القائمة الرئيسية

الصفحات

علم الاجتماع الحضري المفهوم ، النشأة، والتطور، والاستقلال

علم الاجتماع الحضري المفهوم ، النشأة، والتطور، والاستقلال

الفصل الأول : 

علم الاجتماع الحضري (المفهوم ، النشأة، والتطور، والاستقلال )

مدخل تمهيدي :

لاشك ، ان العلوم برمتها ، تتدرج من مرحلة معرفية الى أخرى ، مقدمة لنا جملة من الأفكار والتصورات المعقدة والجديدة ، وهو أمر يترافق دائما مع تطور البحث العلمي والمعرفي ، وفي مجال البحث العلمي والمعرفي ، فأن المراحل تتوالى في صورة حُزم معرفية وعلمية جديدة ، تضاف الى إبداعات سابقة ، او تمحي بعضا من التصورات المعرفية السابقة ، وبين هذا وذاك ، فان العلوم الاجتماعية ، تتصف بأنها متراكمة علميا ومعرفيا . وهذا هو حال علم الاجتماع بعامة ، وعلم الاجتماع الحضري بخاصة ، إذ نلحظ الأخير بوصفه مدينا للأول ، لا سيما في بعض المفاهيم والتصورات النظرية ، التي تركها لنا رواد علم الاجتماع ، بدءا بـ (تونيز ) Toennies ، وانتهاءً بـ (دوركايم ) Durkheim ، وبالتالي ، فان علم الاجتماع الحضري ، يمكن وصفه بردة الفعل على التنبيه الذي أثاره رواد علم الاجتماع ، عندما أيقنوا طبيعة الظروف المثيرة التي تحيط بالمدينة The City ، داخليا وخارجيا . فكان على اثر ذلك ان تبلورت اتجاهات جديدة في مجال البحث الحضري كان أهمها ( احمد ، د. غريب ، والسيد ، ص178 ) .

1. تزايد أهمية الدراسات المتخصصة والمتداخلة ، الأمر الذي يعكس محاولة جادة للاستفادة المتبادلة من العلوم الأخرى على المستوى المفاهيمي والمنهجي .
2. التطور النظري ، ذلك الذي استند على الأسس الرياضية ، وتوظيف التكنولوجيا في مجال البحث العلمي ، وانعكاس كل ذلك على مسائل وقضايا علم الاجتماع الحضري .
3. بروز الاهتمام بالجانب السلوكي ، الذي ركز على دراسات الوحدات الصغيرة ، والتكدس المكاني وغير ذلك ..
4. ازدياد الاهتمام البراغماتي او النفعي بالتطبيقات السياسية للبحث الحضري . 

لقد كانت المدينة ، الى جانب الظواهر الحضرية المترافقة معها ، تشكل بؤرة الاهتمام منذ زمن قابع في أعماق البحث الاجتماعي ، منذ ما يقرب من قرن من الزمان ، وهو يؤشر على أهمية هذا التخصص أي ـ علم الاجتماع الحضري ـ فكانت المدينة هاجسا تولد منذ عام 1890 ، عندما أيقظت جفون وخيالات عقول معرفية ، ما زلنا ندين لها بالكثير أمثال : ( تونيز ، زيمل ، فيبر ، دوركايم ) ، ولكن لم يتولد في هذه اللحظة المعرفية الباكرة اهتماما مستقلا بالمسائل الحضرية ، واهتماما كهذا ، أنما تبرّزه لنا أعمال مدرسة شيكاغو فيما مضى من الزمن (1920-1930 ) ، ثم حصلت نهضة معرفية ومنهجية ، في عقد الخمسينيات من القرن الماضي ، اذ شهدت تلك الفترة بزوغا واضحا في تناول ظواهر المجتمع المحلي ، واقتصاديات المواقع ، والاهتمام الجغرافي بأنساق المدن .. 

ومع بداية عقد الستينات انقسمت الدراسات الحضرية ، الى عدد من المجالات المتخصصة ، فمثلت الايكولوجيا مجالا للبحث الحضري . وبناءا على هذا الحال المعرفي ، لم يستمر على ما هو عليه ، فسرعان ما تغير المجال التخصصي ، لتظهر توجهات على الطريقة الفيبرية في بريطانيا ، مقدمة لنا اهتمامات حول سوق الإسكان ، باعتباره احد المؤشرات الحضرية على فرص الحياة . اما في فرنسا فظهرت توجهات راديكالية / ماركسية / نقدية ، محولة الاهتمام الى العمليات المعّول عليها في بناء إنتاج المدن . ومع هذه الآراء المتخالفة ظاهريا ، الا ان هنالك تعاون معرفي بين جميع هذه المنظورات   (احمد ، د. غريب ، والسيد ، ص179 ) .

ويبقى سؤال البحث الحضري قائما ، حول أي النشاطات والاهتمامات التي أسلفنا الحديث عنها ، تشكل محور اهتمامه. فقد اهتمت مدرسة شيكاغو على العمليات الاجتماعية ، التي تتلازم مع الحياة الحضرية في المدينة ، وظل هذا المدخل مسيطرا على البحث الحضري ، مع بعض التطور الذي أضافه لويس ويرث ، الذي حدد طريقة للحياة الحضرية ، اذ ترتبط تلك الطريقة بالخصائص المميزة للمدن .
ولمعرفة تفصيلية ، تقتضيها عملية جمع المادة ، فأننا نحاول ان نحيط بالتراث النظري المتراكم في علم الاجتماع الحضري ، مبتدئين أولا : بمرحلة النشأة والتطور ، وصولا الى إقرار الاستقلال النظري للبحث الحضري .

أولا : مفاهيم علم الاجتماع الحضري (التحضر والحضرية) نماذج 

          هناك العديد من المفاهيم التي تستخدم في مجال الدراسات الحضرية ، ولعل اختزالنا للموضوع جاء بناءا على ان هذين المصطلحين يمثلان معملا دلاليا واسعا ، اذ ترتبط بهما العديد من المصطلحات الفرعية الاخرى . وفي الوقت نفسه فانهما يمثلان اشتقاقات لغوية من اللفظة " حضري " ، ولكي نقف على معناهما ، نبدأ أولا : بتحديد مفهوم الحضرية Urbanism  .
         فيشير مصطلح الحضرية الى حالة او كيفية ، او طريقة للحياة ، كما اشار لويس ويرث الى ذلك ، وهي بهذا المعنى تنحصر في مجتمع المدينة ، وفي استعراضنا السابق للتراث النظري الكلاسيكي ، اتضح ان جملة الخصائص التي اشروها تمثل في جانب كبير منها مفهوم الحضرية ، ولتأكيد إخطار المعنى السابق نأتي على ذكر هذه الخصائص :
1.ظهور تقسيم العمل كضرورة ملحة لظروف المكان ، وهذا التقسيم للعمل يعتمد على بناء مهني ، يتسم بالتباين وهذا بدوره يؤشر البنية الطبقية الاجتماعية في المدينة .
2. ظهور مساحة واسعة للتحرك الافقي والراسي ، او الحراك الاجتماعي ، فضلا عن الحراك الفيزيقي  ( المكاني ) .
3. في مجتمع المدينة ، هناك توازن بمعنى ان هناك اعتماد وظيفي وتساند متبادل بين الافراد .
4. بناءا على تأشيرات رواد علم الاجتماع ، فان نسق العلاقات الاجتماعية يتسم بالطابع السطحي وغير الشخصي ، الى جانب ظهور التعدد والانقسام في الادوار .  
5. في مجتمع المدينة ، تظهر وسائل للضبط الاجتماعي بصورة رسمية متمثلة بالقانون والسلطة التنفيذية.
   لكن هذا المعنى لا يقتصر في حقيقة الامر على مجتمع المدينة ، لان تقدم العقل البشري واختراعه لوسائل تقصر المسافات وتطرق الأسماع وتُنّبه الأنظار ، جعلت جميعها عملية انتقال الحضرية الى مناطق خارج المدينة امر ممكن ، بل أحيانا على أشده . فمثلا طرح نلز أندرسون بعد ان رفض فكرة ان تقوم عملية الحضرية على انتقال الناس من الأرياف الى المدن ؛ ذلك ان الحضرية قد تطال أناسا لم يغادروا قراهم الأصلية ومزارعهم ، لذلك هو يرى ان الحضرية تعني حدوث تغيرات في القيم التي يؤمن بها المنتقلون من القرى الى المدن   (عزام ، د.ادريس ، واخرون ، ص273) . وفي نفس السياق ، يرى جانكس وهو احد منظري ما بعد الحداثة ، ان ثمة تحولين اسهما في نقل الحضرية خارج الاطار المكاني المحدد ، الاول : هو المواصلات المعاصرة التي قوّضت حدود الزمان والمكان الاعتياديين ، وانتجت داخل المدن والمجتمعات ، عولمة جديدة وخصوصيات داخلية في الان معا ، استنادا على قاعدة الموقع والوظيفة والمصلحة الاجتماعية ، فتلك الحالة الجديدة عملت على تأمين الاتصال الاجتماعي وتقريب المسافات (...) . اما التحول الثاني ، فهو التنوع الذي شهدته الحياة المدينية ، استجابة لرغبات متنوعة (..)   ( هارفي ، ديفيد ، ص102- 103) . 

         اما عن تعريف التحضر Urbanization فقد اشير اليه هو الاخر بعدة معاني ، وهذا ما نلاحظه في تحديد جيرالد بريز Gerald Breese في ان التحضر : عملية تغير كمي وكيفي معا ، تؤدي الى تحولات كبيرة في خصائص المجتمعات المحلية ( المدن والبلدان) وسماتها ووظائفها . وطرح كلايد ميتشل Clyde Mitchell تعريفا للتحضر ركز فيه على فكرة الانتقال الى المدينة والإقامة فيها كشرط للتحضر ، فالتحضر من وجهة نظره : تلك العملية التي يصبح الناس بموجبها حضريين ، وذلك بالانتقال من القرى نحو المدن ، والتحول من الزراعة كمهنة رئيسية الى مهن أخرى اكثر ملائمة لحياة المدن ، ويصاحب ذلك تغيرات موازية في أنماط السلوك . ومن خلال تلك التعريفات يمكن ان نستنتج بعدين رئيسين دارت حولهما التعريفات وهما : التغير باتجاه الحضرية ضمن إطار المدينة ، او التغير بالاتجاه نفسه ولو كان ذلك خارج إطار المدينة   (عزام ، د. إدريس ، واخرون ، ص273- 275 ) .
بناءا على ما سبق فان للحضرية والتحضر مظهرين رئيسين :
المظهر الاول : ويتمثل بالانتقال من حياة الريف الى حياة المدينة ، بوساطة الحركة عبر المكان ، او الهجرة الداخلية من الريف الى المدن وما يصاحب ذلك من تغيرات في نوع المهن والابتعاد عن الزراعة والإقبال على أعمال أخرى متنوعة ومختصة داخل البيئة الحضرية الجديدة .
المظهر الثاني : اذ يتمثل بالتغير في أسلوب الحياة من نمط معين ( النمط الريفي والأنماط التقليدية الأخرى ) الى نمط اخر مغاير وهو النمط الحضري ، دون تحرك او هجرة لسكان هذه المناطق الريفية الى المدن .
  • وهكذا نجد ان الحضرية والتحضر عملية تتميز بالخصائص الآتية :
  • تحرك الناس من البيئة الريفية الزراعية الى المدينة .
  • تغير المهنة من العمل بالزراعة الى العمل بمهن أخرى غير زراعية ، حرفية ،تجارية ،او صناعية .
  • تغير في مستوى المعيشة .
  • انتقال الافراد من بيئة يكثر فيها التأثر بقوى الطبيعة الى بيئة أخرى لا تمنح هذه القوى الأهمية نفسها ، فيقل تأثيرها في نشاط الافراد ، ويصبح الإنسان هو الذي يشكل الحياة المحيطة به وفقا لحاجاته ومتطلباته وإرادته .
  • التغير في القيم والسلوكيات . 

ثانيا : تراث نظري غير مستقل   

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، قدم فوستيل دي كولانج ، وصفا وتحليلا للعلاقة بين المؤسسات المدنية والدينية في اليونان والرومان ، وفي نهايات القرن ذاته ، قدم لنا تشارلز بوث ، بحثا بسبعة مجلدات ، تناول فيه حياة وعمل الناس في لندن ، ليكون مسحا اجتماعيا للفقر قّل مثيله . ثم ليأتي فيبر ويشرح الدور الهام للمدن في مجال التطور الاجتماعي ، متصورا لنا نموذجا مثاليا يعد من خلاله المدينة مجتمعا كاملا ، بفضل وظائفها المتعددة ، والتي تطغى عليها الحسبة العقلانية . وللإحاطة أكثر فأنه سيتم استعراض المعالجات التي استبطنها علم الاجتماع ، والتي من خلالها ينظر الى الظواهر الحضرية .

فرديناند تونيز ( 1855- 1936 )

ذاع صيت تونيز من خلال مؤلفه الشهير " المجتمع المحلي والرابطة " Community And Society ، الذي نشر 1887 . وقد قدم في هذا الكتاب وصفا نموذجيا لنوعين من الروابط الاجتماعية ، يمثلان وجهي الحياة الاجتماعية ، أطلق على النموذج الأول : المجتمع المحلي Gemeimschaft ، ويتضمن هذا المعنى ، جميع العلاقات التي تتمخض عن العادات والمعتقدات ، او بمعنى اعم " الحس المشترك " ، الذي يتميز هو الآخر بالألفة والعاطفة والثبات والتحديد الواضح للأدوار ، وغياب للصراع ، الى جانب بروز الوعي الجمعي او (النحن) ، ومن أمثلة هذا النوع : التنظيمات القرابية ، مناطق الجوار ، القرى ، والتنظيمات الدينية   (تيماشيف ، نيقولا ، ص154 ) .
أما النوع الثاني : فقد أطلق عليه اسم الرابطة او المجتمع Gesellschaft ، وهذا نمط يختلف تماما عن المجتمع المحلي ، اذ يتضمن أشكالا متنوعة من العلاقات الاجتماعية ، التي تتميز بالصفة التعاقدية ، والروابط اللا شخصية ، ووجود العقلانية ، وظهور الفردية ، وهي خصائص أوضحها دوركايم وفيبر كما سنرى لاحقا . ويجمل تونيز الفروق الاساسية بين النمطين المذكورين من خلال الامور الاتية   :  ( الخشاب ، د. مصطفى ، ص 68- 69 ) .
  1. المجتمع المحلي وحدة محدودة النطاق . اما المجتمع فحقيقة عامة .
  2. يخضع المجتمع المحلي لسلطة الدين والعادات والتقاليد ، بينما يخضع المجتمع العام لقوة القانون وقيام الروابط التعاقدية والطبقية .
  3. يسود المجتمع المحلي جملة من العواطف والمشاركات الجمعية ، في حين ان المجتمع العام يسيطر عليه التفكير التقديري القائم على المصلحة الخاصة ...
  4. ان وحدة المجتمع المحلي هي الاسرة ، في حين ان المجتمع العام تسود فيه وحدة الجماعة ...
  5. تكون الملكية في المجتمع المحلي جمعية ، بينما هي فردية في المجتمع ... 
ولاشك لدينا بعد هذا العرض الموجز لآراء تونيز ، يتضح جليا ، ان " الرابطة " وهي النمط الآخر من ثنائيته الشهيرة ، يتجسد في مجتمع عرف التحضر بمعناه العددي والمكاني والقيمي ، وهو أمر لا يتوافر الا في بنية مكانية اسمها " المدينة " .

ماكس فيبر ( 1864 – 1920 ) 

يُعد فيبر ، احد أعمق رجال المعرفة تحليلا وتفسيرا وتأويلا للظواهر الاجتماعية ، فهو مبتكر النماذج التحليلية الواسعة ، التي تغطي أوسع المجالات المعرفية ، ولعل موضوعا مثل المدينة ، لم يفلت من هذا الوصف ، فهو أي ـ فيبر ـ ينظر بعمقه التحليلي المعتاد الى المدينة في ضوء نموذجه المثالي ، الذي قدمه ، مبتدئا اولا ، كما جاء في مقاله الشهير (The City ) 1921 (See : Weber , Max ). نظر من خلاله الى المدينة في ضوء العناصر التي يراها ملائمة للوصول الى التطور الكامل للمجتمع الحضري ، كالقدرات الفردية ، والتحديث الاجتماعي .

وما يميز هذا النموذج ، انه تخطى الحدود المعتادة ، حول حصر الاهتمامات بالمدينة ، في اطار مكاني محدد ، كالمدينة الأوربية (مثلا) ، وإنما عمد فيبر الى توسيع خياراته المعرفية والنموذجية من مدن تاريخية ، وضمن اطر مكانية متعددة ، كالهند والصين ، فضلا عن أوربا والشرق الأوسط ، وبناءا على هذه الاختيارات ، أطلق فيبر مصطلحه  " المجتمع الحضري الكامل " ، ولقد تضمن هذا المصطلح او التعريف للمدينة عناصرا عدة نذكرها هنا بشيء من التفصيل : ( احمد ، د. غريب ، والسيد ، ص 187 ) .

1. لابد ، ان يقوم المجتمع الحضري الكامل على علاقات تجارية ، فالمدينة رغم انها بيئة فيزيقية ، الا انها مكانا للتبادل الاقتصادي ( وهو امر سنكتشف لاحقا انه من خصائص نشأة المدينة في حضارة وادي الرافدين ) ، فلا يمكن ان يكتفي سكان المدينة اقتصاديا وذاتيا ، وإنما لابد من اعتماد متبادل بين الافراد ، وهذا التبادل لابد ايضا ان يكون في مجال تتم فيه عمليات التبادل ، وهذا المجال هو " السوق" .

2. لابد ، ان تكون في المدينة ملامح واضحة للاستقلال الذاتي ، تلك الملامح أشار اليها فيبر في اشكال حديثة ، كالمحكمة ، والقانون التعاقدي ، وهو أمر أشار اليه دوركايم في المجتمع العضوي . فضلا عن وجود التنظيمات العسكرية والسياسية، ومن ثم ، فأن صفة الاستقلال التي نادى بها فيبر هي المعّلم الأساسي للمكان الحضري ، والذي على الافراد ان يدركونه جيدا ، بل ويستدمجونه في ذواتهم . 

3. لابد ، ان تكون هناك روابط اجتماعية بين سكان المجتمع الحضري ، وهو شرط من شروط وجوده ، اما امر تعليل وجود هذه الروابط ، فهو يرجع الى ظروف المعيشة المعقدة ، التي تتطلب تطوير علاقات وتنظيمات اجتماعية ، تزيد من قيم ومشاعر المشاركة الهادفة .

ان هذه العناصر، جعلت فيبر يحصر نموذجه المثالي في مدن العصور الوسطى ، وهذه حالة قد لا يتفق عليها الكثيرون ؛ رغم ان ما في الرأي من صواب كبير ، وصوابه متجسد في المدن القديمة ، التي كانت محصنة بالاسوار ومستقلة بموقعها عن الامكنة الاخرى ، لا سيما الريفية او الزراعية . اما مكمن الخلل النظري ، الذي شخصه المحللون ، انما يكمن في قطع سلسلة تواصل الزمن والتقدم التاريخي ، بالنسبة لتطور المدن ووصولها الى حالها الان ، وكما يبدو ، فهو امر يختلف عما اشار اليه تونيز ، والذي سنجده ايضا عند زيمل .   

اميل دوركايم ( 1858 – 1917 )

قدم دوركايم ، نموذجا ثنائيا ، لفهم الحياة الاجتماعية ، وهو امر متشابه مع تونيز ، الذي اضاف مصطلحي المجتمع المحلي والرابطة . فتصورات دوركايم ، تختزل في مصطلحين شهيرين هما : التضامن الآلي ، الذي يقوم على التشابه والمماثلة في المعتقدات والعادات والطقوس ، او بمعنى اعم " التمثلات الجمعية "، وسمي هذا النوع بالآلي ، لان المشاركين فيه يتطابقون في امور كثيرة ، بطريقة الية دون إعمال للفكر او العقل  ( غدنز ، انطوني ، ص137 ) .
في حين تضمن النموذج الثاني : التضامن العضوي ، بناءا اجتماعيا يقوم على التمايزات الفردية ، التي نتجت عن تقسيم العمل بينهم ، ووصف هذا التضامن بالعضوي ، لان المشاركين فيه يتخصصون وظيفيا بطريقة عمل اعضاء الكائن الحي ، واعتمادهم على بعضهم البعض لمواجهة احتياجاتهم  ( غدنز ، انطوني ، ص139 ) .

لاشك ، ان من اعظم اسهامات دوركايم ، هو ذلك الاسهام الذي تضمن تفريقه العلمي والمنهجي للظاهرة الاجتماعية . اذ اعتبر ان الاخيرة نتيجة مصاحبة لتقسيم العمل في المجتمع ، وعند ملاحظته لخصائص المجتمعين (البدائي والحضري) ، استطاع ان يقدم لنا نموذجين من الروابط او التنظيمات الاجتماعية ، اصطلح على الاول منهما بالتضامن الالي (Mechanical ) ، واصطلح على الثاني بالتضامن العضوي (Organic )  .

 فالتنظيم الاول: يتضمن وصفا دقيقا لطبيعة الحياة التي يسودها التشابه في التفكير والعمل او الممارسة، وهي تقوم على مبدأ (التمثلات الجمعية ) ، وللاصطلاح هنا معانٍ كثيرة ، لعل اهمها تلك الحالة العفوية والتلقائية والحماسية التي تسود مجمل افراد الجماعة ، وهنا لا يستطيع الفرد ادراك فرديته والشعور بها خارج نطاق الجماعة ، وانما يكتسبها ويتأكد شعوره بها كلما تمسك بجلبابها ـ أي الجماعة ـ وهذا النوع من التضامن هو ـ بلا شك ـ ذو مستويين من العلاقة.

فالمستوى الاول ، يتضمن تألف الجماعة ذاتها وتأكيد تألفها عبر ميكانزمات طقوسية، ليتمخض عن هذه الحالة شعور بقوة الانتماء للجماعة ، وشعورا بالتمايز عن الجماعات الاخرى . وفي هذه الحالة تحديدا، يلعب الميكانيزم الطقوسي او الطوطمي دورا كبيرا في تأكيد بنية الجماعة وتأكيد تماثل اعضاءها ، ويزداد الشعور هنا بهذه القيم ومأسستها ، كلما وضعت الجماعة لنفسها اطارا مكانيا او ايكولوجيا منعزلا ، وهذا ما يشكل بالنسبة لها تأكيدا لوحدتها الداخلية وابتعادا في الوقت نفسه عن الجماعات الاخرى ، التي تتمايز هي الاخرى عن الجماعة الاولى في طقوسيتها الخاصة.

اما المستوى الثاني ، فهو يتضمن تأكيدا لمسافة العلاقة مع الجماعات الاخرى ، التي تشكل بالنسبة لها هاجسا يؤرقها باستمرار ؛ كونها تتربص الى جانبها خيرات الطبيعة . ومن خلال هذين المستويين تنبني جملة من القيم جلّها يؤكد على وحدة الجماعة وقوة سلطتها ، وعند هذا الحد ، فان الفرد يعمل دائما وعينه على الجماعة ، خشية ان يفلت من سلطانها. فيصبح عنده ضميران هما بمثابة ضوابط كابحة لأي مغامرة قد تسمح له بمشاطرة القيم والافكار مع الجماعات الاخرى .

الضمير الاول ، هو الذي تشارك فيه الجماعة ، وهو الذي تعبر عنه فكرة (المجتمع يعيش بداخلنا) ، وهذه الفكرة تتقارب مع ما يسود اليوم من فكرة استدماج الثقافة (Internalization Of Culture ) . اما الثاني ، فهو خاص بالفرد ذاته . وحينما يسود التضامن الالي في المجتمع ، تتجلى فعالية القوى الجمعية واضحة فيما يثيره انتهاك نظم الجماعة من ردود فعل قوية . وهنا نجد تعبيرا قويا للقهر الاجتماعي ، يتمثل في سيادة القانون الجنائي القائم على العقاب الرادع من أجل تدعيم التضامن الالي   . وهكذا ، نفهم ، ان لمقتضيات التضامن الالي (الجماعة المحلية) دور أساسي في تعريز القيم والمعايير التي تكون البوصلة الراشدة للعضو تجاه تحديد ادواره نحو الاخرين ، ويتعمق الاحساس هنا ، كلما أصبحت تلك المنظومة الثقافية عازلة ومنحصرة في الوقت نفسه. فهي تعزل الفرد عن الجماعات الاخرى ، وتجعله لا يخرج عن نطاقها المحدود في رؤية الاخرين او استيعابهم . ومن ثم ، يكون استدماج ثقافات الجماعات الاخرى ، أمر غير وارد ، وتصبح مسألة (تقبل) هذه الجماعات لبعضها البعض حالة مخاض عسير . ولكن مسألة اعادة برمجة هذه الاخلاقيات الجمعية لتكون بديلا موفقا نحو وضع قيم جديدة هو احد الهواجس ، التي دفعت بدوركايم لان يجد لها قاعدة وامكانية نحو الارتقاء من حالة اجتماعية الى اخرى ذات خصائص متمايزة وظيفيا ، وهذه القاعدة تمثلت بإمكانية ظهور (مجتمع قائم على تضامن عضوي) ، ولعل احد الاسباب الاساسية في ظهور ما نمكن ان نسميه بـ (الزحام السكاني) ، او كما ورد عند دوركايم بـ (الكثافة السكانية) ، وهي ــ بلا شك ــ هنا محفزا لظهور تناقضات على مستويات عدة ، لعل من ضمنها استظهار تنوعات ثقافية متباينة ، يُستّلزم ان تكون ثمة تنظيمات جديدة ، تستوعب تلك الحاجات المتجددة ، وتصبح الادوار التي كانت مناطة بـ (الجماعة المحلية) حصرا من اختصاص هذه التنظيمات ، التي ستكون صمام امان لدرء الخصومات واحتواء سلبيات التباين الثقافي ، مع اتاحة الفرصة بشكل واسع لإعادة برمجة الافكار نحو الاخرين. فتتكون رؤية استيعابية للجماعات التي تختلف معه بنيويا، لكنها تتوافق معه وظيفيا في ادارة الحياة على مستوياتها الاقتصادية والجغرافية والسياسية ، وتصبح من ثم ، قيم اخرى تتعالى فوق القيم المحلية ، وتكون ذات قانون أخلاقي ـــ انساني ، لا يمكن المساس به ، ومسألة الوصول الى هذا القانون العام هي ـــ بلا شك ـــ ثمرة اقرار الافراد والجماعات لقاعدة (التعاقد) ، التي تلزم الجميع باحترام قيم العدالة والحرية في جميع الاعتقادات ، وهنا نستطيع ، ان نتحدث عن مجتمع حضري بامتياز . 

اذاً ، (الزحام السكاني) ، او الزحام بحالة التنوع الثقافي (اديان ـ طوائف ..) يؤسس حالة استيعاب ذهني وعقلي للفرد والجماعة ايضا ، نحو الجماعات الاخرى ، ويتيح امكانية التعرف على المشتركات التي تصبح فيما بعد (تماسات ثقافية) للالتقاء والتواصل ما بين الجماعات ، بل ان هذه الثقافات العضوية ـــ الوظيفية ، هي الشرط الاول قبل أي شرط لإدارة مجتمع متطور ، والحديث عن فكرة (التطور) ذاتها يستلزم طرح الفكرة أعلاه . وعند هذا الحد ، يمكن بقوة ان يكون للزحام الثقافي دور حيوي في انتاج واعادة انتاج قيم اصيلة نابعة من هذا التعاقد ، الذي اشار اليه دوركايم ، والاصالة هنا ، تعبر عن لحظة الاتفاق وقبول العيش ضمن مساحة واحدة ، وليست الاصالة التي قد يشير اليها البعض بانها مرتبطة في انعزال الجماعات وتفرد كل منها بقوتها ، وانما ظهور التمايز الاجتماعي بفضل (الزحام السكاني) بدأت الاصالة المجتمعية كحالة تأسيس لمجتمع جديد بنيويا ووظيفيا.

ومن بين منجزات التطور الاجتماعي ، او مبدأ تقسيم العمل ، هو ظهور تنظيم سياسي ، الى جانب التنظيمات الاخرى لإدارة الجماعات بطريقة اخلاقية ، وهنا تصبح الدولة في المجتمعات الحديثة والحضرية ، هي المسؤولة بالمقام الاول عن توفير وحماية جملة الحقوق الفردية (..) ، ومن هذه النقطة تحديدا ، يبحث دوركايم في امكانية ان تكون الدولة متناقضة لمبادئ الاجتماع البشري الجديد ، لاسيما (حقوق الفرد) . فمن شأن الدولة هنا ، ان تصبح جهازا قمعيا معزولا عن مصالح جماهير المجتمع المدني ، ويمكن لهذا ان يحدث اذا لم يتم تطوير الجماعات الثانوية (منظمات مدنية) تتوسط بين الفرد والدولة   . وتكون راعية لمبادئ التعاقد ودرء أي تناقضات صراعية بين الجماعات ، ولعل الامثلة على ذلك كثيرة ، لاسيما في بعض البلدان العربية ، اذ كانت حكوماتها تستنزف فاعلية التنوعات الثقافية للجماعات في الالتحام الثقافي العام ، وجعلها عامل تجزئة وانقسام ، وتوليد لقيم الاغتراب والكراهية . 

وباقتضاب ، فان دوركايم ، وجد في تقسيم العمل امكانية توفير مساحة واسعة للحرية الفردية ، وتحديد الاختيارات المناسبة ، نتيجة وجود بدائل كثيرة ، وهو امر لايتوافر في بنية اخرى ، خلا المدينة ، لذلك يؤكد دوركايم دور المدينة في بناء الانسان ، وهو بهذا المعنى يختلف عن الذين وصفوا الحياة الحضرية وصفا سلبيا ، واحالوا لها كل مساؤى وشرور البشر .  

ثانيا : الاتجاهات الحديثة 

ان الاستعراض النظري ، الذي استظهرناه من إسهامات رواد علم الاجتماع الاوائل ، لم يروي ظمأ المتعطشين لمعرفة اوسع ورؤية فاحصة وغوص عميق ، في تفاصيل الحياة الحضرية ، وما تقوم به هذه الحياة من تأثير ارغما المهتمين بالشأن المعرفي والعلمي ، من طرح تساؤلات خطيرة ، اصبحت هذه التساؤلات في شكل نقد ودافعا في الوقت نفسه ، فهي تنقد النظريات السابقة ، كونها ذات طابع تفسيري وفلسفي ، اكثر منه ملاحظات دقيقة ومباشرة للمدينة في حين شكلت دوافع اساسية لاعادة النظر من جديد في بينة المدينة . فكان ثمة دافعين اساسيين هما  : ( احمد ،د. غريب ، والسيد ، ص196- 197 ) .

الدافع الاول :

ان المدينة او الحضرية تنتج باستمرار ، طرقا جديدة للحياة ونماذج جديدة من الأنماط السلوكية ، وبالتالي ، فان على علماء الاجتماع ان يكتشفوا تلك الطرق والأنماط ، ولكن بطريقة جديدة ، تلك التي اعتمدها علماء الانتروبولوجيا حول القبائل البدوية .

الدافع الثاني : 

ان الظروف الجديدة المتمثلة بالاضطرابات الاجتماعية ، التي صاحبت الطفرات السريعة للتصنيع، كانت قد اخرجت لنا حزمة من المشكلات الحضرية ، التي استوجبت معها وقفات بتشخيصات من لدن عقول متخصصة في هذا الشأن . 

وعطفا على ما تقدم ، جاءت الدراسات المهتمة بالمجتمع الحضري ، لا سيما الملاحظات ، التي تركزت حول الجماعات الفرعية في المدينة ، مثل : جماعات الهوبو ، وعصابات الاحداث ، واحياء اليهود ( الجيتو ) (..) واتضح من جملة هذه الدراسات ، ان تلك الجماعات ، تشكل عوالم اجتماعية متخصصة ، كل لها تقاليدها وطرق حياتها ، مما دفع بارك لوصف المدينة بانها وحدة فسيفسائية من وحدات اجتماعية متلاحمة ولكن متغلغة   ( احمد ، د.غريب ، والسيد ، ص197 ).

اولا : الاتجاه الايكولوجي

ان لكلمة ايكولوجيا ، اشتقاق لغوي يعود الى الاصل اليوناني وهو (Oikos ) ، الذي يعني منزلا او مكانا نعيش فيه . في حين يتضمن مصطلح (Logic ) العلم . ويعود استخدام المصطلح الى عالم الاحياء الالماني (ارنست هيكل) عام 1868في كتابه تاريخ الخلق (History of creation ) ، لكن مع ذلك ، فان الايكولوجيا اتضحت على يد كل من (وارمنج وكلمنتس ) . ان لفظ (Oikos ) لا ينحصر في نطاق العامل البيئي او الطبيعي المتمثل بالاقامة والعيش ضمن منزل ما ، وانما يتعداه ليشمل كل الانشطة او الفعاليات ، التي تمثل مجال حياة الانسان . وبالتالي ، فهو لا يعيش منعزلا منكفئا على نفسه في منزله الخاص به . وفي هذا السياق تعرف الايكولوجيا : " دراسة العلاقات بين الكائنات الحية وبيئاتها " . والتعريف هنا ، يقدم جملة من العلاقات المتبادلة ، التي لا تنحصر في جانب واحد . فهنالك الايكولوجيا النباتية (Plant ecology ) ، والايكولوجيا الحيوانية (Animal ecology ) والايكولوجيا البشرية (Human ecology ) .

وينصب الاهتمام هنا على مفهوم الايكولوجيا البشرية ، اذ بالامكان اعطاءه معنيين: 
 الاول :
 علاقة الفرد ببيئته
 والثاني :
 علاقة الجماعة ببيئتها .
 ان لهذا المصطلح ظهورا واضحا على يد علماء جامعة شيكاغو الامريكية ، اذ في عام (1915) ، قدم روبرت بارك تحليلا للمدينة واصفا اياها بالظاهرة الطبيعية ، تنشأ بتأثير عوامل طبيعية متعددة ، لا يمكن السيطرة عليها ، وان كل مدينة تنقسم الى مناطق صناعية وتجارية وسكنية تتميز كل منها بخصائص اجتماعية وثقافية تميزها عن غيرها ، وهذه الخصائص تطبع سكان كل منطقة وتجعلهم متميزين عن غيرهم من المناطق ، الى جانب ان هذه الخصائص اذا ما اجتمعت في جماعة ما فانها تنحصر ضمن منطقة ما    

روبرت بارك ( 1864 – 1944 ) 

عندما تتحدث عن مدرسة شيكاغو ، لابد لك ان تقف وقفة تأمل ، عند ابرز ممثليها وهو بارك Park صاحب الاراء الجديدة ، التي تمحورت في اقحامه للايكولوجيا البشرية . وبداية فان افكاره جاءت منشورة في مقالته الشهيرة " المدينة " سنة 1916 ، فوضع في هذا المقال أسسا منهجية ونظرية للاجتماع الحضري . وقد نادى بضرورة ان يقوم البحث الحضري على اساس الملاحظة المنظمة للظواهر الحضرية ، كعادة المتخصصين في الانتروبولوجيا . الى جانب تأكيده على القوى التي تتحكم في توزيع الافراد والمؤسسات في البيئة الحضرية ، تلك القوى هي عبارة عن عوامل تمارس تأثيرها على الانسان بشكل مختلف عما يجري من تأثير الطبيعة على النبات   (Park & Burgess, p.2 ) . 
   
وبناءا على ذلك ، تبلورت لدى بارك ، فكرتين أساسيتين تتضمن 
الأولى : التأثير الذي تمارسه ظروف العيش في المدن على سلوك الافراد . 

والثانية : الوسائل التي من خلالها يؤدي التكيف البشري للبيئة الطبيعية الى انقسام في بناء المدينة وتمايزها في مناطق طبيعية تتلاءم مع الانماط البشرية .

 وقد حاول بارك ( وذلك هو همه الاساس ) ان يفهم المدينة بوصفها مكانا ، اضافة الى اعتبارها نظاما اخلاقيا (Moral Order ). فالمدينة بوصفها نظاما هندسيا ومكانا تظهر فيه التقسيمات الاجتماعية ، بناءا على طبيعة المكان ذاته ومدى ملاءمته للافراد ، ليس كذلك فقط ، وانما هنالك فضلا عن هذا النظام الطبيعي او المكاني ، يبرز دور للتنظيم الاخلاقي ، الذي بلا شك يسير جنبا الى جنب مع التنظيم الاول . فاذا كان شخص ما انبهر بضخامة المدينة وتركيبها المعقد ، فأن هذه الخصائص ذاتها لها جذور واساس في الطبيعة البشرية ، التي قد نفهمها ونستنتجها من طبيعة المدينة التركيبي   ( غيث ،د. محمد عاطف ، ص38) .
ومع هذا التداخل بين عنصري المدخل الايكولوجي ، وهما الطبيعة او المكان والنظام الاخلاقي ، فعلى الرغم من اختلافهما فانهما يشكلان حسب تصور بارك ، مركبا ثقافيا واحدا ، نستفيد منه بالمحصلة في فهم المدينة وتمييزها عن القرية او الريف . وبالتالي فان ما قصده بارك بـ (ecology of the city  ) أي ايكولوجية المدينة ، لم يكن ليقتصر فقط على تتبع التقسيم الداخلي للمدينة ، او اكتشاف طرق لمعرفة الاشياء والظواهر الموجودة في المدينة فحسب ، وانما اكتشاف اهمية وتأثير هذه الظواهر في بناء الشخصية الحضرية . 

ان فهم العلاقة بين عنصري الايكولوجيا ( بناء + تقليد ) يعطينا تصورا اخر في مدى تأثير الظروف النفسية والاخلاقية للافراد في استغلال مساحات الارض ، والتحرك والانتقال ، او ما يسمى بلغة بارك العمليات الايكولوجية من تحرك وتعاقب وغزو   (انظر : عوض ،السيد حنفي ، ص172) . ويرى بارك ، ان المدن حال قيامها ، تكون بمنزلة الالية التي تنتقي من مجموع السكان الافراد المناسبين القادرين على العيش في منطقة محددة وبيئة متميزة ، وان ثمة عمليات ايكولوجية تعمل على اتساع المدن وتناميها تلك التي تتعلق ـ كما قلنا ـ بالمنافسة ، والغزو ، والتتابع ،ويتم ذلك وفق قوانين هي أشبه ما تكون بالقوانين البيولوجية ، وعلى نحو ما تقوم به الاسماك والحشرات (..) وتسلك الجماعات البشرية سلوكا مماثلا ، حيث تنشأ الاحياء السكنية ويبدأ سكانها بالتكيف بعضهم مع بعض لتدبير المعيشية ، ومن ثم تصبح المراكز البشرية نقطة استقطاب وتجمع للمصالح الاقتصادية المعيشية والترفيهية ، التي تمتلكها وتستخدمها الشرائح المرفهة ، ومع اتساع احجام المراكز يبدأ القاطنون الاوائل بالتحرك خارج المركز والانتشار في الضواحي مستخدمين طرق المواصلات لتسيير تنقلهم  (غدنز ، انطوني ، ص599) . ولعل العنصر الثاني وهو الثقافة لم يكن بمستوى تحليلي كبير كشأن الجانب الايكولوجي / المكاني في نظرية بارك ، الا انه سيحظى بتحليل اوسع عندما نقف امام مقاربات لاحقة في هذا الاطار . ويتوصل بارك الى جملة خصائص للمدينة بوصفها بنية مكانية وثقافية :

1. للمدينة بناءا تجاريا ، يرجع فيه الفضل الى السوق ، كموقع نشأت فيه التجارة ، وهو بهذا المعنى يقترب كثيرا من تصور علماء الاجتماع الاوائل امثال : (فيبر) .
2. للمدينة بناءا رسميا ، تتجلى فيه البيروقراطيات المعقدة بشكل واضح ، فضلا عن وجود المؤسسات القضائية والتنفيذية .
3. للمدينة تأثيرا نفسيا ، تمارسه على الافراد ، وهو البعد الذي اشار اليه استاذ بارك (جورج زيمل) .
لقد فرضت المراجعة النظرية عند بارك ، ان يحدد لنا من جديد تصنيفا نظريا يساعدنا على فهم المجتمعات المحلية الحضرية ، مقدما لنا مظهرين أساسيين يُعتمدان هنا لتحليل الجماعات الحضرية . المظهر الثقافي ، والمظهر الحيوي ، وقد قصد بالاخير العمليات الطبيعية ، او شبه الطبيعية للتنافس بين الجماعات المختلفة في المجتمع الحضري ، وكان هذا المعنى بؤرة اهتمام بارك ، والذي يجب حسب تأكيده ان يكون بؤرة اهتمام الدراسات الحضرية  
ان تساؤلات المدينة ، جعلت بارك يحدد ثمة عمليات ايكولوجية وراء عالم المدينة ، فما هي الطرق التي تصبح بها ثمة مناطق ذات وضع خاص (مثلا) ، وما هي الطرق التي تتنافس بها المجاميع السكانية المتباينة من قبيل كما كان سابقا ( الباشوات والفلاحين ، الافندية والشيوخ ، الملاك والعبيد ..) اضافة الى فهم لماذا تحل استخدامات معينة للارض محل استخدامات اخرى . فتلك الطرق يمكن ان تفسر بالعملية الايكولوجية ( السيطرة ) و(بالتتابعات) ، عندما تهاجر جماعة اجتماعية تليها اخرى على نفس المنطقة ، فضلا عن وجود مناطق مميزة داخل المدينة مما يمكن تفسيره بالعملية الثالثة وهي (العزل) . وفي توضيح يقدمه موريس R.N.Morris ، حول العمليات الايكولوجية التي تتم داخل المدينة فانه يقسم العمليات الى النحو الآتي  : Morris.R.N,pp.101-102) ) . 
أ‌. التركيز وعدم التركيز :
 تظهر هذه العملية نتيجة للتفاوت في توزيع السكان على حيز الدولة ، ويرجع هذا التفاوت الى عاملين هما : الاختلاف في معدلات الزيادة الطبيعية بين المناطق المختلفة وعدم الاتساق في احجام الهجرة ومعدلاتها بين مناطق الوطن الواحد او اقاليمه .

ب‌. المركزية واللا مركزية (Centralization and Decentralization ) :
ويعنى بهما زيادة او نقص سيطرة المدينة او مكانها المركزي على مجال اقليم المدينة الكبرى وبخاصة فيما يتعلق بالخدمات المتاحة للإقليم .

ت‌. الغزو والانسحاب (Invasion and Retreat ) : 
وتحدث هاتان العمليتان عندما يكون هناك انفصال بين القاطنين في المركز الحضري ، وأماكن صناعتهم او تجارتهم او بين بعض القاطنين مع بعضهم ، وينظر للغزو كعملية ايكولوجية في وصول جماعات عدة ذات انتماءات طبقية متباينة الى منطقة ما . اما الانسحاب فهو الحركة التدريجية التي يترك بمقتضاها القاطنون أماكنهم لكي ينتقلوا خارج منطقة سكناهم او منطقة عملهم . 

ارنست بيرجس (1886 – 1966 )

يشاطر بيرجس زميله بارك فيما قدمه من تصورات ومفاهيم ايكولوجية ، وقد وجد المدخل الايكولوجي طريقه في التطبيق على يده . ففي الكتاب الذي اشترك فيه بيرجس مع بارك سنة 1921 " مقدمة في علم الاجتماع " (Park.R & E.Burgess  ). استطاع ان يقدم تمييزا لا نقول انه مبتكر نظري ، كونه ظهر في أعمال سابقة لا سيما عند تونيز، ذلك التمييز تضمن مصطلحا المجتمع المحلي (Community ) والمجتمع (Society ) ، ولان المجتمع المحلي بوصفه المظهر المكاني للجماعات الإنسانية ، فهو يمثل بؤرة الاهتمام الرئيسية في كل دراسة ايكولوجية .

لم يكن بيرجس ينظر الى البناء الايكولوجي للمدينة بوصفه جانبا استاتيكيا ، وانما اعتبره عملية ديناميكية، تتجسد بشكل واضح في النمو الفيزيقي للمدينة ، ويتمثل هذا النمو بالتوسع المكاني داخل المدينة، وهذا هو المحور الرئيسي في اهتمام بيرجس، اذ انه يبحث هذا الجانب بمزيد من الإحاطة ، وهذا ما نجده عند تعميم اهتمامه من التوسع المكاني الى بحث اثر هذا التوسع على التنظيم الاجتماعي والشخصية . لكن يبقى السؤال هنا ، كيف نعمل على قياس هذا النمو السريع للتوسع المكاني في المدينة ؟ وللإجابة على ذلك حدد بيرجس مؤشرا لفهم هذه العملية الايكولوجية، وهو مؤشر الحراك او التنقل ، في حين يتخذ من قيمة الارض مؤشرا ومقياسا لهذا الحراك . فكلما كانت عملية التنقل سهلة ، كانت بالمقابل عملية التوسع المكاني متوازنة ، دون احداث تفكك تسفر عنه ظواهر حضرية منحرفة  (Burgess.E, pp.48-49 ) .

إذا ، نفهم من العرض السابق ان ثمة تغيرا يحصل في البناء الايكولوجي للمدينة ، ولمعرفة هذا التغير بشكل تطبيقي ، وما ينتج فيه من انماط مكانية متمايزة ، اعطى لنا بيرجس تصورا لمدينة شيكاغو بوصفها انموذجا مثاليا ، احتوى على مجموعة من الدوائر او الحلقات الدائرية (Zones ) اذ تمثل كل حلقة نمطا ذو خصائص محددة ومختلفة عن الاخرى ، تمتد من المركز (Center) الى الاطراف في خمس دوائر متتابعة بمركز واحد ، والرسمه الاتية توضح نموذج بيرجس : ( انظر : المراياتي ، د. كامل ، ص130) 
            ومع هذا الاختلاف المظهري ، الا ان جميع هذه المناطق تمثل التمايز الوظيفي داخل المدينة ، اضافة الى ذلك فان بيرجس تخيل لنا ان استخدام الارض في كل منطقة من هذه المناطق انما يتم عبر عملية معقدة للتنافس ، يتم من خلالها هذا التوزيع المكاني او المناطقي . بل انه اضافة الى عملية التنافس هناك عمليات اخرى تتحكم في هذا التوزيع ، تلك هي عمليات ( الغزو ) التي تدفع بالمناطق الداخلية الى غزو المناطق التي تحيط بها ، ثم تحصل عملية (التوزيع) ، ويأتي بعدها ( التعاقب ) بين هذه الدوائر ، وبناءا على هذه العمليات الايكولوجية ، فانه تحصل بالضرورة عملية لاعادة توزيع الافراد او الجماعات والأنشطة والمواقع السكنية . وبالتالي ، فان شرح وتفسير هذه العمليات الايكولوجية ، يكون بعوامل شبه اجتماعية ، ويقصد بها : النمو السكاني ، التغير التكنولوجي ، الميول الفطرية البشرية ، كالاتجاه الطبيعي المزعوم للتنافس على المكان داخل المدينة .

الفصل الثاني : تطورات نظرية في فهم البناء الاجتماعي / الحضري 

مدخل تمهيدي :
شهدت النظرية الايكولوجية المبكرة عنفوانا نظريا ، لكنه لم يدم طويلا ، والسبب ان هذه النظرية تعرضت لانتقادات حادة تكللت في محاولات اما لرفضها كليا ، او لتعديلها واضافة مفاهيم جديدة لها .وقد بدأت تلك المحاولات في عقد الأربعينات اذ تركزت إعادة النظر حول نقاد جوهرية في النظرية الايكولوجية ،وفيما يتعلق بثنائية (الحيوي ـ الثقافي)  والاعتماد على متغير المنافسة كأساس للتنظيم الاجتماعي ، ومدى كفاءة المفاهيم الاساسية المستخدمة للتفسير .
وقد صنفت الاتجاهات التي وضعت النظرية الايكولوجية على طاولة النقاش الى اتجاهين أساسيين :
الاتجاه الأول : 
يمثل امتدادا للنظرية الايكولوجية المبكرة ، مع وضع بعض التعديلات ، التي تأخذ بعين الاعتبار العناصر الجوهرية في النظرية ، كالتأكيد على الجانب الحيوي والثقافي . ويمكن ان نطلق على هذا الاتجاه " الاتجاه الايكولوجي التقليدي المعدل " .

الاتجاه الثاني :
يمثل رفضا لجوهر النظرية الايكولوجية المبكرة ، ورفض الاتجاه الاول في تصحيح المدخل الايكولوجي ، واعتمد اعتمادا كليا في توجيه المدخل الايكولوجي توجيها سوسيولوجيا بحتا. وعليه فيمكن ان نسمي هذا الاتجاه " بالمدخل السوسيوايكولوجي " . اما دراسات المجتمع المحلي ، والتي تعد من التطورات اللاحقة في علم الاجتماع الحضري  ، فانها كانت موجهة نحو وصف الواقع الاجتماعي وصفا تجريبيا ، وتلك هي العلامة المميزة للمجتمع المحلي ، وقد كان ذلك بدافع من تأكيد المفكرين المحافظين والليبرالين لدراسة احوال الطبقة العاملة والفقراء في انكلترا في القرن التاسع عشر ، وكان الهدف من كل ذلك ، هو التأثير في السياسات العامة نحو معالجة احوال الفقراء وقضاياهم الحياتية . وعموما فان تلك التطورات النظرية والامبيريقية ، اعطت هوية واضحة لعلم الاجتماع الحضري رغم ان الجدل النظري في هذا السياق كان على اشده ، مما قد يصعب على الدارس الامساك بواحدة من عناصر الجدل الا ان ذلك امر طبيعي ، اذا ما نظرنا الى علم الاجتماع بعامة ، انه علم ذو ابعاد نظرية متشعبة ومتناقضة ، وليست القضايا الحضرية بمأمن عن هذا الحال ، فهي الاخرى خضعت للشد والجذب بين هذا التوجه او ذاك ، وهذا ما سنلاحظه على الاقل في دراسات المجتمع المحلي .  

أولا : الاتجاه الايكولوجي المعدّل 

يمكن القول : ان هذا الاتجاه ليس خصيما ولا ناقما على المدخل الايكولوجي التقليدي ، بقدر ما هو مدافعا ومروجا من جديد لافكار بارك وبيرجس ، وقد برز في هذا الاطار ، باحثان هما : جيمس كوين ، واموس هاولي ، اللذان قدما لأفكار المدرسة الايكولوجية بطريقة حذّرّة ، وقصدنا من ذلك ، أنهما يعملان وهما يناقشان تلك الأفكار بأسلوب " الشد والجذب " فمثلا هما يشيران الى ان المدخل الايكولوجي يفترض أن لا يقتصر على دراسة التوزيع المكاني للظواهر الاجتماعية فقط ، لكن في جانب مناقض تبقى للعوامل شبه الثقافية دورا اكثر وقعا في توزيع تلك الظواهر ، ومع ذلك فان التحليل الايكولوجي حسب رأيهما يمتد الى ابعد الموجهات المؤثرة غير التوزيع المكاني  (احمد ،د.غريب م ، ص 219) 
وفي معرض مناقشتهما لقوى التغير الايكولوجي ، فقد شككا في الأهمية التي انفرد بها متغير " المنافسة " بوصفه متغيرا أساسيا للتفسير والتحليل الايكولوجيين ، ويعللان ذلك ، بان ثمة عمليات أخرى تتحكم في ديناميات النمو الحضر وأنماط التوزيع المكاني للمدينة ، وبالتالي كان حقا ، ان توضع تلك العمليات جنبا الى جنب مع متغير المنافسة (احمد ، د. غريب ، والسيد ) .
ملخص الحديث ، ان ماقدماه كل من كوين وهاولي ، لم يكن بالشيء الجديد ، سوى التخريجات التي قدماها لتبرير منطلقات النظرية الايكولوجية ، كالتأكيد ــ كما قلنا ــ ، على العوامل شبه الثقافية التي تتحكم في البناء الايكولوجي . 

ثانيا : الاتجاه السوسيو ايكولوجي  

لقد تطورت الاراء وتبلورت بشكل يدعو الى نقل الاهتمام من دراسة الوحدات الصغيرة ، كما نظرنا في اعمال كوين وهاولي ، الى الاهتمام بدراسة الوحدات الاجتماعية الكبرى ، بداعي الانساق الاجتماعية توجد " ككيانات " قائمة بذاتها ، فضلا عن انها تكشف عن خصائص بنائية ، يمكن دراستها وتحليلها بمعزل عن الخصائص الفردية ، وفي هذا السياق النظري الجديد ، طور دونكان Duncan وشنور Schore دراستهما عن الانساق الاجتماعية الكبرى  (Duncan,O.D,&L.schnore,pp.132-153 ) . وزبدة ما قدماه هو ان خصائص هذه الانساق يتم تحديدها من خلال ملاحظة الانشطة المنظمة التي تنشأ عن التفاعل المستمر .فكان اهم ما أضافاه هو تحليلهما للتنظيم الاجتماعي ، واعتبار هذا الجانب محور اهتمام الدراسة الايكولوجية ، والاهتمام بهذا الجانب يجنب الباحث ـ على حد قولهماـ ما اتسم به المدخل السلوكي والمدخل الثقافي من سلبيات ، ولتبرير ما يؤكدانه ، فانهما يطرحان جملة قضايا في هذا الشأن :

  • القضية الاولى : إن كلا من المجتمع والثقافة ، وجدا أساسا بهدف تنظيم السكان .
  • القضية الثانية : يساعد التنظيم على توافق السكان مع الظروف الضرورية ، التي يضطرون فيها الى الارتباط والتعاون المتبادل مع بعضهم البعض .
  • القضية الثالثة : إن الروابط الاجتماعية ، هي عبارة عن اعتماد متبادل للوحدات في نوع من تقسيم العمل ، وبالتالي يؤدي ذلك الى " التكامل الوظيفي " ، الذي هو سمة من سمات التنظيم الاجتماعي  (Duncan,O.D,&L.Schnore , p.136 ) . 
إذا ، ينحصر اهتمام دونكان وشنور بتحليل بناء النشاط المنظم للسكان ، بعيدا عن الاهتمام بالمواقف والدوافع والمعتقدات التي يتبناها الافراد . وقد اعتبر الباحثان " التوازن " خاصية الانساق الاجتماعية المغلقة ، التي توجد داخل بيئة ثابتة ومستقرة ، والفضل في الاستقرار وتحقيق التوازن انما يعودان الى فعالية التنظيم الذي يعمل على ترتيب الأنشطة والأدوار وتحقيق التكامل الوظيفي . اضافة الى ذلك ، فقد طرحا اطارا ايكولوجيا يتضمن اربعة متغيرات ، يمكن من خلالها فهم الثبات والتغير في الانساق الاجتماعية وهي ( البيئة ، التكنولوجيا ، السكان ، التنظيم ) ترتبط هذه المتغيرات فيما بينها ارتباطا علميا ووظيفيا متبادلا لتشكل ما اسميناه بـ " المركب الايكولوجي"
Ecological Complex  Duncan,O.D,&L.Schnore , pp.678-716 .

ثالثا : دراسات المجتمع المحلي ( دراسات تطبيقية وتغيرات منهجية )

لعل اهم ما يسجل في تلك الفترة ـ أي فترة الانفصال ـ هو الابتعاد عن التطورات التي رافقت علم الاجتماع الحضري ، سواء تلك التطورات التقليدية او التطورات التي قدمها علماء مدرسة شيكاغو . فكانت محاولة دراسة المجتمعات المحلية بمثابة اضافة لعلم الاجتماع الحضري ، لا على المستوى النظري الذي طرح سابقا ، وانما استنادا الى الملاحظات والتوصيفات الاجتماعية الواقعية ، والتي اختلفت ايضا في اجراءاتها المنهجية عن الدراسات السابقة .
وقد كان الهدف من وراء ذلك ، هو ان يرتقي الاهتمام الى ايجاد وسائل لاقناع صّناع السياسة والنخبة ، بالحاجة الى اصلاحات اجتماعية ن ولعل خير من يمثل ذلك الاهتمام هو شارلز بوث Ch.Booth صاحب البحث الشهير " حياة وعمل سكان لندن " Life and Labor Of The People Of London الذي نشر لاول مرة سنة 1891  . كانت هذه الدراسة من اهم الدراسات الامبيريقية ، فقد استطاع من خلالها بوث ان يجمع العديد من المعطيات باستخدام السجلات الرسمية والدراسات المسحية ، وراح يسجل مختلف الظروف الاجتماعية التي أحاطت بالمدينة ، موضحا لنا حجم الفقر القاتل الذي عاشه سكان المدينة في وقته ، وليؤكد ذلك لم يكتفي بوضع الجداول الإحصائية ، بل عمد الى رسم خرائط لمختلف الظروف التي أحاطت بالمدينة . 

باستثناء الدراسة أعلاه ، قامت دراسات لاحقة لكنها مقتصرة على تحليل وتفسير المدينة الصغيرة ، وكان ذلك مبررا لمشكلات منهجية واجهت الباحثين ، وإمكانيات استخدام الحاسوب في العمليات الإحصائية ، الى جانب ـ وهذا هو المهم ـ ما تركه الانتاج الزراعي في امريكا من اثر واضح في الإبقاء على نمط إقامة لا مركزي ، مما انعكس على البناءات الحكومية وعلى انماط الحياة الاجتماعية السائدة ، مما تمخض عن هذا النمط وجود المدينة الصغيرة المنعزلة نسبيا . وهو عكس ما ذهب اليه بارك في دعوته لدراسة المدن الكبرى . فكان هناك مجموعة من الباحثين وجهوا انظارهم صوب " عوالم صغيرة " داخل المجتمع الحضري .

وقد نجد في دراسة " الميدلتون " أنموذجا واضحا لهذا التوجه المنهجي الجديد ، اذ ذهب (روبرت وهيلين ليند) Robert and Helen Lynd الى مدينة " مونسي" Munice بولاية " انديانا " ليقدمان بعد ان مكثا في مونسي ثمانية عشر شهرا ، تحليلا مفصلا للحياة الاجتماعية ، ولشريحة صغيرة من المجتمع الامريكي ، وكان الهدف من ذلك وضع تصور سوسيولوجي عن المجتمع المحلي ، مركزين على ست مظاهر للحياة الاجتماعية ( نوع العمل ، حياة الاسرة ، تربية الطفل ، الدين ، نشاط المجتمع المحلي ، نشاطات وقت الفراغ ) . وبعد مضي ما يقرب من عشرات سنوات من دراسة روبرت وليند ، عادا الى مدينة مونسى ، ليوضحا كيف تغيرت المدينة الصغيرة ، لاسيما بعد ازمة الثلاثينيات ، فاصدرا مرة اخرى " الميدلتون " بصيغته الانتقالية سنة 1937 ، وقد اوضحا لنا ام هنالك متغيرا جديدا حظي باهتمام تلك الفترة ، اذ تركزت الدراسة اعلاه على توزيع القوة ، والتأثير داخل المجتمع المحلي . كما اوضح الباحثان ، كيف ان السلطة الاجتماعية والسياسية تركزت في ايدي اسرة معينة كانت تسيطر على الحياة الاقتصادية وعلى العمالة المحلية في المدينة ، ليكون هذا الاهتمام لاحقا دافعا نحو توجه دراسات المجتمع المحلي للمحاور السياسية .

ان دراسة الميدليون ، كانت حافزا لدراسات مثيلة في هذا الاطار ، اذ نلحظ نفس الاجراءات المنهجية التي استخدمت في الدراسة اعلاه . فقد طبقت في دراسة مدينة " اليانكي سيتي " Yankee City لمؤلفها لويد وارنر Loyd Warner مع فريق من الباحثين في مدينة بلغ عدد سكانها (19,000) نسمة ، لكن هذه الدراسة لم تحظى بالقبول الاكاديمي الكبير ؛ لان لويد وارنر استخدم متغير ( الطبقة ) ليتخذه معيارا اوحديا في وصف كل مظاهر الحياة الاجتماعية ، وهو عكس ما قام به روبرت ليند من استخدامه لعدة متغيرات في وصف حياة المدينة ، وعموما فان وارنر ركز على تناقضات بسيطة وسطحية ، ما بين الطبقات الاجتماعية المختلفة في المدينة .

ومن الدراسات الشبيهة في هذا الاطار ، تلك الدراسة التي قدمها ميشيل يونج Young  وبيتر ويلموث Willmoth الاسرة والقرابة في شرق لندن سنة 1957 ، وقد اشار الباحثان في بحثهما " الطبقة العاملة التقليدية في بنثال جرين " عدم ملاءمة المبررات التقليدية والمتداولة حول التحول والانتقال الى نمط الاسرة النووية في المجتمعات الصناعية . فمع هذا التطور الصناعي بقيت العائلة الممتدة ، ولكن في شكل معدل ، تكون السلطة فيها للام وعلاقتها بابنتها مما ادى الى ظهور ما يسمى بـ ( مجتمع محلي امومي ) ارتكز على دور الام في مساعدة ابنتها ، لاسيما في مجال تربية الطفل  . هذا ويوضح (Thorstein Verblen) في نظريته عن الطبقة المترفة ، ان نشوء هذه الطبقة ازداد مع تطور المجتمع الصناعي ، اذ يرى ان في المدينة الصناعية المتطورة يصبح استعراض سلطان المال ، وبالتالي بلوغ حسن السمعة والمحافظة عليها ، هي الفراغ والاستهلاك الواضحين واللذين يميزان حياة المدينة . وعلى هذا الاساس ، يرى ان الفراغ والاستهلاك من الوسائل المحببة الى الناس من اعلى درجات السلم الاجتماعي الى ادنى درجة . ان هذا الخضوع للفراغ والاستهلاك المظهري لطبقات المجتمع ، انما فرضته حياة المدينة على الافراد 
اما اذا انتقلنا الى امريكا ، فاننا سنجد باحثيها اهتموا بنفس الموضوعات السابقة تقريبا ، اذ نرى هربرت جانز Gans اجرى دراستين حول الحياة الاجتماعية في احدى الضواحي ، كضاحية " الليفتون " Levittion ليوضح لنا ان حياة الاسرة تشكل محور الارتكاز في الضاحيتين ، ويعزو سبب توسع الضاحية الى دور الطبقة الوسطى في ذلك ، خاصة في تربية اطفالها . هذا وقد اوضح جانز وجود العلاقات القرابية الوثيقة عند القرويين لاسيما الجماعات الايطالية ، وهي تعد اهم الموجهات للحياة الاجتماعية في الضاحية ، الى جانب انه استطاع ان يقدم لنا طريقة جديدة للحضرية خلافا لـ (ويرث ) موضحا ان هناك علاقة وثيقة بين السياقات الفيزيقية خاصة السياقات السكنية والجوار ، وطرق الحياة السائدة  فطريقة جانز ، تعبر عن الملاءمة مع الاقامة والعيش في الضواحي. 
وسيرا على خطى دراسات المجتمع المحلي ، جاءت اهتمامات اكاديمية جديدة ، لتسلط الضوء على الحكومة المحلية ، وكان الدافع الى ذلك هو حركة اصلاح المجالس البلدية ، الى جانب التطور الحاصل في مجال العلوم السياسية والسلوكية . وفي هذا السياق ، ظهرت دراسة فلويد هانتر Hunter سنة 1952 عن اشكال التأثير السياسي والاجتماعي في مدينة اتلانتا بولاية جورجيا ، اذ كان عدد سكانها وقت الدراسة (500,000) نسمة ، وكان هدفه هو التركيز على العمليات السياسية المحلية ، خلافا للدراسات السابقة التي ركزت على الاسرة والقرابة . واوضح هانتر كيف ان القوة كانت في ايدي الصفوة الاجتماعية والاقتصادية بالمدينة ، وليس بيد النخب المحلية . وبالتالي فقد افرزت لنا هذه الدراسة حقلا جديدا من الاهتمام تمثل في ضرورة دراسة السياسات الحضرية   .
وفي الوقت الذي اشار اليه هانتر الى موضوعة السيادة السياسية ، برز على النقيض من ذلك روبرت دال Dahl ليشيرالى تشتت وتنوع بناءات القوة في المجتمع المحلي ، وهذا ما نفهمه على الاقل من عنوان كتابه " من الذي يحكم " Who Governs وكان ذلك في سنة 1961 ، فقد وجد في مدينة نيو هافن ان الصفوة الاجتماعية والاقتصادية لم تكن مهتمة بسياسات المجتمع المحلي ، بمعنى ان هناك تعددية في امتلاك القوة   .
وباقتضاب شديد ، فان تنظيم المدينة لا يصح ان ينظر اليه فقط بانه انعكاس للطبيعة البشرية ـ كما اشار بارك ـ وانما يجب ان نربط هذا التنظيم بوصفه يعكس لنا انماطا متنوعة من المصالح السياسية وبناءات السلطة ، وبالتالي فالبيئة الحضرية نتاج العمليات الاجتماعية والسياسية ، ولنقل ايضا العمليات الايكولوجية .

رابعا : ثنائيات التصنيف ( عود على بدء ) 

مدخل تمهيدي :

أفرغنا في المحاولة السابقة من عرض وتحليل دراسات المجتمع المحلي ، وقد قادنا الحديث في ذلك الى وصف المجتمع المحلي كوحدة للتنظيم الاجتماعي والمكاني ، يعيش ضمن حدودها جموع من الافراد ، يتفاعلون بطريقة رتيبة ومنتظمة . كما استنتجنا جملة خصائص للمجتمعات المحلية من الدراسات التي عرضناها ، واتضح ان لهذا التنظيم خصائص مميزة عن الوحدات الاجتماعية الاخرى . فكان من ابرزها : ان تنظيم المجتمع المحلي يتحدد في سياق اجتماعي ومكاني ، لان له القدرة على استيعاب كل حياة الفرد ، وتوفير متطلبات وجوده المادي ، من خلال اشباع لحاجاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية ، الى جانب سوسه ، واخضاعه لقوة محلية ، سواء القوة التي تستند في شرعيتها على الجانب التقليدي ( الاسرة – القرابة ) ، او وجود لنمط سياسي محدث ، كالمجالس المحلية . وبناءا على هذا المعنى التخصيصي / العمومي فان المجتمع المحلي ، يمكن تمييزه كوحدة اجتماعية عن باقي وحدات التنظيم الاجتماعي , وفي الوقت نفسه يجعلنا امام كم هائل من نماذج المجتمعات المحلية المتعددة ، تنطبق عليها نفس الخصائص السالفة الذكر . 

وتأسيسا على القول السابق ، يمكن الحديث عن مجتمعات محلية كالقبيلة ، والعشيرة ، والمدن الصغيرة ، وحتى المدن العملاقة، فيا ترى، كيف يمكن لنا ان نحدد مجال دراستنا في ضوء هذه الثنائية التخصيصية / العمومية، ولاختصار الحديث، فان اهتمامنا يأتي هنا للتركيز على المجتمع المحلي الحضري ، ومن هذه اللفتة تحديدا، آتت دراسات اخرى لتضع ما طرحناه في صيغة تساؤل ، مجيبة عليها بثنائيات تصنيفية لتمييز المجتمع المحلي الحضري عما سواه ، وسيتضح في قادم الحديث ، ان هناك العديد من المتغيرات ، او لنقل المحكات بلغة المختصين بهذا الشأن، مثل الحجم وكثافة السكان، والخصائص الايكولوجية ، الى جانب الخصائص الاجتماعية والثقافية. وسوف نعتمد في هذا السياق بعضا من الطروحات التي قدمت ، وكان من اهم الافكار التي تضمنتها، فكرة النموذج المثالي، وفكرة النموذج التركيبي وفكرة المتصل الريفي الحضري ، كأدوات تصورية  لتحليل المجتمع الحضري، ويجدر بنا ونحن في صدد عرض الثنائيات ، ان نوضح ما المقصود بهذه الأدوات، مستبعدين فكرة النموذج التركيبي ، لعدم قناعتنا باختلافه الجوهري عن فكرة النموذج المثالي .   
فالمقصود بالنموذج المثالي (Ideal Type) ، تلك الصياغة التصورية، او البناء العقلي لصيغة معينة ، تشمل عناصر مميزة لفئة محددة من الظواهر ن ويعتمد في رصد هذه العناصر على مشاهدات مستقاة من الظواهر الملموسة التي خضعت للدراسة. ومن خصائص هذا البناء النظري ، انه لا يتطابق مع أي ملاحظة مفردة ، وهذا يعني ان ثمة عناصر مشتركة تجمع عدة ظواهر، لتشكل نموذجا يعتمد عليه ، ويرجع الفضل في استخدام هذا المفهوم الى ماكس فيبر كمنهج او اسلوب يستخدمان معا في الوصف والمقارنة واختبار الفروض . ومن أمثلة النماذج المثالية " الانسان الاقتصادي " " المجتمع المحلي " " الدكتاتور " " البيروقراطية " وهلم جرا .  

فالنموذج المثالي ، يعتمد على مقدمات منطقية تقود الباحث الى ملاحظات منطقية ، وهذا ما يفهم من كلمة " مثالي" ، وليس كما يفهم احيانا بانه " اخلاقي " ، او معادل لمتغير " المتوسط " بالمعنى الاحصائي . وعلى كل حال ، فان النموذج المثالي يقوم بوظيفتين : الاولى ، حالة او نموذج محدد يمكن من خلالها مقابلة الظواهر الملموسة ، والثانية ، تطوير تعميمات نموذجية تشكل أساس التفسير للاحداث التاريخية ، كالتي أشار اليها ماكس فيبر في دراسته المشهورة " الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " ، وكذلك رصده وتتبعه لانواع السلطة ، مع تفسيره للبيروقراطية  .
اما فكرة " المتصل الريفي الحضري " ، فهي طريقة قدمها واعتمدها ريدفيلد ، وتستند اساسا الى تصور ان أي خاصية للظاهرة تمّثل بدرجة معينة ، ان هناك تغيرات متدرجة في حجم وأهمية هذه الخاصية على المستوى التطبيقي ، بمعنى ان هناك نوع من التدرج يقوم بين خصائص الريفية والحضرية أشبه بخط مستقيم ، اذ تزداد درجة أي من هذه الخصائص او تقل تبعا لواقع كل مجتمع على حده ، وبالتالي من الممكن ان نصنف المجتمعات المحلية وفقا لوقوع خصائصها على نقاط معينة على طول هذا المتصل . هذا وتستند فكرة المتصل الريفي الحضري ، على دعوى مشفوعة بملاحظات ميدانية ، انها لا تؤكد وجود نمط ريفي بحت او نمط حضري بحت ، وانما هنالك نوع من التداخل بين النمطين من خلال تزايد او تناقص خصائص احد هذين النمطين ، ومن خلال ذلك يمكن القول : ام مجتمعا من المجتمعات اقرب الى الريفية او الى الحضرية . وهذا المعنى يقودنا أيضا الى الإقرار بان هذا التدرج في الخصائص يتزامن معه اختلافات في أنماط السلوك ، تجعل المجتمع يشذ او ينحرف عن النمط المثالي ، الذي يصنف ضمنه ، بمعنى اقرب ان مجتمعا ما اذا كان يصنف بأنه ريفي ، أصبح اليوم يصنف على انه حضري ، وبالتالي ثمة انحراف واضح عن النموذج المثالي "الريفي" مثلا .  
أولا : سوروكين وزيمرمان ( الثنائية الريفية الحضرية )
لعل واحدة من أقدم المحاولات التي بُذلت لأجل تحديد خصائص المجتمعان الريفي والحضري ، تلك التي قدمها سوروكين وزيمرمان . وتتلخص محاولتهما في اعتبار معيار " المهنة " محكا أساسيا وأوليا لمعرفة خصائص نموذجي المجتمع الريفي والحضري ، ويقودنا الاهتمام بهذا المعيار الى معرفة معايير أخرى تعتمد جميعها في التمييز بين الريف والحضر ، وفيما يلي نستعرض هذه المعايير :

1. المهنة :

ينظر للمهنة هنا ، بوصفها ملمحا واضحا يطغى على حياة جموع من الافراد يسكنون في بقعة جغرافية ، ويمارسون جميعهم أعمالا مهنية كالتجارة ، والصناعة ، والحرف ، والإدارة ، وبالجملة فانهم يمارسون أعمالا غير زراعية ، وهو أمر نجده مختلفا تماما عندما نقارن ذلك بالمجتمع الريفي ، الذي يغلب عليه الطابع الزراعي ويترتب على هذا الفرق الأساسي ، فروقا أخرى لا تقل شأنا في المقارنة ، لعل اهمها ما نلحظه على افراد المجتمع الريفي من ارتباطهم الشديد بالارض والجماعات القرابية . وهذه حالة قد تصلح للتفسير والاستناد عليها ، فيما اذا أخضعنا الفرد المهاجر للحضر الى الدراسة ، فاننا سنجد تعلقا وحنينا الى الارض التي ترعرع فيها ، مما يجعله اقل اعتناقا للقيم الحضرية ، التي تمثل بالنسبة اليه قيم طارئة ، والى جانب هذه الخاصية ، فان التخصص وتقسيم العمل ، لا نجده في مجتمع الزراعة . اما اذا اعدنا النظر في بنية المجتمع الحضري ، فسنجد على العكس من ذلك ، اذ هنالك تخصص وتقسيم للعمل ، وابتعاد افراده ـ أي افراد المجتمع الحضري ـ عن الانتماءات القرابية فضلا انهم ينفتحون على عوالم مهنية متعددة ، ويجدون امامهم خيارات وبدائل متنوعة تلبي رغباتهم .

2. البيئة :

ثمة فرق اخر ، يقدمه سوروكين وزيمرمان ، ذلك الذي يتعلق بعلاقة الانسان بالبيئة ، ونظرا للطابع الزراعي الذي يخيم على طبيعة المجتمع الريفي ، فان الفرد فيه يطاوع تأثيرات البيئة ويخضع لها دون ان يخضعها له ، ورغم سلبية هذا الجانب ، الا ان الفرد الريفي يحبب هذه العلاقة ويعتبرها اوثق العلاقات ، الى حد وصف " الارض بالشرف" اذا ضاعت منه ضاع شرفه ، لكن اذا ما نظرنا الى المجتمع الحضري فان مما لاشك فيه ان الفرد الحضري يجعل البيئة رهن مطاوعته ، ومع هذا الفرق في العلاقة مع البيئة لدى الريف والحضر ، فان ثمة مشكلات بيئوية تظهر في المجتمع الحضري على العكس في المجتمع الريفي ، وهذا يعود الى الاستخدامات البشرية للبيئة . وفيما يلي نبين ذلك في ترسيمات توضيحية : 

3. حجم المجتمع :

لاشك ان متغير الحجم هو الآخر أثار جدلا فيما اذا استخدم للتمييز بين الريفي والحضري ، وفي هذا السياق فهل يطبق الحجم على المساحة التي يشغلها المجتمع ، ام هو عبارة عن مجموع أفراده ؟ وللوقوف على زبدة الموضوع ، بعيدا عن جدليته ، فأن سوروكين وزيمرمان وغيرهم من الباحثين أمثال : لويس ويرث ، نظروا الى الحجم كمحك للتمييز بين المجتمعين الريفي والحضري ، فثمة علاقة عكسية بين الريفية والعمل الزراعي وبين حجم المجتمع ، فكلما صغر حجم المجتمع ازدادت الريفية ، في حين وعلى النقيض من ذلك يتميز النموذج الحضري بكبر حجمه النسبي ، ومن ثم فأن هناك علاقة طردية بين الحضرية واتساع الحجم ، بمعنى اخر كلما ارتفع حجم المجتمع ارتفعت معه الحضرية .

4. كثافة السكان :

وبناءا على المعنى السابق ، فأن الكلام أعلاه ينطبق من حيث العلاقة فيما يخص كثافة السكان ، فهنالك علاقة عكسية بين الريفية وانخفاض السكان ، الى جانب وجود علاقة طردية بين الحضرية وارتفاع الكثافة السكانية .

5. التجانس والتغاير :

اتضح من جملة ما اشرنا اليه سابقا ، ان المجتمع الريفي مجتمعا قد يخلو تماما من أي تنوع عرقي ، بسبب العلاقات القرابية القوية ، التي تجد منبعا لها في العصبية القبلية ، وعلى هذا الأساس فان تجانس الافراد في الريف أمر واضح تماما ، ولعل هذا يرتبط أيضا بعاملي الحجم والكثافة السكانية اللذين سبق الحديث عنهما . وعلى العكس من ذلك فان ضخامة البيئة الحضرية واتساع الخيارات في إقامة العلاقات الاجتماعية ، بسبب التخصص وتقسيم العمل فان كل ذلك يدعوا وصف المجتمع الحضري بأنه مجتمع غير متجانس .

6. التمايز الاجتماعي والتدرج الطبقي :

إن انساق المكانة والتدرج الطبقي ، تختلف بين نموذجي المجتمع الريفي والحضري ، ويرجع ذلك الاختلاف في نظر سوروكين وزيمرمان الى الاختلاف في مصادر التركيب المهني . ففي المجتمع الحضري ترتكز انساق التدرج الطبقي على العلاقات الاجتماعية الثانوية . اما في المجتمع الريفي فيلاحظ ان التمايز والتدرج الطبقي مسائل شخصية ، لان الشخص في مجتمع القرية بإمكانه ان يمارس مهنة الآخرين ، ومن ثم فليس هنالك أي تمايز اجتماعي في هذا السياق . في حين نجد ان الحياة الحضرية تفرض على الفرد ان يبقى في موقع محدد وليكن في طبقة دنيا ، لان معايير الحضرية تتطلب ان يجتهد المرء كثيرا في استحصال المصلحة المادية ، ومن ثم فان هذا من شأنه ان يحسن ويرفع من قيمة مستواه المعيشي والتعليمي ، ليكون أساسا في ارتقاء الفرد من طبقته الدنيا الى أعلى .

7. الحراك والتنقل :

يرتبط موضوع التمايز والتدرج الطبقي بطبيعة الحراك والتنقل لاسيما في المجتمع الحضري ، سواء كان هذا الحراك مكانيا او مهنيا او اجتماعيا ، والصورة هنا تبدو اقل وضوحا بالنسبة لسكان الريف اذا ما استثنيا تحركهم المكاني ، فيما يخص الهجرة الى المدينة ، اما بالنسبة الى حراكم المهني والاجتماعي فهو امر لا يبدو واضحا ، وهذا ما يميزهم عن سكان الحضر . فالحراك بصوره المتعددة يرتبط طرديا بالحضرية ، في حين يرتبط عكسيا بالريفية .

8. انساق التفاعل :

لاشك ان الحديث عن انساق التفاعل ، جاء نتيجة منطقية لما تحدثنا عنه في الفقرات السابقة من محكات تمييزية بين الريف والحضر . فصغر حجم المجتمع الريفي يجعل نطاق التفاعل الاجتماعي ضيقا ، بمعنى انه هناك علاقات حميمية ووثيقة من النوع الأولي ، والذي يسمح بمعرفة دقيقة لكل فرد تجاه فرد آخر ، وعلى العكس كما في المجتمع الحضري ، فان نطاق التفاعل يكون أكثر سعة ، ولعل الحجم الكبير للمكان الحضري هو سبب لهذه السعة في التفاعل ، مما يجعل طبيعة التفاعل ذاته حذّرّة وسطحية او ثانوية ، فالأفراد في المدن الحضرية لا يتعاملون مع بعضهم البعض بناءا على الانتماءات العشائرية ، وإنما ينظرون لبعضهم البعض كأرقام ، او كعناوين ، اذا ما استلزم التفاعل معها فانه تفاعل قائم على أساس ( العقلانية المادية ) .

ثانيا : ريدفيلد ومتصل الريفي ـ الحضري 

لم يكن ريدفيلد مهتما كغيره من العلماء بوضع نماذج مثالية ، وانما الى جانب ذلك ولعه ببحث وتفهم التغيرات التي تحدث عندما يتحول المجتمع من حالة الريفي الى حالة الحضري  . ولتدعيم وجهة نظر ريدفيلد حول ثنائيته الشهيرة ( الريفي ـ الحضري ) قام بعدة دراسات ميدانية لعينة من المجتمعات المحلية . ولعل كتابه " ثقافة الفولك عند اليوكاتان" (Redfield , Robert , The folk culture of yucatan ). من أهم أعماله التي نشر فيها نتائجه الميدانية ، وعرض من خلالها إطاره التصوري ، الذي تضمن فكرة المتصل الريفي ـ الحضري . وفي هذا السياق ، اختار ريدفيلد أربع مجتمعات محلية لاختبار ما وضعه من فروض ، اذ افترض بدءا ، ان كل واحدة من هذه المجتمعات تمثل نقطة متميزة على طول متصل متدرج يبدأ بمجتمع الفولك وينتهي بالمجتمع الحضري. 

إن المجتمعات المحلية الأربعة ، التي اختارها ريدفيلد للدراسة تباينت الى حد ما في خصائص كل واحدة منها ، ولمعرفة ذلك فقد كانت مدينة " الميريدا " Merida مركزا للنشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، ومكانا تتواجد فيه مختلف الأنشطة الترفيهية والسياحية ، الى جانب توافر الصناعات المحلية ، ويشار في هذا الصدد ، ان هنالك درجة عالية من التغاير واللا تجانس وهي سمات الحضرية الواضحة ، وهذا يعود بطبيعة الحال الى تنوع الجماعات العرقية في المدينة ، كما أشرت الدراسة اختلاف في المكانة الطبيعية والسكنية والتعليمية والمعيشية ، وثمة مؤشرات أخرى أظهرتها دراسة ريدفيلد تعلقت أهمها بملاحظة درجة عالية من الحراك الاجتماعي والفيزيقي والمهني   . 

وعلى النقيض من هذا النمط الذي استجلته الدراسة ، ظهر نموذج اخر تجسد بوجود قرية اسمهما " التوسيك " Tusik ، وهو المجتمع المحلي الثاني ، اذ اتضح ان لهذه القرية طابع قبلي صغير ، انحدر سكانها من سلالة واحدة تنتمي الى قبيلة X.CacL ولوحظ في هذه الدراسة ، ان لسكان هذه القرية انعزالية واضحة واكتفاءً ذاتيا يجعلهم أكثر بعدا عن القرى المجاورة . وقد وجد ريدفيلد أيضا أن طابع العلاقات الاجتماعية في التوسيك يسوده التجانس والاستقلال التام عن الحكومة المحلية ، وهذا يعطي انطباعا ان ثمة سلطة محلية واضحة يقودها زعماء محليين ، لاسيما بعد ان عرفنا ان انتماءات السكان في التوسيك انتماءات قبلية ، وهو امر يؤشر وجود السلطة التقليدية ، التي تحدث عنها ماكس فيبر ، وكل هذا يجعلهم يقفون موقفا عدائيا من جيرانهم المتحضرين . كما كشفت الدراسة ان ما يساعد على عزلة سكان التوسيك من الناحية الاجتماعية والثقافية ، ما تميزت به القرية اصلا من عزلة مكانية وجغرافية .

اما فيما يخص المجتمعان الاخران وهما " شانكوم وديتاس " فقد افترض ريدفيلد انهما يقعان في وسط المتصل الذي بدا طرفه الاول بمجتمع الفولك (ممثلا بقرية التوسيك) وانتهى بمجتمع الاخر الذي اتضح في ضوء الدراسة انه الاكثر تحضرا ( ممثلا بمدينة الميريدا ) . فموقع مجتمع الشانكوم من هذا المتصل ، انه ابتعد بعض الشيء عن القطب الحضري ، فيما اقترب من وجوه كثيرة الى القطب الريفي ، ولتدليل ذلك استظهر ريدفيلد ثمة خصائص لشانكوم تقربه الى النموذج الريفي ، تتمثل بانه ذات حجم صغير ، واعتماد سكانه على الزراعة ، ويظهر ايضا ان انتماءاتهم قبلية لا ينازعها أي انتماء ، كما افتقرت القرية الى أي نوع من التغاير الاجتماعي ، لكن في جانب اخر فان القرية ابتعدت عن التوسيك في بعض الوجوه ، لاسيما ابتعادها عن العزلة الاجتماعية والثقافية التي تميزت بها قرية التوسيك ، ويكشف ريدفيلد لنا في هذا السياق ، ان سكان الشانكوم عبروا عن رغبتهم في توثيق العلاقات مع مجتمع اليوكاتان والمدن المجاورة لها ، ومن ثم فأنهم يرغبون في التعامل مع الحكومة ومشروعاتها التنموية .وبناءً على ذلك فقد توصل ريدفيلد بان قرية الشانكوم استنادا على الخصائص المذكورة أعلاه ، يسيرون على طريق التحضر ، او على حد تعبيره " قرية اختارت التقدم وسعت اليه " .

وقدم ريدفيلد نموذجا رابعا ، تجسد بقرية " ديتاس " ، فكشفت دراسته عن ابتعاد طفيف لسكان قرية ديتاس عن التحول الى الحضرية ، وهو أمر يختلف عما سٌجل في مجتمع الشانكوم ، لكن مع ذلك ، فان الخصائص التي تجتمع في قرية الديتاس ، تجعل المراقب حذرا جدا في وصف مجتمع الديتاس على انه حضري ام ريفي ، وذلك لانتشار الزراعة الى جانب وجود بناء مهني مكون من أنشطة وأعمال متنوعة تمثلت بقاضي المنطقة في القمة الى عمال النقل والشحن.مما دعا هذا التداخل الى وصف قرية الديتاس بانها تقع في منتصف الطريق الذي مثله متصل الفولك ـ حضري لدى ريدفيلد  .
 وفيما يلي نبين فكرة المتصل الريفي ـ الحضري في مخطط توضيحي

وبناءً على أعلاه ، فانه يمكن القول : ان مجتمعا من المجتمعات اقرب الى الريفية او الى الحضرية ، وهذا المعنى يقودنا أيضا الى الإقرار بان هذا التدرج في الخصائص يتزامن معه اختلافا في أنماط السلوك ، تجعل المجتمع يشذ او ينحرف عن النمط المثالي ، الذي يصنف ضمنه ، بمعنى اقرب ، ان مجتمعا ما كان سابقا يصنف انه ريفي اصبح اليوم يصنف انه حضري ، ومن ثم انحرف عن النموذج المثالي " الريفي "  . 
وفي صدد حديثه عن التغيرات التي تظهر عندما يتحول المجتمع من حالة الفولك الى حالة الحضري ، فقد اختزلها في ثلاث مقولات رئيسية وهي : زيادة التفكك الاجتماعي ، تزايد العلمانية ، وزيادة انتشار الفردية . ومن ثم فان هذه الخصائص تمثل خصائص المجتمع الحضري في نظر ريدفيلد .

الخاصية الأولى : زيادة التفكك الاجتماعية 

 ويعني ذلك في نظر ريدفيلد ، ان منظومة القواعد والمعايير والمثل التي توجه الفعل الاجتماعي في مجتمع الفولك ، أصبحت ألان أكثر تعقيدا بعد أن تحول المجتمع الى النمط الحضري ، وفي هذا السياق ، يتخذ التفكك الاجتماعي والثقافي أربعة مظاهر أساسية : أولا ، فقدان الثقافة لوحدتها التقليدية ، وقد لاحظنا كيف أن سكان قريتي التوسيك والشانكوم ، قد انتظموا في نسق واحد من المعتقدات والقيم والمثل ، التي توجه سلوكهم وتحدد توجهاتهم ، بينما الأمر اختلف تماما عند سكان الميريدا والديتاس ، اذ فقدت الإطار الثقافي وحدته المتجانسة ، نتيجة تشعب المجتمع الى ثقافات فرعية مختلفة تباينت فيما بينها اثنيا ، وعرقيا ، وطبقيا ، وثانيا ، اتساع نطاق البدائل الثقافية أمام الفرد ، مما يصعب معه تحديد الأنماط السلوكية الواضحة ، ومن ثم تظهر عليه اللا معيارية او الانومي ـ كما اسماها دور كايم ـ ، وثالثا ، فان التكامل والارتباط الذي تمتع به النسق الثقافي ، لاسيما في مجتمع الفولك ، أصبح بفعل التغير في المجتمع الحضري مفقودا ، وإذا ما أراد شخصا فهم الطقوس التي تصاحب المرض ، فانه لابد ان يربط ذلك ما يجري أثناء العمل الزراعي ، والتفكير الغيبي من قيم ومعتقدات كلها تمثل سمة بارزة في مجتمع الفولك . وأخيرا ، فان المظهر الرابع من مظاهر التفكك الثقافي ، يتمثل في الصراع الواضح بين المستويات الثقافية لدى المجتمع الحضري ، الذي يواجه فيه الفرد توقعات سلوكية متعارضة ، في حين لا نجد ذلك في مجتمع الفولك الذي تنسجم فيه السمات الثقافية مع بعضها البعض .

الخاصية الثانية :تزايد العلمانية في مقابل ضعف فاعلية المقدس

 لا شك ان هذه الخاصية ، لا تظهر في بنية مجتمع الفولك ، فهو مجتمع تتحكم فيه باستمرار الموجهات الدينية والغيبية ، وهو امر نجده واضحا على افعال وتصرفات أفراده، بينما ترتبط كل النشاطات الحضرية تقريبا ، بحسابات عقلانية وبراغماتية ، ومن ثم ، فان المقدس في المجتمع الحضري قد لا يكون له دور بارز في الحياة الاجتماعية الحضرية .  

الخاصية الثالثة : انتشار الفردية :

 وهذا يعني ان الفرد في المجتمع الحضري ، هو من يحرك ويتحكم بموجهات السلوك الإنساني ، وهو المسوؤل على قراراته نيابة عن الجماعة ، لتمثل الأخيرة منبعا أساسيا لحياة الأفراد في مجتمع الفولك ، ويصبح الفرد هنا متبوعا لا يبصر بعينه ، وانما بعين الجماعة ، التي تنوب عنه في كل شيء ، وهو أمر قد يفسر لنا مدى إبداع الإنسان وتفوقه ، فالفرد الذي تقيده الجماعة ، لا يستطيع أبدا ان يفكر بحرية ، وان يبدع ، فهو دائما يتخوف من ذلك ، لان غول " التمثلات الجمعية " على تعبير دور كايم ، يتهدده ويتوعد به وصما يلصقه به . في حين ان الفرد عندما يتحول الى النمط الحضري ، يكتشف ان ما كان سابقا هو عبارة عن " ترّهات " ، فمثلا اذا كان الفرد يبذل كل جهده ووقته في خدمة اعمال جمعية ، فان هذا يعد مضيعة للوقت وسخف يرفضه تماما الفرد الحضري .

إذا ، نستطيع القول : إن الخصائص أعلاه تعبر عن تطور حالة الحضرية ، وهو أمر يبقى مرهون بمدى بلوغ المجتمعات تلك الحالة ، فكلما ازداد المجتمع علمانية ، وأصبح للفرد قرارا ، وتضاءل دور التفكير الأسطوري والغيبي يمكن القول ان المجتمع في طريقه الى الحضرية ، وعكس ذلك ، فان المجتمع اما ان يبقى في منتصف المتصل الريفي ـ الحضري ، الذي حدده ريدفيلد ، او انه يكون الأقرب الى الريفية منه الى الحضرية .    

تعليقات