![]() |
| فيروس كورونا |
التصور الاجتماعي لفيروس كورونا عبر البرامج الاذاعية
- اكساسن عبدالسلام
- باحث في سلك الماستر - التنظيمات الاجتماعية واستراتيجيات التغير
- بجامعة عبدالمالك السعدي-تطوان
تقديم:
وتماشيا مع هذا الطرح، لا يمكن لنا عزل فيروس كورونا عن تمثلاتنا الاجتماعية حول الأوبئة على مدى التاريخ، بمعنى نود الإنفترض؛ بأن هناك تمثل اجتماعي مسبق من جهة، ثم هناك تسويق مفرط للفيروس عبر الأجهزة الإعلامية من جهة أخرى، وبذلك تكون وسائل الإعلام محددا مهما من محدّدات تنشئة الأفراد اجتماعيا حتى وإن كانت هذه الأهمية ثانوية وتشترك في الدور والوظيفة مع أطر اجتماعية أخرى. ونفترض أن قوة البعد الاجتماعي للعملية الاتصالية والإعلامية والوظائف الاجتماعية المهمة، التي تقوم بها مؤسسات الإعلام على غرار التنشئة الاجتماعية (la socialisation) والاندماج الاجتماعي (L’intégration sociale)، إذن نطمح في هذه المقالة، - ولو ملاحظات وقراءات أولية،-أن نرصد كيف يُتمثل هذا الفيروس اجتماعيا وثقافيا، عبر البرامج الإذاعية؟ وما التصورات الاجتماعية التي يقدم هذه البرامج الاذاعية حول الفيروس؟
على سبيل الاستشكال الابستمولوجي للموضوع.
إن الحيرة المعرفية التي انطلقت مع بداية القرن العشرين والتي شهدت تساؤلات جدية حول الماهية الجديدة للمجتمعات وأثر وسائل الإعلام الجماهيرية في التغييرات التي عرفتها ماهية المجتمع الحديث وما مصداقية ما يسمى المجتمع الجماهيري ثم وصف مجتمع المعلومات، إذا ما أضفنا عامل هيمنة وسائل الإعلام اليوم على الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات، فكيف يمكن أن نفهم ونفسر الأبعاد الكامنة لوسائل الإعلام وتأثيراتها المختلفة في التمثل الاجتماعي حول الفيروس كورونا؟ وهل من الممكن أن نخلص بعد ذلك إلى التلويح بأهمية فكرة مراجعة التطبيق السوسيولوجي لوسائل الإعلام واعتبارها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولية، كما يلاحظ من خلال هذه التحولات العميقة؟إضافة إلى ذلك، ما نحاول سرده، هو محاولة تقديم ملاحظات سوسيولوجية حول أهمية تكامل الحقول المعرفية، سوسيولوجيا الاعلام وسوسيولوجيا الصحة حول موضوع الفيروس كورونا، على ضوء هذا، أردنا أن نبين كيف نفهم سوسيولوجياً التمثلاث حول الفيروس كورونا لدى الأفراد، مع أنه يصعب من الناحية السوسيولوجية تقديم جواب حوله في غياب الدراسة الميدانية، لذا تبقى هذه الفرضيات والأفكار أولية ومؤقتة، كما لا يغب عن أذهننا، أن سبق للسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا درست موضوع المرض وبنت حوله رؤية تنظرية وعدة مفاهمية، تأسيسا لهذا الموضوع نظريا وابستمولوجيا، إضافة إلى ذلك هناك علم الأوبئة ومجموعة من الحقول المعرفية التي تتكامل وتتقاطع حوله، كلها هذا يمكن أن يؤطر لنا ويرسم الخريطة المنهجية والمعرفية حول الموضوع.
الإعلام السمعي ومحاولة عقلنة السلوك الاجتماعي حول الفيروس كورونا.
يعرف دينيس ماكويل (D. Mcquail) وسائل الإعلام بأنها مؤسسات تهتم بإنتاج المعلومات والأفكار والثقافة وتوزيعها على الناس تلبية لحاجياتهم الاجتماعية(2)، وهي أيضا «الأجهزة الأساسية للعلاقات الاجتماعية»(3).كما أنها- أي وسائل الإعلام- «الأداة الرئيسية لعملية الإعلام بكل خطواتها بدءا من اختيار الفكرة وصياغتها في رسالة ذات محتوى وشكل معين إلى أن نصل إلى جمهور المتلقين لتحقيق وظائف أو غايات معينة ذات علاقة بالفرد والمجتمع»(4).
واستنادا إلى هذه التعريفات المتقاربة، يبدو البعد السوسيولوجي لوسائل الإعلام حاضرا بقوة. فهي نظم اجتماعية تحتكم إلى ما تحتكم إليه أجزاء النظام الكلي من وظائف وعلاقات متبادلة، ناهيك عن دورها في تحقيق ما يسميه اميل دوركايم(Emile Durkheim) مبدأ التساند الوظيفي. وقد حدّد بعض خبراء الاتصال والإعلام وسائل الإعلام الجماهيرية بأنها «مجموعة الوسائل والأدوات التي تسهل عملية النشر والتوزيع على نطاق واسع»(5)، علما بأن وسائل الإعلام التي نركز عليها في هذه المقالة إنما هو الاعلام السمعي (البرامج الاذاعية).
من خلال هذه الأدوار التي يؤدي الاعلام في المجتمع، يمكن لنا الوعي بالتوجيه والتأطير الاعلام للسلوك الاجتماعي على ضوء محتوى الرسالة الحاملة له، وبهذا الصدد، يعتبر الاعلام هي مؤسسة من مؤسسات التنشئة والضبط الاجتماعي، ولا يخلون من تأطيرات وخطابات سياسية من قبل مؤسسة الدولة من جهة، ثم من النسق الثقافي للمجتمع من جهة أخرى. ونحن أمام الاعلام الرسمي المؤطر قانونيا والمراقب سياسيا أكثر من السوشال ميديا، خاصة في هاته اللحظات وهذه التجارب الذي يعيش العالم بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة.
إذن من خلال ملاحظتنا حول البرامج الاذاعية والتقارير الوزارية المؤطرة لمؤسسة الإعلام بصفة عامة، يتبن أن المؤسسة المغربية للإعلام تتواصل في إنتاج العديد من الأعمـال والمقاطع التوعوية للفئات الاجتماعية، والتي تساهم بشكل كبـير فـي تكوين وبناء سلوكات اجتماعية عقلانية، فقدمت المؤسســـة مجموعة من المقاطع التحفيزية المهمة التي تهدف إلى بناء تمثلات وتصورات لدى المجتمع بأهمية البقاء في المنزل والالتزام بتوجيهات الدولة، كحل بديل لمعالجة الفيروس، وقدمت المؤسسة مجموعة من الخطابات بلغة الإشارة عن فيروس كورونا.
كما لا يغفل علينا، أن هناك هيمنة الخطاب العلمي والطبي في البرامج الإذاعية، متجسد في ذوات باحثة متخصصة، من أجل تكريس تصورات اجتماعية عقلانية، تتمثل في ندوات علمية استشارات طبية،... وهذه الموجات الإعلامية لاقت رواجا كبيرا وتأثيرا على تمثلات الأفراد، من أجل إنتاج سلوكات اجتماعية تضامنية وعقلانية تجاه التصرف نحو الأزمة.
كرست البرامج الاذاعية تمثلات وترسيخ لثقافية الصحة ، من خلال تسويق لشعار أن الوقــــــاية خير من العلاج، متجسد في مجموعة من السلوكات والقيم الاجتماعية الصحية (غسل اليدين باستمرار، عدم المصافحة، الالتزام بالبقاء المنزل، التضامن الاجتماعي عبر التباعد الجغرافي،...).
وفق لهذا التمهيدات، يعتبر البرامج الاذاعية إحدى البدائل المدرسة كمجال فيزيقي للتنشئة والتربية، هذا أدى إلى رفع من المحتوى البرامج الاذاعية، التي هيمنت على خطابتها خطاب علمي رصين، استجابة للحاجة الاجتماعية، من قبل الفاعلين الاجتماعين والسياسيين.
إذن هناك مطلب قوي للبرامج الاذاعية، ثم مطلب الرفع من المضمون والرسالة البرامج الاذاعية من أجل تلبية حاجات الاجتماعية.
الخطاب الإعلامي(البرامج الاذاعية) وسؤال التصورات الثقافية للفيروس.
افتراضا، ربما هذه الدعاية والموجة الإعلامية، يرجع دافعه الأساسي إلى ترسيم الدولة لسياسة اجتماعية قادرة على مواجهة المسألة الثقافية للمجتمع، التي تؤطر لسلوكات وتصورات وتمثلات ومعتقدات الأفراد حول المرض والأوبئة.
ربما أردت رسم خريطة وتكريس لتمثلات اجتماعية وثقافية حديثة وعقلانية بديلة لما هو سائد في المخيال الاجتماعي عبر البرامج الاذاعية. مثل مقولة المرض كعقوبة، التي لازلت تتجسد في المخيال الاجتماعي، وهذا الاعتقاد يسود في كثير من المجتمعات. وعلى هذا يتماثل الأمر الاجتماعي مع الأمر الأخلاقي في المجتمع الإنساني الذي تعتمد فيه الصحة على الفضيلة والطهارة.
هذه المقولة تنال وجودها الاجتماعي والثقافي من خلال الاعتقاد في هذا الفيروس، بأنه عقوبة لكل من انتهاك القواعد الاجتماعية ويصيب كل من يخرق التابو وسائر المحرمات الأخرى، والامتثال للتصورات الدينية، من خلال الاعتقاد في الفيروس كجند من جنود الإله كما يتخيل في ذهن الفرد، وهذا راجع إلى الثقافة السائدة في المجتمع، التي لازال الاعتقاد في السحر والأرواح الشريرة حاضر بقوة.
إضافة إلى ذلك، هنا بعض الفئات و الأفراد الذين لازالوا لم يدرك بعد خطورة الفيروس، وخطورة انتقاله من شخص إلى آخر، والاعتقاد بأنه مجرد "خرافة" ولا وجود له. مثل ما وقع مع تلك المرأة التي صرحت عبر شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا أن الفيروس ليس سوى خرافة.
- أعادت الناس اهتماماً أكبر بالإعلام السمعي (البرامج الاذاعية).
- هناك حاجة للمصالحة وتقوية الثقة في هذه البرامج الاذاعية، من خلال تقديم أخبار ومعلومات ووقائع صحيحة عبر التحري والاستقصاء، دون تهويل يثير الفزع بين الناس أو تهوين يحرضهم على الاستسهال بإجراءات الوقاية من الفيروس.
- الرفع من محتوى ومضمون البرامج الاذاعية، الذي كان قبل ذو محتوى ضعيف ولا يلبي حاجات المجتمع.
- هناك مواجهة الاعلام السمعي (البرامج الاذاعية) التصورات السائدة حول الفيروس بالخطاب العلمي والطبي والعقلاني.
- هناك تسابق حول اعلان عن أرقام المصابين، كما الحال بالنسبة الاعلام البصري والالكتروني والسوشال ميديا.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
إضافة إلى ذلك، هنا بعض الفئات و الأفراد الذين لازالوا لم يدرك بعد خطورة الفيروس، وخطورة انتقاله من شخص إلى آخر، والاعتقاد بأنه مجرد "خرافة" ولا وجود له. مثل ما وقع مع تلك المرأة التي صرحت عبر شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا أن الفيروس ليس سوى خرافة.
خلاصات واستنتاجات.
من خلال بعض هذه الملاحظات التي يمكن إبداءها في شأن تعاطي الإعلام السمعي(البرامج الاذاعية) مع هذا الفيروس وتداعياته، ومحاولة تلبية حاجات المجتمع من جهة وتطبيقا للسياسات الدولة من جهة ثانية، إنه الشيء الذي يجعلنا أن نستنتج الخلاصات التالية:- أعادت الناس اهتماماً أكبر بالإعلام السمعي (البرامج الاذاعية).
- هناك حاجة للمصالحة وتقوية الثقة في هذه البرامج الاذاعية، من خلال تقديم أخبار ومعلومات ووقائع صحيحة عبر التحري والاستقصاء، دون تهويل يثير الفزع بين الناس أو تهوين يحرضهم على الاستسهال بإجراءات الوقاية من الفيروس.
- الرفع من محتوى ومضمون البرامج الاذاعية، الذي كان قبل ذو محتوى ضعيف ولا يلبي حاجات المجتمع.
- هناك مواجهة الاعلام السمعي (البرامج الاذاعية) التصورات السائدة حول الفيروس بالخطاب العلمي والطبي والعقلاني.
- هناك تسابق حول اعلان عن أرقام المصابين، كما الحال بالنسبة الاعلام البصري والالكتروني والسوشال ميديا.
- الهوامش:
- - 1Leon Robertson and Margaret Heagarty, Medical sociology, Nelson-Hall Publishers, Chicago, 1978.
- 2- العبد الله (مي)، نظريات الاتصال، دار النهضة الحديثة،بيروت،2006، ص171.
- -3 Terrou (Fernand), L’information, Paris, P.U.F., 1974.
- 4- العبد الله (مي)، المصدر السابق، نفس الصفحة.
- - 5Terrou (F.), Ibid

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة