم، وجواز التلقيح. إذ رغم سن الدولة لقوانين الطوارئ الصحية، فإن الانضباط لم يكن شاملا، ولا كانت القوانين رادعة؛ بل ظهرت حوادث وممارسات تنم عن ضعف الوعي بخطورة الوباء، وعدم الاكتراث بالاحترازات الوقائية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف تطورت مع فرض التلقيح لتتخذ شكل احتجاجات ومظاهرات معارضة لفرض جواز التلقيح؛ كان من أبرز نتائجها اختلال التوافق الاجتماعي، وإثارة قلاقل وانشقاقات في المجتمع؛ مما كان له تأثيرات بارزة على تحقيق متطلبات الأمن الصحي.
    في نفس السياق، أوضحت الدراسة أن تحقيق الأمن الصحي في زمن الوباء يتطلب تحقيق الانضباط للإجراءات الاحترازية والانخراط في التلقيح؛ وهي أمور ضرورية من أجل تطويق الوباء والحد من انتشاؤه، وكل خروج عنها يمكن أن يقوض آليات تحقيق المناعة الجماعية. ولكن، وكما بينا في الدراسة، فإن ربح هذا الرهان يتطلب مبدئيا اقتناع المواطنات والمواطنين بمصداقية السياسة الصحية؛ مما يستلزم القيام بدراسات علمية لفهم علاقة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية بالوضعية الوبائية: كحجم تأثيرات الجائحة على الأفراد، وتمثلاتهم لمدى خطورتها، وأسباب عدم التزامهم بالإجراءات الصحية الوقائية. وأخيرا، معرفة أسباب تردد وإحجام شرائح اجتماعية عريضة عن الانخراط في السياسة الصحية للدولة. 

    وقد أكدت نتائج الدراسة على أن هناك علاقة مباشرة بين حالات خرق الطوارئ الصحية، وغياب الاهتمام بدور الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية في محاربة الوباء. كما أظهرت نفس الدراسة، أن دور هذه الأبعاد، يعتبر دورا مركزيا في فهم ومتابعة 
أسباب رفض التلقيح والاحتجاج على الجواز. وسبق ان استعرضنا أهم المبررات التي تم الدفع بها إلى الواجهة من قبل الرافضين، كالتخوف من الأعراض الجانبية للتلقيح، والأخطار التي يمكن أن تنتج عنه نظرا لسرعة تصنيعه؛ إضافة إلى المبررات القانونية والأخلاقية والدستورية. وهي مبررات يرجع أغلبها إلى غياب أو ضعف اقتناع المواطنات والمواطنين بمدى فعالية السياسة الصحية المتبعة من جهة؛ والتشكيك في صحة المعلومات المقدمة لهم من جهة ثانية؛ وهي أمور تتطلب معالجتها حسن استثمار الأبعاد الاجتماعية والقيمية والثقافية لتبديد مخاوفهم، وتعديل خبراتهم السابقة، وطريقة تقييمهم لأخطار الوباء. إلى جانب تغيير أسلوب إدراكهم بمدى أهمية التقيد بالإجراءات الاحترازية والبروتوكول الصحي المعمول به، بما في ذلك أخذ التلقيح؛ من أجل تحصين أنفسهم وحماية ذويهم والأفراد الآخرين.

   وعموما، وكما جاء ذلك في الدراسة، فإن محاربة الوباء لا تعتمد فقط على التدخل الطبي والعلاجي، بل تتطلب كذلك الاستعانة بنتائج الدراسات الاجتماعية، كعلم الاجتماع الطبي، وعلم النفس الطبي، والأنتربولوجية الصحية؛ وذلك من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح في عمليات التدخل الصحي والوقائي. خاصة في مجالات التوعية الصحية الوبائية، وحث الساكنة على الانضباط للقواعد الاحترازية.

    وأخيرا، نتوخى من الدراسة إبراز مدى أهمية دور الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقيمية في فهم علاقة المجتمع بالجائحة من جهة؛ ومركزية دورها في إنجاح السياسة الصحية، كالانضباط للإجراءات الاحترازية، والإقبال على التلقيح من جهة ثانية.  لكن ما يبدو من الدراسة، أن جانبا كبيرا من المشاكل المتعلقة بالموقف السلبي من السياسة الصحية زمن الوباء، يرجع إلى غياب الاختصاصيين في العلوم الاجتماعية والنفسية، بما في ذلك علم الاجتماع، ضمن الهيآت العلمية الرسمية لمحاربة الوباء، ك "اللجنة العلمية الخاصة بكورونا-19"، و"المركزالوطني لعمليات الطوارئ العامة" بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية. 
    وفي ضوء ذلك، ترجو الدراسة الحالية أن يستفيد المسؤولين من نتائجها في محاربة الوباء، والعمل على إدماج العلوم الاجتماعية والنفسية وعلم الاجتماع ضمن برامج السياسة الصحية واستراتيجيات مواجهة الجائحة.

يعتبر هذا البحث جزء من دراسة حول الجائحة سينشر لاحقا. *

المراجع

  • المراجع بالعربية 
  •  -حفيظ هروس وآخرون، الزمان الوبائي: دراسات في: الدين والفلسفة والفكر، 2020. أكادير: مؤسسة دار العرفان للنشر،2020
  • -د. الهروي، الهادي، كورونا فيروس، الاحتجاج، زمة الهويات وآفاق تغيير البنيات الاجتماعية، ط 1. 2021 
  • -لوبيرتون، دابيد، سوسيولوجيا الجسد، ترجمة عياد أبلال و إدريس المحمدي. القاهرة: روافد للنشر والتوزيع. ط2014،1 
  • -د. بن التهامي عبد القادر، "تدبير الحكومة للجائحة الصحية كوفيد19 المحددات الإستراتيجية وخلفيات التدافع الحزبي"، تطوان، مكتبة سلمى، الطبعة الأولى2021 
  • -أيتلحو،إدريس وبلعضيش، سعيد، وآخرون، الوباء في المدينة من منظورسوسيولوجيا الفعل، ط2020،1
  • -أومليل، علي وآخرون، العالم ما بعد كورونا رؤى مستقبلية، ط1، 2021 الدارالبيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي،2021
  • - البزاز محمد الأمين، تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: رسائل وأطروحات رقم 18. سنة 1992. 
  • -موشي زدنروجيرالد ما ثيوس، القلق، سلسلة عالم المعرفة 437  الكويت ، المجلس الوطن للثقافة والفنون والآداب"2016"
  • المجلات
  • مجلات أصدرت أعداد خاصة بجائحة كوبيد-19، أو تضمنت مقالات مهمة 
  • حول الجائحة: 
  • -مجلة "عمران"، المجلد 9، لعدد 36، "ربيع 2021"
  • -مجلة "تبيين"، المجلد التاسع، العدد 35، "شتاء 2021"
  • -مجلة "اتجاهات الأحداث"، العدد32، صيف-خريف "2020"
  • -مجلة "باحثون" المجلة الغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 12، 
  • أكتوبر-دجنبر"2020"
  • -أ.د.هناء أحمد شويخ، "الفروق بين المتعافين من فيروس كوبيد-19 والأصحاء في بعض المتغيرات النفسية" مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 131 نوفمبر- دسمبر"2021" 
  • مجلة "زمان"، "عندما أهلكنا الجوع"، العدد76K  فبراير2020
  • مجلة "السياسية الدولية"، العدد 222، أكتوبر2020
  • المنشورات الإلكترونية
  • - المملكة المغربية "البوابة الرسمية لفيروس كورونا المغرب" 
  • د.أسماء حسين ملكاوي وزملائها، أزمة كورونا وانعكاساتها على علم الاجتماع والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، الموقع الإلكتروني، www.qu.edu.qa/ar/research/IbnKhaldon
  •    -حسن رشيق، كيف تغير جائحة كورونا نمط الحياة وعادات المغاربة، حوار نشر على موقع: "قنطرة" أبريل 2020 الموقع الإلكتروني: 
  • https://ar.qantara.de/content
  •        أحمد زايد: عالم اجتماع يتساءل: هل سيعزز كورونا تفكيرنا النقدي؟ 
  • www.independentarabia.com
  •           
  • خالد أبو دوح، كيف يفهم علم الاجتماع وباء الكورونا؟
  •     academia.ed

  • المراجع بالفرنسية
  • Livres
  •  - Richard Boyer, sur L’approche épidémiologique en Sciences sociale et humaines,in,Problèmes Sociaux, Tome1 Theories et Méthodologies , sous dir,Henri Dorvil et RobertMayer,Presse de L’Univversité du Québec,Québec,ed 2009,p,446
  • -Patrik Peretti-Watel,La société du risque,Paris,La découverte,coll Repères,2001
  • -François Dubet,Sociologie de l’expérience,Paris,Seuil,1994 
  • Revues
  • -Laurent Testot, ce que les épidémies font au sociétés,revue Sciences Humaines,coll, les Grants Dossiers" Soigner, une sciences humaine",numéro 53 ,2019
  • -Revue « zamane » notre longue Histoire avec les épidémies, numero113,avril 2020
  • -Catherine Portevin , vivons-nous à l’ère de la biopolitique, revue « philosophie magazine » numéro 144, novembre 2020, p 28-33

       

   
     

  
 


      

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات