📁 آخر الأخبار

روجي لوتورنو وسوسيولوجيا المدينة المغربية: تحليل معمق للنسيج الحضري والتحولات السياسية ونقد المعرفة الكولونيالية

سوسيولوجيا المدينة المغربية

سوسيولوجيا المدينة المغربية

روجي لوتورنو وسوسيولوجيا المدينة المغربية: تحليل معمق للنسيج الحضري والتحولات السياسية ونقد المعرفة الكولونيالية

يُعد النتاج العلمي للمؤرخ والسوسيولوجي الفرنسي روجي لوتورنو (1907-1971) محطة مفصلية في تاريخ البحث الأكاديمي حول المغرب وشمال أفريقيا، حيث يمثل جسراً انتقالياً بين الاستشراق الكلاسيكي والسوسيولوجيا الحضرية الحديثة. إن لوتورنو، الذي قضى جزءاً كبيراً من حياته المهنية في قلب المؤسسات التعليمية والبحثية في فاس وتونس والجزائر، لم يكن مجرد مراقب خارجي، بل كان باحثاً ميدانياً انغمس في النسيج الاجتماعي للمدينة المغربية، محاولاً فهم آليات اشتغالها الداخلي بعيداً عن الصور النمطية السطحية.1 يركز هذا التقرير على تحليل المسار الفكري لروجي لوتورنو، مع التركيز بشكل خاص على دراسته الرائدة لمدينة فاس، ومساهمته في فهم التطور السياسي لشمال أفريقيا، وكيفية إعادة قراءة أعماله ضمن سياق نقد السوسيولوجيا الكولونيالية من قبل الباحثين المغاربة المعاصرين.

السياق التاريخي والتكوين الأكاديمي لروجي لوتورنو

وُلد روجي لوتورنو في باريس في 2 سبتمبر 1907، وتلقى تعليماً نخبوياً في أرقى المؤسسات الفرنسية، حيث تخرج من مدرسة الأساتذة العليا (École Normale Supérieure) في عام 1927، وحصل على التبريز في الآداب عام 1930.2 هذا التكوين الأكاديمي الرصين منحه الأدوات المنهجية واللغوية الضرورية للتعامل مع المجتمعات المغاربية بعمق تاريخي وفلسفي.

بدأت رحلته الطويلة مع شمال أفريقيا في عام 1930 عندما تم تعيينه مدرساً في ثانوية مولاي إدريس بفاس، وهي المؤسسة التي كانت تُعد مشتلاً للنخبة المغربية.2 خلال سنواته العشر في فاس، لم يكتفِ لوتورنو بالتدريس، بل شرع في دراسة مكثفة للغة العربية والدارجة المغربية والمجتمع المغربي تحت إشراف المستشرق الفرنسي الكبير إيفاريست ليفي بروفنسال.2 هذا الانخراط الميداني سمح له ببناء معرفة مباشرة وحميمية بالمدينة وسكانها، وهي المعرفة التي شكلت أساس أطروحته للدكتوراة "فاس قبل الحماية".2


المرحلة الزمنية

المؤسسة / الموقع

الدور المهني

التركيز البحثي / الإنجازات

1930 - 1941

ثانوية مولاي إدريس، فاس

مدرس، ثم مدير

دراسة المجتمع الفاسي، تعلم العربية 2

1941 - 1943

تونس

مدير التعليم العموم والفنون الجميلة

الإدارة التعليمية في تونس 2

1943 - 1947

فرنسا

التدريس والمقاومة

المشاركة في المقاومة الفرنسية ضد الألمان 2

1947 - 1957

جامعة الجزائر

أستاذ التاريخ الإسلامي

دراسة الحركات القومية في شمال أفريقيا 2

1957 - 1971

جامعة إيكس أون بروفانس، فرنسا

أستاذ باحث

تأسيس مجلة الغرب المسلم والبحر المتوسط 4

1958 - 1970

جامعة برينستون، الولايات المتحدة

أستاذ زائر (دوري)

نشر المعرفة حول شمال أفريقيا دولياً 1

لقد تميز مسار لوتورنو بالتنقل المستمر بين بلدان المغرب العربي الثلاثة، مما منحه رؤية مقارنة فريدة. فمن فاس إلى تونس ثم الجزائر، استطاع مراقبة صعود الحركات الوطنية وتطور البنى الاجتماعية تحت وطأة الاستعمار، وهي الخبرات التي صبها في كتابه الشهير "التطور السياسي لأفريقيا الشمالية المسلمة".2

تشريح مدينة فاس: إعادة بناء سوسيو-اقتصادية لمرحلة ما قبل الحماية

يُعتبر كتاب "فاس قبل الحماية: دراسة اقتصادية واجتماعية لمدينة من الغرب المسلم" (1949) العمل الأكثر شمولاً وتأثيراً لروجي لوتورنو. في هذا العمل، الذي يقع في أكثر من ألف صفحة، يقدم لوتورنو دراسة مجهرية للمدينة كنسيج حي، متجاوزاً التركيز التقليدي على الآثار والحروب ليشمل الحياة اليومية، والنظم الاقتصادية، والتراتبية الاجتماعية.5

النسيج الحضري والتركيبة السكانية

يوضح لوتورنو أن مدينة فاس قبل الحماية كانت تمثل المركز الروحي والديني والسياسي والاقتصادي للدولة المغربية.6 المدينة كانت مقسمة تاريخياً إلى كتلتين رئيسيتين: "مدينة فاس" على الضفة اليمنى و"فاس العليا" على الضفة اليسرى، وهو تقسيم يعكس جذوراً إثنية بين العرب والبربر تطورت مع الزمن لتصبح تقسيماً اجتماعياً ولغوياً ومكانياً.7

يشير لوتورنو إلى أن فاس شهدت تحولاً ديموغرافياً كبيراً بين القرنين الثامن والسابع عشر، حيث استقبلت موجات من المهاجرين من القيروان وتلمسان والأندلس.8 هؤلاء المهاجرون لم يجلبوا معهم القوة البشرية فحسب، بل جلبوا تقنيات حرفية، ونظماً أخلاقية، وفنوناً، ومؤسسات حضرية، وخبرة في الحياة المدنية لم يكن لدى السكان الأصليين إلا فكرة جزئية عنها.8 هذا الامتزاج خلق "النخبة الفاسية" التي تميزت بشعور قوي بالتفوق الثقافي والحضاري مبرر بمستوى المؤسسات والعلوم التي احتضنتها المدينة.7

النظام الاقتصادي والشركات المهنية

ركز لوتورنو بشكل خاص على سوسيولوجيا المهن والحرف، معتبراً أن "سوق فاس" هو المحرك الأساسي للمدينة. لقد درس بالتعاون مع لوسيان باي "شركة الدباغين"، موضحاً كيف كانت هذه الهيئات المهنية تنظم الإنتاج وتوزع الثروة وتحافظ على التقاليد الحرفية.9 الاقتصاد الحضري كان محكوماً بنظم صارمة، حيث تتوزع الأسواق بشكل هرمي يبدأ من المسجد الجامع (القرويين) في قلب المدينة ويمتد نحو الأبواب.9


المكون الاقتصادي/الحضري

الخصائص الوصفية حسب لوتورنو

الأهمية السوسيولوجية

أسواق فاس

تنظيم هرمي وتخصص مكاني حسب نوع الحرفة.9

تعزيز الروابط الاجتماعية داخل الطوائف المهنية.9

شركة الدباغين

نموذج للتعاونية المهنية التقليدية ذات القواعد الصارمة.10

الحفاظ على الهوية الحرفية والسر المهني.10

التجارة الدولية

روابط مع مراكز تجارية في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.6

انفتاح النخبة التجارية الفاسية على العالم الخارجي.6

الصناعة التقليدية

إنتاج يعتمد على أدوات تقليدية ومهارات متوارثة.10

تمثيل "الأصالة" المغربية في المعارض الدولية الكولونيالية.10

كان لوتورنو يرى أن الحرفيين الفاسيين يمثلون قمة الهرم المهاراتي في المغرب، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا يواجهون صعوبات في التكيف مع أساليب العمل الأوروبية التي بدأت تفرضها الحماية.11 هذا التوتر بين التقليد والتحديث كان أحد المحاور المركزية في تحليله للتحولات الاقتصادية.

الحياة الفكرية والدينية: القرويين كمركز للعالم

في الجزء الثاني من دراسته، يستعرض لوتورنو الحياة الفكرية والدينية، مؤكداً على دور جامعة القرويين كعاصمة علمية للمغرب.5 يصف لوتورنو حياة الطلاب (الطلبة) الذين كانوا ينقسمون إلى "فاسيين" (أبناء المدينة) و"أفاقيين" (الوافدين من البادية والمدن الأخرى).12 هذا التقسيم لم يكن جغرافياً فحسب، بل كان يعكس أيضاً تمايزات في السكن، حيث كانت المدارس (مثل مدرسة الصفارين) تؤوي الطلاب بناءً على انتماءاتهم القبلية أو المناطقية.12

كان المنهج التعليمي في القرويين يركز على إحدى عشرة مادة علمية، على رأسها الحديث والفقه والمنطق، وكان لوتورنو يرى أن هذا النظام التعليمي، رغم رصانته، كان يميل نحو التقليد واستبعاد البرهنة العقلية وحرية الفكر، معتبراً أن كل "إبداع" كان يُنظر إليه كـ "بدعة" في المنظور المعياري السائد آنذاك.12

المنهجية السوسيولوجية والابتكار في دراسة النخبة الفاسية

يحتل لوتورنو مكانة فريدة في تاريخ السوسيولوجيا المغربية، حيث يعتبره باحثون معاصرون مثل نور الدين الزاهي أحد أعمدة "السوسيولوجيا الكولونيالية" التي مهدت الطريق لفهم بنية المجتمع المغربي لخدمة أغراض الإدارة الاستعمارية.13 ومع ذلك، فإن منهجية لوتورنو تميزت بنوع من "الاستبصار السوسيولوجي" الذي تجاوز في كثير من الأحيان الأطر الإيديولوجية الضيقة.

تجاوز نمطية العزلة والحجاب

أحد أهم الابتكارات المنهجية في أعمال لوتورنو هو تحليله لمكانة المرأة والحياة الأسرية في فاس. فعلى عكس الصور النمطية الاستشراقية التي كانت تصور المرأة المغربية كمجرد كائن معزول ومضطهد، لاحظ لوتورنو أن النساء في البرجوازية الفاسية يتمتعن بـ "حرية حركة نسبية" داخل وخارج المنزل.15 كما أكد على "سيادتهن كمالكات للعقارات"، مما يعكس استقلالاً اقتصادياً لم يكن معروفاً في كثير من المجتمعات الأوروبية آنذاك.15

كان لوتورنو يرى أن الأسرة الفاسية ليست مجرد وحدة بيولوجية، بل هي مؤسسة ثقافية معقدة حيث يلعب "الحياء" و"التقاليد" دوراً محورياً في توجيه السلوك.15 وقد استطاع اختراق جدران البيوت الفاسية من خلال ملاحظاته الدقيقة للطقوس المتعلقة بالولادة والختان والزواج، معتبراً أن هذه الطقوس هي التي تمنح المدينة هويتها الروحية والاجتماعية الفريدة.15

مفهوم "العقلية" والتراتبية الاجتماعية

استخدم لوتورنو مفاهيم سوسيولوجية مثل "العقلية" (Mentality) لوصف التوجهات السلوكية للفاسيين، رابطاً بين المكانة الاجتماعية والسلوك اليومي.15 كان يرى أن النخبة الفاسية طورت "شخصية جوهرية" تتميز بالانفتاح التجاري والتحفظ الديني في آن واحد.15


المفهوم السوسيولوجي

تطبيق لوتورنو في سياق فاس

الدلالة والنتائج

البرجوازية الحضرية

دراسة العائلات التي تمتلك الثروة والنسب العلمي.15

تحديد الطبقة القائدة في المجتمع المغربي التقليدي.15

الثنائية المكانية

تحليل التمييز بين "التحت" و"الفوق" في جغرافية المدينة.7

ربط المكانة الاجتماعية بموقع السكن داخل المدينة العتيقة.7

التنشئة الاجتماعية

وصف طرق تربية الأطفال في البيوت والمسيد.12

فهم كيفية إعادة إنتاج النخبة الفاسية لنفسها.12

الرأسمال الرمزي

دور العلم والدين في منح المكانة الاجتماعية.5

القرويين كمصدر للشرعية السياسية والاجتماعية.5

هذه المقاربة المنهجية، التي تمزج بين الوصف الإثنوغرافي والتحليل السوسيولوجي، جعلت من أعمال لوتورنو مرجعاً لا غنى عنه حتى للباحثين المغاربة الذين انتقدوا لاحقاً منطلقاته الاستعمارية.3

التطور السياسي لشمال أفريقيا والحركات الوطنية

انتقل لوتورنو في مرحلة متأخرة من مساره من التاريخ الحضري إلى التحليل السياسي المعاصر. كتابه "التطور السياسي لأفريقيا الشمالية المسلمة (1920-1961)" يمثل محاولة طموحة لمقارنة مسارات الاستقلال في المغرب وتونس والجزائر.4

دور النخبة البرجوازية في الحركة الوطنية

طرح لوتورنو أطروحة مركزية مفادها أن الحركات الوطنية في المغرب وتونس كانت تقودها "نخب برجوازية" تلقت تعليماً فرنسياً وكان لديها ممتلكات تحرص على حمايتها، مما جعلها تميل نحو الحلول السياسية المعتدلة والتفاوض.17 في المقابل، رأى أن الثورة الجزائرية كانت مختلفة منذ بدايتها، حيث اتسمت بطابع راديكالي وشعبي نابع من غياب نخبة برجوازية وطنية قوية قادرة على لعب دور الوسيط مع السلطة الاستعمارية.1

يشير لوتورنو إلى أن هذه النخبة المغربية، التي تخرجت من مدارس مثل ثانوية مولاي إدريس، كانت مستثمرة بعمق في الشؤون الأوروبية وتبنت خطاباً حداثياً يطالب بالمساواة في الحقوق والوصول إلى المهن العلمية والتقنية (الطب، الهندسة، المحاماة).19 هذا التوجه خلق نوعاً من "الوطنية البرجوازية" التي سعت إلى بناء دولة حديثة مع الحفاظ على المقومات التقليدية للهوية المغربية.19

التوتر بين العلماء والقوميين

حلل لوتورنو أيضاً العلاقة المعقدة بين السلطة الدينية (العلماء) والحركات القومية الحديثة. في الجزائر، على سبيل المثال، لاحظ التنافس بين "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي كانت تسعى لإصلاح المجتمع من منظور ديني وسلفي، وبين الأحزاب القومية مثل حزب الشعب الجزائري (PPA-MTLD) الذي كان يتبنى خطاباً سياسياً راديكاليًا.21

كان العلماء يربطون السياسة بقيادتهم الروحية ويسعون لتطهير "الأمة" من البدع وعبادة الأولياء، بينما كان القوميون يركزون على بناء مؤسسات الدولة والعمل السياسي المؤسساتي.21 هذا الصراع حول "الشرعية الثقافية والروحية" كان أحد المحركات الأساسية للتحولات الاجتماعية في المنطقة خلال فترة الخمسينيات.21

التعليم، اللغة، وإنتاج "الرأسمال الثقافي"

كان لوتورنو فاعلاً رئيسياً في المنظومة التعليمية الكولونيالية، وهو ما سمح له بملاحظة كيفية تشكل النخبة المغربية من الداخل. لقد كانت اللغة الفرنسية هي الأداة الرئيسية للحراك الاجتماعي والوصول إلى سوق الشغل والوظائف الإدارية والتجارية المربحة.22

سوق اللغة وتكريس التمايز

يشرح لوتورنو كيف أصبح الوصول إلى التعليم الفرنسي مرتبطاً بالحصول على "رأسمال رمزي واقتصادي وثقافي".22 حتى بعد الاستقلال في عام 1956، استمرت اللغة الفرنسية في كونها لغة الإدارة والاقتصاد، بل إنها حققت قبولاً وانتشاراً أوسع مما كانت عليه خلال فترة الحماية.22

يرى الباحثون الذين حللوا أعمال لوتورنو من منظور بورديو (Bourdieu) أن النظام التعليمي خلق "سوقاً لغوياً" حيث أصبحت الفرنسية لغة الحداثة والعلوم والتحرر الاجتماعي، بينما بقيت العربية مرتبطة بالوظائف التقليدية والدينية.22 هذا الازدواج اللغوي أدى إلى تشكل أسواق لغوية متعددة في المغرب، مما عزز التمايزات الطبقية بين النخبة "المفرنسة" والجماهير العريضة.22

جمعيات قدماء الطلاب كفاعل سياسي

لعبت "جمعية قدماء طلاب ثانوية مولاي إدريس" بفاس دوراً حيوياً في التواصل بين الإدارة الفرنسية والنخبة المغربية. هؤلاء الطلاب، الذين تعلموا التفكير بالفرنسية مع الاحتفاظ بقيمهم المغربية، طالبوا بـ "المساواة في الكفاءة" والوصول إلى أعلى المراتب العلمية.19 لقد كانت هذه الجمعيات تمثل "مجالاً عاماً ناشئاً" حيث يتم التفاوض على شروط المواطنة والهوية تحت نير الاستعمار.19

نقد السوسيولوجيا الكولونيالية والموقف المغربي المعاصر

في دراسته النقدية "المدخل لعلم الاجتماع المغربي"، يضع نور الدين الزاهي روجي لوتورنو ضمن تيار "الوصف الإثنوغرافي" الذي سعى لخلق حقل تعليمي جديد وإنتاج مفاهيم تخدم السيطرة الكولونيالية.13

من الوصف إلى السوسيولوجيا النقدية

يقسم الزاهي المعرفة الكولونيالية إلى ثلاثة أنواع من الخطاب:

  1. الخطاب الإثنوغرافي الوصفي: (جورج هاردي، روجي لوتورنو، لويس برونو) والذي سعى لجمع البيانات وتصنيف السكان.16

  2. الخطاب الميداني الإداري: الذي ركز على آليات الضبط والتحكم القبلي والحضري.

  3. الخطاب السوسيولوجي المنظم: الذي تبلور بعد إحكام السيطرة الكولونيالية على المؤسسات التعليمية.16

يرى الزاهي أن لوتورنو، رغم دقة ملاحظاته، كان جزءاً من "المسار الكولونيالي" الذي سعى لرسم خرائط للبنى الاجتماعية والدينية والقبلية لخدمة مصالح الحماية الفرنسية.13 هذا المسار هو ما حاولت "السوسيولوجيا الوطنية" لاحقاً (بقيادة عبد الكبير الخطيبي ومحمد جسوس) تفكيكه وإعادة بنائه برؤية تحررية.13

التحول الحضري والسوسيولوجيا المعاصرة

في التسعينيات، شهدت السوسيولوجيا المغربية "تحولاً حضرياً" كبيراً، حيث انتقل الاهتمام من دراسة "المدينة العتيقة" (كما فعل لوتورنو) إلى دراسة أحياء الصفيح، وسياسات الإسكان، والتحولات العمرانية الكبرى.23 باحثون مثل عبد الرحمن رشيق ومحمد الناصري وعزيز العراقي واصلوا البحث في القضايا الحضرية التي أثارها لوتورنو، ولكن بأدوات ومنطلقات مختلفة تماماً، تركز على الحق في المدينة والعدالة الاجتماعية.23

ومع ذلك، تظل ملاحظات لوتورنو حول "الهجرة من الريف إلى المدينة" وإعادة تأهيل المدينة العتيقة من قبل الفلاحين المهاجرين (وهي ظاهرة فريدة في المغرب مقارنة ببقية دول المغارب) نقاط انطلاق أساسية لفهم ديناميكيات التمدن في المغرب المعاصر.24

الخلاصة والآثار البعيدة للمشروع الفكري للوتورنو

يمثل روجي لوتورنو نموذجاً للمثقف الفرنسي الذي عاش في منطقة "بين-بين"؛ فهو من جهة أداة في يد الجهاز الكولونيالي، ومن جهة أخرى عالم إنسان (Anthropologist) حقيقي أظهر تقديراً عميقاً للحضارة المغربية وخصوصاً "العبقرية الفاسية".3 إن عمله على مدينة فاس يظل "موسوعة سوسيو-تاريخية" لا يمكن تجاوزها، ليس فقط بسبب حجم البيانات التي جمعها، ولكن بسبب قدرته على رؤية المدينة ككل متكامل: من الدكان والمسجد إلى البيت والأسرة.

يمكن تلخيص إرث لوتورنو في النقاط التالية:

  • التوثيق الشامل: قدم لوتورنو سجلاً دقيقاً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في فاس قبل أن تمحو التحولات الحديثة الكثير من معالمها التقليدية.5

  • التحليل الطبقي المبكر: استطاع تحديد ملامح البرجوازية المغربية وفهم دورها كمحرك للتغيير السياسي والاجتماعي.17

  • المقاربة الحضرية البنيوية: ساهم في صياغة مفهوم "المدينة الإسلامية" كنموذج مكاني واجتماعي متميز، وهو المفهوم الذي ألهم أجيالاً من الباحثين في العمارة والسوسيولوجيا.9

  • الريادة في دراسة الوطنية: كتابه حول التطور السياسي لشمال أفريقيا يظل من بين أول الدراسات التي حاولت فهم الحركات الوطنية بعيداً عن السرديات التبسيطية، مركزاً على الجذور الاجتماعية والاقتصادية للثورة.2

إن إعادة قراءة روجي لوتورنو اليوم تتطلب وعياً مزدوجاً: تقديراً لمساهمته العلمية الرصينة في توثيق التاريخ الاجتماعي للمغرب، وحذراً نقدياً تجاه الإطار الإيديولوجي الذي أنتجت ضمنه هذه المعرفة. يبقى لوتورنو، كما تصفه المصادر المغربية، "صاحب نظرة إنسانية منفتحة" استطاع أن يبني جسوراً من المعرفة المباشرة مع شعب شمال أفريقيا، تاركاً خلفه ثروة من الأعمال التي ستظل تغذي البحث السوسيولوجي والتاريخي لعقود قادمة.3

المصادر

  1. Roger Le Tourneau : un parcours de « professeur méditerranéen » entre Afrique du Nord et Provence (1907-1974) - OpenEdition Books, accessed on February 19, 2026, https://books.openedition.org/cths/pdf/14687

  2. 184 SAUL, Samir. Roger Le Tourneau: un historien de - l'Afrique du Nord face à la décolonisation. LeTourneau Outre-Mers, 93/350-351 (2006) pp. 335-365. - isamveri.org, accessed on February 19, 2026, https://isamveri.org/pdfdkm/12/DKM120291.pdf

  3. Roger Le Tourneau, la passion du Maroc – Zamane – Zamane, accessed on February 19, 2026, https://zamane.ma/roger-le-tourneau-la-passion-du-maroc/

  4. Roger Le Tourneau — Wikipédia, accessed on February 19, 2026, https://fr.wikipedia.org/wiki/Roger_Le_Tourneau

  5. فاس قبل الحماية : الجزء الأول و الثاني - Abhatoo, accessed on February 19, 2026, http://www.abhatoo.net.ma/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/node_41870/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9/node_42067/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A/node_53638

  6. Local elitists and economic transformation in Morocco based on a case study of the city of Fès, accessed on February 19, 2026, https://revues.imist.ma/index.php/CE/article/download/2643/1924/8628

  7. Les divisions de la ville - Les images identitaires à Fès : divisions de ..., accessed on February 19, 2026, https://books.openedition.org/editionsmsh/1252

  8. NEW MOBILITIES AROUND MOROCCO: A CASE STUDY OF THE CITY OF FES - International Migration Institute, accessed on February 19, 2026, https://www.migrationinstitute.org/files/completed-projects/morocco_2011-report.pdf

  9. GENERAL TOPICS - Brill, accessed on February 19, 2026, https://brill.com/display/book/edcoll/9789047442653/Bej.9789004162402.i-1500_002.pdf

  10. Creative Differences, Creating Difference: Imagining the Producers of Moroccan Fashion and Textiles - Brill, accessed on February 19, 2026, https://brill.com/downloadpdf/book/edcoll/9789004282537/B9789004282537_018.pdf

  11. Art in the Service of Colonialism: French Art Education in Morocco 1912-1956 9780755607495, 9781850438519 - DOKUMEN.PUB, accessed on February 19, 2026, https://dokumen.pub/art-in-the-service-of-colonialism-french-art-education-in-morocco-1912-1956-9780755607495-9781850438519.html

  12. سوسيولوجيا إنتاج المعرفة الكولونيالية - حالة المغرب - المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, accessed on February 19, 2026, https://www.dohainstitute.org/ar/lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/document_464C02D7.pdf

  13. المدخل لعلم الاجتماع المغربي... نور الدين الزاهي - القدس العربي, accessed on February 19, 2026, https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%86%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A/

  14. accessed on February 19, 2026, https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%86%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A/#:~:text=%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84%20%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A...,%D9%86%D9%88%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%A7%D9%87%D9%8A

  15. Moroccan Family Studies: A Historical Review - Hesperis-Tamuda, accessed on February 19, 2026, https://www.hesperis-tamuda.com/Downloads/2020/fascicule-3/17.pdf

  16. Sociology of the Colonial Knowledge Production: Education in Morocco, accessed on February 19, 2026, https://omran.dohainstitute.org/en/issue017/Pages/art03.aspx

  17. Justification, stratégie et compassion - Apport de la ... - IRMC, accessed on February 19, 2026, https://irmcmaghreb.org/wp-content/uploads/2022/11/1998-Correspondances_1998-06_51.pdf

  18. Algeria: The Politics of a Socialist Revolution [Reprint 2020 ed.] 9780520310346 - DOKUMEN.PUB, accessed on February 19, 2026, https://dokumen.pub/algeria-the-politics-of-a-socialist-revolution-reprint-2020nbsped-9780520310346.html

  19. The Moroccan Soul: French Education, Colonial Ethnology, and Muslim Resistance, 1912-1956 0803217781, 9780803217782 - DOKUMEN.PUB, accessed on February 19, 2026, https://dokumen.pub/the-moroccan-soul-french-education-colonial-ethnology-and-muslim-resistance-1912-1956-0803217781-9780803217782.html

  20. PERSPECTIVES ON JEWISH MODERNITY IN MOROCCO BEFORE AND DURING PROTECTORATE - Scholars' Bank, accessed on February 19, 2026, https://scholarsbank.uoregon.edu/bitstreams/7426f8b3-a95e-4731-be8e-3ef296203659/download

  21. THE PARTY OF GOD: THE ASSOCIATION OF ALGERIAN MUSLIM ʿULAMAʾ IN CONTENTION WITH THE NATIONALIST MOVEMENT AFTER WORLD WAR II | International Journal of Middle East Studies - Cambridge University Press, accessed on February 19, 2026, https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/party-of-god-the-association-of-algerian-muslim-ulama-in-contention-with-the-nationalist-movement-after-world-war-ii/A52DFFC89932796A30E580F431F037BD

  22. The Dissertation Committee for Elizabeth Ann Burnett Certifies that this is the - The University of Texas at Austin, accessed on February 19, 2026, https://repositories.lib.utexas.edu/bitstreams/eeafcc2e-c823-46ca-8dc0-536e438d1cd5/download

  23. Revisiting Contemporary Sociology in Morocco - Global Dialogue, accessed on February 19, 2026, https://globaldialogue.isa-sociology.org/articles/revisiting-contemporary-sociology-in-morocco

The symbolic significance of the Moroccan city - AfricaBib, accessed on February 19, 2026, https://www.africabib.org/rec.php?RID=189688319

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات