![]() |
| ابن خلدون |
كيف تنبأ عالم من القرن الرابع عشر بصعود السعودية الحديثة؟ 3 دروس مدهشة من ابن خلدون
يُخيّل للكثيرين أن التاريخ غبار متراكم في كتب منسية، لكن ماذا لو كانت القوانين التي حكمت صعود وسقوط الإمبراطوريات قبل قرون لا تزال تشكّل مصائرنا اليوم؟ هل يمكن لأفكار عالم عاش قبل 700 عام أن تشرح ديناميكيات دولة معاصرة مثل المملكة العربية السعودية؟ الإجابة قد تكون مدهشة.
ابن خلدون، أحد العقول المؤسسة لعلم الاجتماع، لم يكن مجرد مؤرخ يسرد الوقائع، بل كان عالماً يحلل القوانين التي تحكم صعود وسقوط الأمم. "سننه الاجتماعية" ليست نظريات قديمة، بل هي أدوات تحليلية فعالة لفهم استقرار الدول وقوتها. هذا المقال سيستعرض ثلاثاً من أبرز "سنن" ابن خلدون ويكشف كيف تتجلى بوضوح في تاريخ المملكة العربية السعودية وحاضرها، مما يثبت أن فكره ليس "فكراً ماضياً، بل هو نظرية فاعلة وقادرة على تفسير الواقع".
1. العصبية الدينية: الوصفة السحرية لبناء الأمم
"العصبية" هي أحد أهم المفاهيم التي صاغها ابن خلدون، وهي تمثل روح الجماعة القوية أو التضامن الاجتماعي الذي يسمح لمجموعة ما بالدفاع عن نفسها وتحقيق الغلبة والسيادة. لكن النقطة الجوهرية التي توصل إليها هي أن العصبية القبلية القائمة على النسب وحدها لا تكفي لتأسيس دولة مستقرة. فهي تحتاج إلى "صبغة دينية" لتوحيد القلوب، وإزالة التنافس والأحقاد، وإعطاء هدف أسمى تتجه إليه كل القوى.
وهنا يتجلى التطبيق الأكثر كمالاً ودراماتيكية لنظرية ابن خلدون في تاريخ الجزيرة العربية. فالتحالف التاريخي الذي عُقد عام 1744م بين الإمام محمد بن سعود، صاحب القوة العسكرية والعصبية القبلية في الدرعية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، صاحب الدعوة الدينية الإصلاحية، لم يكن مجرد اتفاق سياسي. لقد كان تجسيداً مثالياً لقانون ابن خلدون، حيث امتزجت قوة العصبية بقوة العقيدة، فتوحدت القبائل المتفرقة تحت راية واحدة وهدف مشترك.
"لم يحصل للعرب الملك إال بصبغة دينية من نبوة أو والية أو أثر عظيم من الدين على الجملة."
إن الجمع بين الهوية والانتماء المشترك (العصبية) والرؤية الموحدة (الدين) يظل مكوناً أساسياً لتماسك الدول وقوتها، وهو درس خلدوني نرى صداه يتردد حتى اليوم. لكن بناء الدولة لا يقتصر على العقيدة والولاء فقط، بل يتشكل أيضاً بالقوى الصامتة للطبيعة نفسها، وهو ما يقودنا إلى سنة ابن خلدون الثانية.
2. الجغرافيا تشكل الشخصية: لماذا تخلق البيئة القاسية شعوباً صلبة؟
رأى ابن خلدون أن للبيئة الجغرافية تأثيراً عميقاً على طباع البشر وأخلاقهم. فبحسب نظريته، سكان المناطق الوعرة والصعبة، مثل الجبال والصحاري، يكونون أكثر شجاعة وقوة وصلابة من سكان المدن المنعّمين. والسبب بسيط: حياتهم القاسية تجبرهم على الاعتماد على أنفسهم في الدفاع والبقاء، مما يصقل فيهم خصال القوة والبسالة.
تُعد منطقة عسير في جنوب المملكة دراسة حالة مثالية لهذه النظرية. فطبيعة المنطقة الجبلية الوعرة لم تكن مجرد عائق جغرافي، بل كانت بمثابة البوتقة التي صهرت شخصية سكانها. هذه التضاريس الصعبة شكلت درعاً دفاعياً طبيعياً، وساهمت في صمودهم ومقاومتهم الشرسة للحملات العثمانية المتكررة. والأهم من ذلك، أنه بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، أصبحت عسير هي القوة الأخيرة للمقاومة للعثمانيين في المنطقة، مما يثبت كيف أن هذه الصلابة الجغرافية عززت لديهم روح الاستقلالية والاعتماد على الذات في أحلك الظروف. وليس من قبيل المصادفة أن اسم "عسير" نفسه مشتق من "العسر" أو "الصعوبة"، مما يعكس قسوة طبيعتها وصلابة أهلها.
"أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر."
تتحدى هذه الفكرة النظرة السائدة التي قد ترى البيئات الصعبة كعامل ضعف، بينما يراها ابن خلدون مصدراً للقوة والتماسك الاجتماعي. وإذا كانت الجغرافيا تشكل صلابة الشعوب، فإن العدالة هي التي تضمن بقاء الدول واستقرارها، وهو ما ينقلنا إلى القانون الخلدوني الثالث والأكثر أهمية في عصرنا.
3. الظلم نذير الخراب: كيف تكون مكافحة الفساد أساس استقرار الدولة؟
"الظلم مؤذن بخراب العمران"؛ هذه إحدى أقوى وأهم "سنن" ابن خلدون. لقد أدرك أن الظلم، وخاصة الفساد المالي والإداري والاستيلاء على أموال الناس، ليس مجرد مشكلة أخلاقية، بل هو عامل هدم مباشر للدولة. فالظلم يدمر الحافز لدى الناس للكسب والعمل، ويؤدي إلى "انقباض أيديهم عن السعي"، مما يسبب "كساد الأسواق"، وانهيار الاقتصاد، وتفكك المجتمع في نهاية المطاف.
هذا القانون ليس مجرد تحذير أخلاقي، بل هو تحليل اقتصادي واجتماعي دقيق، وقد أدرك مؤسس الدولة السعودية الحديثة هذه الحقيقة بالفطرة. أرسى الملك عبد العزيز آل سعود قواعد العدل والمساواة منذ بداية تأسيس الدولة، وكانت سياسته قائمة على التواصل المباشر مع الناس عبر المجالس المفتوحة، لضمان تحقيق العدالة ومنع تجاوزات المسؤولين.
"لا كبير عندي إلا الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا ضعيف عندي إلاالظالم حتى آخذ الحق منه."
واليوم، يتجسد هذا الفكر الخلدوني بوضوح في رؤية المملكة 2030، التي جعلت من الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد مرتكزات أساسية. إن إنشاء هيئة الرقابة ومكافحة الفساد "نزاهة" ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تطبيق عملي حديث لفهم ابن خلدون العميق بأن العدل ومحاربة الظلم هما أساس ديمومة الدولة وازدهارها. في عصرنا الحالي، لم تعد مكافحة الفساد مجرد شعار، بل أصبحت استراتيجية وجودية للحفاظ على استقرار الدول ونموها.
هكذا، نرى خيوط العبقرية الخلدونية منسوجة في نسيج التاريخ السعودي: من شرارة العقيدة التي وحدت العصبية، إلى صخور الجبال التي صقلت العزيمة، وصولاً إلى ميزان العدل الذي يضمن البقاء.
هذه الأفكار ليست مجرد حواشٍ في كتب التاريخ، بل هي قوانين اجتماعية حية نرى تطبيقاتها اليوم في مسيرة المملكة العربية السعودية، مما يثبت العبقرية الخالدة لرؤيته.
وإذا كانت هذه السنن القديمة لا تزال تحكم مصائر الأمم بهذا الوضوح، فما هي الدروس الأخرى التي يخبئها لنا التاريخ لمواجهة تحديات المستقبل؟
إعداد: الباحثة/ خلود بنت محسن القثامي (1)، الباحثة/ بيان بنت حامد الحربي (2)، الباحثة/ مها بنت عطا الله الروقي (3)، الدكتورة/ رجاء طه القحطاني (4)
باحثة دكتوراه علم اجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، المملكة العربية السعودية (3,2,1)
أستاذ علم الاجتماع المشارك، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، المملكة العربية السعودية (4)
باحثة دكتوراه علم اجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، المملكة العربية السعودية (3,2,1)
أستاذ علم الاجتماع المشارك، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز، المملكة العربية السعودية (4)

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة